الرئيسية / وجهات نظر / تونس: استشراف عناوين السنة القادمة
مصطفى القلعي

تونس: استشراف عناوين السنة القادمة

ليس من العسير على المتابع للشأن التونسي أن يستشرف عناوين سنة 2016 التي على الأبواب. فلا تبدو السنة المقبلة أفضل من المنقضية بل إنّ كلّ المؤشّرات تدلّ على كونها ستكون أسوأ. ولم يعد من الممكن الاكتفاء بحبّة النجاح الانتخابي في ضمان الانتقال الديمقراطي مكسبا مركزيا يمكن أن يقنع التونسيين بأنهم بخير ويطمئنهم على واقعهم وعلى مستقبل أبنائهم.
سياسيا تعيش تونس حالة من الصدمة والإحباط بسبب الخيبة القاصمة التي أصيبت بها بعد انتخابات 2014. فالتونسيون خفوا إلى الانتخابات وكانوا في حجم لحظتهم التاريخية التي كانت مشرّعة على خيارين؛ إمّا الاستسلام للشمولية والأيديولوجيات الرجعية بسيوفها اللامعة، وإمّا القبض على الخط المدني الديمقراطي بالنواجذ.
واختار التونسيون الخيار الثاني وذهبوا إلى صناديق الاقتراع في ثلاث مناسبات؛ واحدة في التشريعية واثنتان في الرئاسية بجولتيها. ورغم ما في ذلك من إنهاك إلا أن التونسيين لم يخذلوا التاريخ وكانوا في حجم الرهان. ومارسوا واجبهم الانتخابي وقدموا أصواتهم لمن قدّروا أنه الحزب الذي يحتاجون إليه ليخدمهم ويؤمن لهم حياة كريمة في وطنهم. فمنحوه ثقتهم الكاملة في التشريعية والرئاسية بما مكّنه من السيطرة على وجوه السلطة التشريعية والتنفيذية.
ولكن حركة نداء تونس لم تكن في حجم مسؤوليتها التاريخية وخذلت شعبها. وزادت على أحزانه حزنها وصارت عبئا ثقيلا عليه، بدل أن تخفف عنه أعباءه. فهي حركة ما انفكّت تتحلل وتتفكك وأخرجت خلافاتها كلها إلى الرأي العام وصار الصراع بين أجنحتها على بلاتوهات الإعلام وفي الفضاءات العامة.
أزمة حركة نداء تونس دفعت مؤسسها ورئيسها الشرفي ورئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي إلى أن يخالف الدستور التونسي بدءا من الفصل الـ77 وما تلاه، وأن يخرج عن واجب الحياد وأن يوجه كلمة إلى الشعب التونسي عبر وسائل الإعلام العمومية والخاصة مخصصا أغلبها لأزمة حركته يسمي فيها أعضاء لجنة تتكون من ثلاثة عشر فردا كلفهم بالوساطة لمحاولة حل الأزمة.
برر رئيس الجمهورية بكونه متوجسا من المؤسسات المالية العالمية التي قد تتردد في إقراض تونس إذا تواصلت أزمة الحزب صاحب الأغلبية. ولم يشر رئيس الجمهورية إلى تخلي حركته عن مسؤوليتها الوطنية تجاه الشعب التونسي. ولم يعنه من أزمتها إلا ما قد يزعج الخارج. أمّا دور الحزب في قيادة البلد وفي حماية مؤسساته ومكاسبه وفي تنفيذ أهداف الثورة فهذا لم يشر إليه.
الغريب أن رئيس الجمهورية ألح في كلمته على دعوة التونسيين إلى الوحدة الوطنية وحركته الحاكمة ذات الأغلبية تصدر بيانين مختلفين من عملية شارع محمد الخامس الإرهابية، وكتلته النيابية تعلق مجموعة منها عضويتها فيها وتتأهب للاستقالة منها وحركته مشقوقة بين شقين متعاديين. إذا عجز رئيس الجمهورية عن الحفاظ على وحدة حركته فهل يمكنه أن يشرف على ضمان الوحدة الوطنية؟
على المستوى الاقتصادي تلوح كل المؤشرات سلبية، إذ مازال القطاع السياحي يتهاوى، بينما قطاع الخدمات موجّه إلى الداخل يغري التونسيين بالاستهلاك فيما لا فائدة منه في تنافس كريه خاصة بين شركات توفير خدمات الاتصال لتحفيز الناس على الثرثرة والكلام المجاني. في المقابل مشاريع التنمية يستمر تعطلها والسلط الجهوية عاجزة عن تنفيذ البرامج بسبب الطبيعة المركزية للنظام وبسبب افتقار هذه السلط للخبرات الإدارية الكافية.
وغياب التنمية عطل طبعا إنتاج الثروة. وهو ما ينعكس على الشارع التونسي الذي تظهر عليه معالم الأزمة من خلال تراجع مؤشرات الاستهلاك بسبب غياب السيولة والارتفاع المطرد للأسعار وتزايد التضخم وعجز الدولة عن إيقاف نزيف الاحتكار والتهريب والانتصاب الفوضوي في الشوارع، وعدم قدرتها على حماية المنتوجات المحلية والأسواق التونسية من المنتوجات المهربة ذات الجودة المنعدمة والمضار الكبيرة والأسعار المنخفضة. والخطير أن هذه المنتوجات المشبوهة لم تعد موجودة في الأسواق الشعبية بل غزت حتى الفضاءات التجارية الكبرى.

إقرأ أيضا: تونس واقتصاد الحرب

الوضع الاجتماعي ليس أهون من الاقتصادي فمعدل الجريمة، بكل أشكالها، يرتفع باستمرار من العنف إلى السرقة إلى الاغتصاب إلى العقوق إلى القتل. ومعدل حوادث المرور القاتلة لم يعرف الانخفاض أبدا.
من جهة أخرى تستفحل بطالة أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، لاسيما بعد قرار الحكومة تخصيص النسبة الأكبر من الانتدابات في الوظيفة العمومية في قطاعي الجيش والأمن بسبب المخاطر الإرهابية. واستفحال البطالة يتزامن مع توسع رقعة الفقر التي لم يعد بمنأى عنها إلا طبقة رجال الأعمال والأثرياء وكبار الموظفين والميسورين الذين لا تتجاوز نسبتهم 2 بالمئة والذين يتحوزون على أكثر من 80 بالمئة من ثروة تونس وفي المقابل لا يساهم منهم إلا 20 بالمئة في دفع ما عليهم من ضرائب للدولة. وقد كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية أن معدل الفقر في تونس قد بلغ 18 بالمئة وهي نسبة مخيفة رغم أنّها لا تعكس الواقع بدقة.
أما المستوى الإعلامي فإنه الإعاقة الأكبر للشعب التونسي، إذ بدأت معالم المشهد الإعلامي تثبت بما يمكن من قراءته بشكل واضح. فالإعلام يتوزع بين إعلام عمومي باهظ على مستوى كلفته الاجتماعية والمالية مع عجز كامل عن أداء واجبه نحو حق المواطن في المعلومة، وبين إعلام خاص يعمل أغلبه بالمناولة، إما المناولة السياسية والأيديولوجية وإما المناولة التجارية عند بارونات المال والأعمال. وفي الأحوال جميعها يبقى الشعب أسير الحقيقة يلهث وراءها ولا يدركها من إعلام تغلب عليه الدعاية ولا يقدس شيئا أكثر من عائدات الإشهار مهما كان الثمن.
ولا شيء يرفع من معنويات الشعب التونسي وهو على أبواب سنة 2016 إلاّ النجاح الأمني في تفكيك الخلايا الإرهابية وكشف مخازن الأسلحة والتوقي من الضربات الإرهابية. وهو ما يجعل الثقة تزداد في قوات الأمن والجيش رغم الخسائر الفادحة التي تصاب بها كلما نجح الإرهاب في تنفيذ أحد مخططاته مثل العملية التي أودت بحياة 12 شهيدا من قوات الحرس الرئاسي مؤخرا.
أما العمل الثقافي فإنه لم يبلغ بعد ما أسميه ثقافة الحرب بمعنى الثقافة المقاومة التي تحتاج إليها الأمم أثناء حروب الاستنزاف طويلة المدى كالحرب التي يشنها الإرهاب على تونس. الثقافة التونسية لم تتجاوز بعد الشكل الكلاسيكي الجامد مثل المهرجانات الباذخة كمهرجاني أيام قرطاج المسرحية وأيام قرطاج السينمائية، والندوات البحثية والثقافية المغلقة المقطوعة عن المجتمع. وفي كلمة الثقافة التونسية لا تساهم في مقاومة الإرهاب ولا في بناء الوعي العام المقاوم. والإرهاب متفوق على الثقافة في قدرته على الاستقطاب والتأثير والتجنيد تفوقا كاسحا.

*كاتب وباحث سياسي تونسي/”العرب”