الرئيسية / وجهات نظر / فولكلور رؤساء الأحزاب الجزائرية
الأحزاب

فولكلور رؤساء الأحزاب الجزائرية

كيف نفهم دوافع الصراع الذي يندلع هذه الأيام بين عمار سعداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، وأحمد أويحيى الأمين العام بالنيابة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ومدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟ وهل هو صراع مبدئي يمكن أن يؤدي إلى زلزال داخل بيت السلطة وأدواتها الحزبية؟ أم أن الخلافات بين الرجلين هي مجرد مماحكات شخصية لا تتعدى عتبة التناقضات المزاجية العابرة؟ كيف نفهم دواعي هجوم عبدالرزاق مقرَي زعيم حزب مجتمع السلم “حمس” على عمار سعداني، علما أن حزب “حمس” قد تقاسم الحكم في الماضي القريب مع حزب جبهة التحرير الوطني في إطار الولاء المطلق لحكم الرئيس بوتفليقة، وأنه بسبب ذلك لم يقدر حتى الآن أن يقنع الشعب الجزائري بأنه تخلص من هذا الميراث الذي لا يزال شبحه يطارده إلى اليوم؟
الملفت أن عهد الرئيس بوتفليقة يتميز بتثبيت قاعدة سياسية أساسها الرجل الواحد في مكان الحزب الواحد التقليدي، وبإحداث شرخ عميق في المشهد السياسي العام يتمثل في تقسيم الأحزاب إلى أحزاب موالاة رسم لها الدور الذي تلعبه مسبقا كمجرد بيادق تتحرك وفق إرادته، وإلى أحزاب معارضة شكلية تعاني من تناقضات حادة في ما بينها، سواء بسبب الانتماء العقائدي المتناقض والمتشظي أو جراء الطموح الشخصي للوصول إلى الحكم على نحو فردي. ويبدو أن المظهر الجديد في الحياة السياسية الجزائرية يتمثل في ما يحدث الآن داخل أحزاب الموالاة، ومن تنافر بين بعض رؤساء أحزاب المعارضة وبين بعض رؤساء أحزاب الموالاة.
في هذه الأيام بدأ رؤساء أحزاب الموالاة يشهَرون ببعضهم البعض ويعلنون أمام الملأ عن عدم انسجامهم وعن تنافرهم على نحو ملحوظ. لا شك أن هجوم رؤساء أحزاب الموالاة على بعضهم البعض يعد سابقة لم تعهدها الساحة السياسية الجزائرية، ويبدو أن المحرك الأساسي لمثل هذا التصادم يدخل في إطار المنافسة الشخصية، وقرع الطبول قبل موعد الانتخابات الرئاسية القادمة.
هذه الصراعات داخل أحزاب الموالاة ليست أيديولوجية بأي معيار من المعايير لأنها متفقة جميعا على العمل بالنهج الرأسمالي المستورد وتطبيقه بطريقة بدائية ومتوحشة، وليست أيضا مبدئية خاصة أن هذه الأحزاب تنصلت منذ زمن طويل من مبادئ وميراث حركة التحرر الوطني الجزائري، وليست كذلك بسبب اختلاف وجهات النظر بخصوص التنمية الوطنية التي لم تحقق أي تحديث وتأصيل عصري. وفضلا عمّا تقدم، فإن أحزاب الموالاة شاركت في تكريس التخلف الاقتصادي والثقافي والتربوي..

إقرأ أيضا: سعداني: لا أثق في أويحيى والمعارضة الجزائرية “معارضة فنادق”

وفي الواقع فإن هذه الأحزاب لا تملك ثقافة النقد الذاتي في داخل هياكلها التنظيمية، ولا تعتنق أخلاقيات الاعتراف بإخفاقاتها علما أنها هي التي قامت ولا تزال تقوم بصنع القرارات وبتطبيقها، وهي التي ترسخ عمليات تصفيح بنية النظام الحاكم الكلية، وتزويق صورة السلطة الحاكمة التي هي جزء عضوي منها، فضلا عن تورطها في تعميم البؤس السياسي والمادي والثقافي في الجزائر. وهكذا ندرك أن الصراعات الناشبة هذه الأيام بين رئيسي أكبر حزبين تابعين للسلطة الحاكمة ليست إلا صراعات شخصية حينا، مثل التنافس على الانفراد بالمشهد السياسي، وحينا آخر من أجل المنافسة على الولاء غير المشروط للرئيس بوتفليقة وللنظام الحاكم.
ففي واقع الأمر فإن دوافع الهجوم الذي يشنه عمار سعداني، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني هذه الأيام على غريمه أحمد أويحيى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي تتصل بصراع الحزبين اللذين يعتبران جزءا عضويا من الواجهة السياسية للنظام الحاكم على المناصب الحساسة مثل البرلمان الذي يوجد في قبضة جبهة التحرير الوطني، ومجلس الأمة الذي يستولي عليه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، والوزارات السيادية التي تتقاسم كعكتها أحزاب الموالاة، وبعض الشخصيات المدنية المعروفة بانتسابها للنظام الحاكم ودعمها له، ومنصب رئيس الوزراء التابع مباشرة لرئيس الدولة. ومن الواضح أن خلاف عمار سعداني، زعيم حزب السلطة التقليدي، مع أحمد أويحيى زعيم حزب آخر أنشأه جهاز المخابرات، يترجم ترجمة أمينة فولكلور النظام الحاكم المؤسس على بنية لا تحكمها علاقات داخلية مترابطة تؤمّن وحدتها، بل تتميز بأنها بنية مؤسسة على تجاور “كانتونات” متناقضة لا يجمعها سوى الولاء للنظام ولسلطة الرئيس بوتفليقة وعائلته وحوارييه في مختلف الأجهزة الكبرى للدولة وخاصة الجيش والمخابرات.
إذا كان أحمد أويحيى كمدير لديوان الرئيس بوتفليقة خطرا على البلاد ويزعج هذا عمار سعداني، فلماذا لا ينتقد هذا الأخير من عيّن أويحيى مباشرة في هذا المنصب السيادي وهو بوتفليقة نفسه؟
أما انتقادات عبدالرزاق مقري زعيم حزب مجتمع السلم لعمار سعداني، فتتميز بأنها ردود أفعال، أكثر مما هي تعبير عن الموقف الأيديولوجي الذي يمس طبيعة النظام في الجزائر وجوهره الرأسمالي المتوحش والمحطم لهوية المجتمع الجزائري الثقافية والأخلاقية والاجتماعية ولشخصيته التاريخية المناهضة للاستغلال الرأسمالي، وليست أيضا معارضة لأسلوب الرئيس بوتفليقة الفردي في تسيير شؤون البلاد الداخلية والخارجية.

كاتب جزائري/”العرب”