الرئيسية / وجهات نظر / الخطوة التي لم تجرؤ عليها النهضة
sعبد الجليل المسعودي

الخطوة التي لم تجرؤ عليها النهضة

إذن، قررت قيادة حركة النهضة أن تتخذ لها مرة أخرى مكانا محايدا في الانتخابات الرئاسية التي من المنتظر أن تنتظم دورتها الثانية بعد أسبوعين من اليوم. قادة النهضة الذين اعتكفوا كامل نهاية الاسبوع في مجلس شورى نُعت بالحاسم لم يقدروا على قطع الخطوة الأخيرة وإعلان من الباجي قايد السبسي أو منصف المرزوقي ستُدعى القواعد النهضوية الى التصويت له؟
الحسم كان صعبا دون شك وليس أدل على ذلك البيان الختامي الذي جاء متلكّئا ومترددا تعبيرا ومعنى. إذ كيف يمكن أن تقع الدعوة الى الحياد والإقبال على التصويت بكثافة وانتخاب المرشح المناسب في ذات الوقت معا؟
كنا ننتظر أفضل من هذا من قادة القوة السياسية الثانية في البلاد، وكنا نطمح الى أن نرى زعماءها يقطعون في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد الخطوة الجريئة المتبقية التي تجعل منهم نهائيا والى الأبد صنّاع انتقال تونس الى بلد ديمقراطي مستقر ومزدهر. كنا ننتظر ذلك لأن زعماء النهضة وأولهم الشيخ راشد الغنّوشي أثبتوا أنهم لا يتخلّفون عن مواعيد التاريخ.
من يمكنه أن ينسى موقف رئيس الحركة من مسألة مدنية الدولة، أو مسألة رفع السلاح في وجهها؟ ومن يمكنه أن ينسى موقف الشيخ راشد الغنوشي من أزمة الحكم وقبوله بخروج حزبه سلميا من السلطة، أو موقفه الرافض للإقصاء والاجتثاث السياسي؟ كل هذه المواقف وأخرى عديدة قدمت الحجج والبراهين على أن الرجل يتمتّع بخصال الزعيم الشجاع القادر على اتخاذ القرار الصعب ولكنه القرار الحكيم المنقذ الذي يمهّد في كل مرة للاقبال على مرحلة جديدة تضمن للنهضة تطورا في الخطاب والتمشي وثقلا نوعيا على الساحة السياسية الوطنية؟
ولا يختلف اثنان في أن الشيخ راشد الغنّوشي قد نجح بفضل الواقعية السياسية التي انتهجها في التعاطي مع أخطر المسائل الطارئة في أن يجعل من النهضة حزبا وطنيا منفتحا على واقعه المحيط وذا منحى مستقبلي.
ولكن لماذا يقف قادة النهضة اليوم مترددين غير قادرين على اختيار مرشحهم للرئاسة؟ هل هي المكابح النفسية التي تحول دون قطع هذه الخطوة أم هي حسابات أخرى؟
يعلم زعماء النهضة وأولهم الشيخ راشد الغنوشي أن لا مجال للموازنة وتقليب الرأي بين المرشحين الاثنين. فالمرزوقي الذي جُرّب ولم يصح لا يمكن أن يكون رجل المرحلة المقبلة لما يكتنزه من عقد ومشاعر تتراوح بين العدوانية وإرادة ا لأخذ بالثأر سوف لن تمكث طويلا قبل أن تظهر لو وقع انتخابه رئيسا للتونسيين. والمرزوقي لا يمكنه أن يكون رجل المرحلة المقبلة لسبب آخر أخطر وهو أن وضع البلاد لن يحتمل تعايشا متنافرا او متناقضا بين رأسي السلطة لأن ذلك سيؤدي حتما الى التوتر وربما الى العنف وسيكون عائقا كبيرا أمام الاصلاحات التي تحتاجها بلادنا للخروج من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية التي إن تواصلت فإنها ستعود بالوبال على الجميع. وأخيرا فإن زعماء النهضة وأولهم الشيخ راشد الغنوشي يعلمون ان التغوّل فزاعة كذبة لأن عجلة التاريخ دارت ولن تعود القهقرى.
إن الاختيار الامثل لتونس هو قايد السبسي، ولا تزال الفرصة قائمة أمام زعماء النهضة لإعلان هذا الاختيار وضرب موعد مع التاريخ، كما تعودنا منهم ذلك.

*صحفي تونسي/”الشروق” التونسية