الرئيسية / وجهات نظر / عوائق التحول السياسي في الجزائر
الجزائر

عوائق التحول السياسي في الجزائر

شاءت طبيعة المخاض السياسي وما واكبه من سؤال هوية السلطة وسلطة الهوية، الذي وسم تجربة الدولة الوطنية في الجزائر ، كما في غيرها من البلاد العربية، أن ينزف القطر في موضع آخر من جسده، ومعه ينهدر بلا انحباس رصيده من خيرات المعنى، إنها ثروة غير مادية، هي ثروة الوعي بحصائل تجربة العيش القطري، التي تقود وفق قانون وشرطية التغيير نحو تطور آليات العيش المشترك، وعلى رأسها مسألة السلطة تسلما وتسليما، وفق أبجديات العمل الديمقراطي بوصفه نموذج العصر الأمثل.
يحدثنا تاريخ السياسة دوما عن شعوب أعادت بناء دولها، وصاغت السلطة فيها وفق املاءات وعيها المتجدد، الذي نبع من تراكم تجربة العيش المشترك، ولم تكن عملية إعادة البناء تلك بمعزل عن عنف التأسيس الثوري الذي شكل مرحلة شرطية في التحول من نمط تاريخي للتعايش المشترك طبعه هيمنة الإرادة المتسلطة لدوائر القداسة والجاه والمال، إلى نمط انقشع وميضه مع المنقلب الحداثي العقلاني الذي شمل كل مناحي الوجود الإنساني، فاقتضى إصرار الشعوب على التحول في مواجهة غطرسة الإرادة المتسلطة ورفضها لذلك، أن تتوالى أطوار من الحروب الأهلية وتنهمر أودية من الدماء، كي يحسم الأمر فيما بعد لذلك الإصرار المستميت والمتواصل، الذي يستمد استمراريته وديمومة نموذجه، لكونه تأتى من ملحمة وعي هي خلاصة لتراكم ضخم في تجربة العيش المشترك، ألهمت العقول الثورية والتحديثية للوجود المشترك فلسفة بسط سيادة الشعوب على المصير المشترك وقداسة المؤسسة ودنس طغيان حكم الفرد، فكان بذلك وعيها التاريخي تعلما، في الوقت الذي ظل فيه الوعي بتجربة الدم التأسيسية للدولة العربية ومنها الجزائر تألما ليس إلا، أي لا يعدو نطاق الموقف العاطفي مقابل الموقف التاريخي للتجربة الغربية.
فوعي الجزائري بأحداث عشريته السوداء، على سبيل المثال لا الحصر، ترسخ في نطاق التراجيديا الكبرى ولا تتجاوزه البتة، حيث التأسيس لرؤية أخرى في الآليات الممكنة وفق الخصوصية الوطنية، من أجل تحقيق العيش المشترك، تنبع أساسا من ركام حطام التجربة الوطنية وفشلها في صياغة مشروع بناء أمة.
ولعل السبب في ذاك عائد بالقطع إلى عدم اكتمال صورة الأشياء، وأبعاد معانيها لدى الجزائري وغموض طبيعة ومصادر القرارات الكبرى، التي تصرفت في مصيره، ورسمت شاكلة وجوده الوطني، التي كان فهمها واستيعابها سيسهم في ازدياد الوعي بالواقع. فالإنسان المواطن الغربي ولد كمواطن من رحم الوعي القُطري الذي خلقته ثورة الشعب على سلطة الثروة، وبه قتلت شخصية الحاكم بأمره المنبوذة، وخلقت المؤسسة كعنوان وضمان للشراكة المجتمعية في إدارة المصير عبر جل مستويات الحكم بالبلاد، وكان يفترض، بحكم المحاكاة التاريخية التي تطبع علاقات التجارب الإنسانية، أن يكون هذا مآل التجربة في الجزائر، بيد أن العكس منه تماما هو الحاصل، فأحداث العشرية السوداء، والمنظار الذي نصب وفرضت الرؤية من خلاله، أركس بلا رحمة مسار التفاعل مع تلكم التجربة، وانقلب خيار المواطن لتناطح منطق ومجري التاريخ، يقتل المؤسسة ويخلق مجددا الشخصية المعبودة الحاكمة بأمرها! رب قائل يقول إنه شكل من أشكال الوعي بالواقع الخاص، وأن المواطن تأكد من ألا سلامة للعيش المشترك إلا بمنطق الشخص الكاريزمي والزعيم الحازم الصارم، وإلا فالفوضى هي السائدة في الأخير، هكذا قناعة ترسخت في العقل السياسي العربي والاسلامي، هي التي مكنت للطغيان من الانبساط في تاريخ الأمة وجغرافيتها، فهو ليس عيشا مشتركا بل مفروض، ما حال دونما ارتقاء في مسألة الحكم وما يستتبعه من فروع إشكالية تتعلق بالحياة العامة، كالحرية، العدل، التنمية والمواطنة وغيرها، فالإيمان بقناعة كهذه وحسبانها شكلا من أشكال «الوعي المكره» من المواطن هو استعادة لصدى هزيمة الشرعية المستقرة منذ عهد بني أمية في زوايا مظلمة من ذاكرة الأمة.
إن لحظة القطع مع حركة التاريخ التي يسري فيها ويجري دولاب تطور السلطة، وإعادة بنائها هرميا تأسيسا وممارسة، بسبب الانكسار الذي سببه الرسوخ في وعي التألم من تجربة الدم، أفقد المجتمع أهم أدوات التغيير وهو التطلع للمستقبل، لأن الماضي بجراحه صار سلطانه يتعاظم في المخيال العام، واستحال بذلك الموقف إلى حالة انتظار لا مدى ولا موضع لها في أبشع وضع يمكن أن ينسجن فيه وعي المواطن، مقابل حالة المواطن الغربي الذي وضعته تجربة الاسلاف على مسار انتصار متواصل في التاريخ، تتوالى السلط بأسمائها وأسماء بسلطتها والمجتمع يسبح في مدار فلك التطور السياسي، فشتان بين من ينتظر في التاريخ ومن ينتصر فيه.
فالحسم والانتصار بالدم على مأساة الوجود القطري التي خضعت لها الشعوب الغربية، جاء من إرادة افتدائية ابتدائية، كسرت عبرها بنى الحكم القديم الذي احتكر وعيها وصادر إرادتها وداس على كرامتها، فانبلج فجر جديد سلطانه الأول ليس من دم ولحم، بل من وعي وعلم، فكان القانون وكان السلم، رسوخا وسلوكا يطبع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بينما في العالم العربي عموما، التي تنمذجها الحالة الجزائرية بامتياز، فالسلطة هي التي كسرت بنى الشعب، وأنشأت طوائف وطبقات، كما هو الحال مع البورجوازية الجديدة التي ولدت في خزائن البنوك العمومية، في فترة مجاهدة المجتمع لإعصار الإرهاب، وصارت تتصدر وتتصدى للمشهد السياسي، رغم ما حفلت به التجربة الوطنية من أحداث رسمت بطبيعة مطالبها عناوين ومعالم لأحقاب غنية بالمعاني، هي بمثابة ثروة غير مادية حقيقة وخليقة بأن تؤسس لوعي وجودي ووجود واع في ما لو لم يعمد إلى تبديدها عبر طمرها بالمنتج النقدي «النقضي» الاستباقي «الاستباقائي» أي الذي رام تكريس الوضع القائمة والذي تتكفل به دوائر متصرفة في مسار تشكل الوعي الوطني، تشويشا وتشويها، من خلال أدوات القوة الناعمة، كالإعلام والأدب والمؤسسات الدينية، وكل منابر المصدرة للخطاب الرسمي.

إقرأ أيضا: الأزمة الاقتصادية بالجزائر..نلوم البترول أم نلوم أنفسنا؟

ثلاثة انقلابات عسكرية في عمر السلطة بالجزائر، 1962، 1965 و1992، وأكثر من حركة انتفاضة شعبية كبرى تمردت على أمر هاته السلطة، مؤشرة بذلك على فشل مشروعها الوطني، الذي به قامت وقادت ولا تزال، دولة الاستقلال، بعضها كان بمطالب ثقافية مرتبطة بسؤال الهوية كالربيع الأمازيغي سنة 1980، وبعضها الآخر شكل طعنا في أيديولوجية اليسار التي تبنتها الدولة اجتماعيا بشكل عمودي، ولوحت بقرب نهايتها، كأحداث جامعة الجزائر سنة 1982، وتلتها أحداث قسنطينة عام 1986 لتحل كبرى تلك الانتفاضات والتمردات على صلف السلطة وهي أحداث أكتوبر 1988 التي عوض أن تكون مدخلا لتغيير عميق في المجتمع، أريد لها أن تكون مدخلا لجحيم حرب أهلية طاحنة أتت على الأخضر واليابس، وكل التجارب تلك التي تشكل في حقيقتها إطارا مرجعيا يقود إلى وضع تصور آخر لمسألة التعايش الوطني ينقل الجميع من دولة الاستقلال، إلى استقلال الدولة عن سلطة تحتكر التاريخ والمعنى والمصير، ظلت بضاعة تاريخية كاسدة بفعل الاحتكار الرسمي للمبادرة السياسة من قبل بقايا الجهاز المحافظ في الفكر الاستقلالي للدولة، الذي نشأ من رحم الجهد الفكري والتنظيري للدولة لرجال الحركة الوطنية، كما لو أن التراث السياسي للجزائر المستقلة، الذي نشأ عن وعي جديد لجيل جديد، منسجم تمام الانسجام مع التحولات التاريخية الكبرى لمنطق الدولة والسياسة في العالم، لا يرقى إلى ما قبله من تراث الحركة الوطنية الذي لا يزال يبعث في لحظة زمنية ميتة، عبر مذكرات يصدرها بعض من عايشوها، لا تتيح للماضي فرصة التفاعل في بوتقتها، وإذا كان لا يزال ثمة من يتحسر على ضياع الميراث السياسي للحركة الوطنية، وعيا وممارسة بفعل الاحتكار الكلي لهذا الميراث، تأريخا وتوظيفا من قبل سلطة الاستقلال المستديمة في الحكم إلى اليوم، ما تسبب في حروب الذاكرة الأهلية التي توظف بإتقان في الحاضر، فإنه لمن باب أحرى وأولى أن على حالة الكساد في تجربة السياسة في دولة الاستقلال التي صار الوعي بها وتمثلها واجبا وشرطا من أوكد شروط التغيير المنشود.

كاتب صحافي جزائري/”القدس العربي”