الرئيسية / وجهات نظر / «مأسسـة» الانقسام فــي ليبيــــا
امين بن مسعود

«مأسسـة» الانقسام فــي ليبيــــا

يبدو أنّ ليبيا تجاوزت مرحلة «الانقسام» السياسي والعسكري وحتى الجغرافي في البلاد لتصل اليوم إلى مرحلة «مأسسة الانقسام» وتحويله إلى مؤسسات سياسية وقانونية وإداريّة وحتى دستوريّة , وهي حلقة عادة ما تسبق التفتيت والانفصال والتقسيم.
الشاهد في هذه المقولة الإقراريّة كامن في قرار الدائرة الدستورية في المحكمة العليا الليبية القاضي ببطلان الانتخابات البرلمانية الأخيرة وتقويض شرعية حكومة عبد الله الثني التي باتت تحظى بالدعم الإقليمي والدولي وأصبحت تمثّل لشريحة واسعة من الشعب الليبي الشرعية والمشروع.
لن نعلّق على مضمون القرار القضائي الأخير , فليس من صلاحيات الإعلام أن يعقّب على قرار سلطة قضائية نريدها لبنة في صرح البناء الوطني الليبي، كما أنّه ليس من حقّ الإعلام أن يشكّك في شرعية طرف قضائي يناط بعهدته تثبيت استقلالية السلط ومراقبة الأداء التنفيذي ومحاسبة المتجاوزين، بيد أنّ مطالعة لظروف عقد جلسة أمس الخميس من شأنها بيان ملابسات اتخاذ القرار.
فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال انتظار قرار قضائي مستقل ومحايد في سياق محاصرة جحافل من الميليشيات التكفيرية التي صادرت الوطن وخطفت مستقبل المواطن لمقرّ المحكمة الدستوريّة … ولا يمكن أيضا ترقّب قرار قضائي يأتي في غير رغبة السياسيين المتحالفين مع الشيطان التكفيري بليبيا وطرابلس برمتها -العاصمة السياسية والسيادية- في قبضة إرهابيي «أنصار الشريعة» … ولا يمكن أيضا – والحال هكذا – صدور أمر قضائي مستقل والسلطة التنفيذية والتشريعية والمؤسسة العسكرية والأمنية والأجهزة الإعلامية كلّها منقسمة هيكليا بين مشروعين متباينين إلى حدّ التناقض والتضادّ … وليس الرصاص المجلجل في غالبية التراب الليبي بين قوات حفتر والجيش الليبي من جهة وأنصار الشريعة ومن يشرّع لها من جهة ثانية سوى انعكاس لطبقات واسعة من الهوة المتحكمّة في مفاصل الوطن الليبي.
الخطير في القرار القضائي – مع احترامنا للمؤسسة القضائية – أنّه يضرب لا فقط الفعل الانتخابي التشريعي ولكنّه أيضا «يقوّض مسارا شرعيا كاملا ومشروعا وطنيا يحظى بدعم الشارع وتأييد دول الجوار والمؤسسات الأممية … بيد أنّ الأخطر من كلّ ذلك أنّه يعطي «الشرعية» لمن استباحها بالدم والدمار ومن «احتلّها» بالغلبة والسلاح … وقد يكون من الغريب أنّنا مرة أخرى في مفارقة مؤلمة قوامها «منح» ما لا يجب لمن لا يستحق ونزع ما يجب عمّن يستحقّ…
شرعنة «الميليشيات» وتشريع العنف المسلّح وإسقاط «الشرعيات» وإضعاف المؤسسات … هي أسوأ مقدمات لنهايات «الدولة الفاشلة» ومن بعدها «الإقليم الفاشل»… حيث لا تعاون ولا تنسيق مشتركا وحيث تنتشر «الاقتصادات» الموازية والسلطات الموازية والجيوش الموازية أيضا…
ليس من الغريب صدور هذا القرار , بعد إعلان إمارة درنة وبعد بداية التنسيق التونسي الليبي الجزائري وبعد التفكير الجدي في تشكيل حلف عسكري مصري خليجي لضرب الدواعش المغاربة…
القرار قضائي – نحترمه – ولكنّ فيه الكثير من السياسة والإيديولوجيا ومشاريع التخريب والفوضى لن نسكت عنها ولن نصمت حيالها حتى وإن لبست «جبّة» القضاء أو الإفتاء..

* كاتب وصحفي تونسي/”الشروق” التونسية