الرئيسية / المسيرة-الخضراء / “المسيرة الخضراء” مستمرّة
خير-الله

“المسيرة الخضراء” مستمرّة

استمرّت “المسيرة الخضراء” التي أطلقها الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قبل أربعين عاما. لا تزال المسيرة مستمرّة الى اليوم. اكدت المسيرة ان الصحراء مغربية. الآن يؤكّد الملك محمّد السادس معنى ان تكون الصحراء مغربية وذلك من خلال قوله في الخطاب الذي القاه من العيون انّه “بعد اربعين سنة (على المسيرة الخضراء)، بايجابياتها وسلبياتها، نريد إجراء قطيعة حقيقية مع الأساليب المعتمدة في التعامل مع شؤون الصحراء. قطيعة مع اقتصاد الريع والامتيازات وضعف المبادرة الخاصة وقطيعة مع عقلية التمركز الإداري”.
كلام العاهل المغربي لا يعني قطيعة مع الماضي بمقدار ما يعني انّ قضية الصحراء صارت قضية داخلية مغربية وان المغرب أمام تحد جديد يتمثّل في تطبيق اللامركزية والحكم الذاتي في أقاليمه الجنوبية، بما يؤكّد ان هذه الأقاليم قادرة على التعاطي مع المستقبل مستندة الى ما تمتلكه من ثروات قابلة للتطوير بعقلية جديدة عصرية ومختلفة في الوقت ذاته.
تكمن اهمّية المغرب منذ صعود محمد السادس على العرش في العام 1999 من القرن الماضي في تلك القدرة على المتابعة والمثابرة. هناك متابعة يومية لكلّ شيء. لكلّ مشروع يفتتح ولكلّ شاردة وواردة. الأهمّ من ذلك كلّه، ان هناك اصلاحات بادر اليها العاهل المغربي. تبيّن مع مرور الوقت ان هذه الإصلاحات ليست كلاما بمقدار ما انّها افعال لها ترجمتها على ارض الواقع انطلاقا من دستور العام 2011 الذي اقرّ في استفتاء شعبي.
من الصحراء الغربية، الأرض المغربية التي كانت تحت الإستعمار الإسباني، الى الصحراء المغربية التي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الأربعين لـ”المسيرة الخضراء”، كانت هناك بالفعل مسيرة طويلة واجه المغرب خلالها كل نوع من انواع التحديات، بما في ذلك المواجهات العسكرية مع عصابات “بوليساريو” المدعومة من الجزائر بشكل مباشر وذلك في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. واجه في مرحلة معيّنة التمويل الليبي، بمعناه القذّافي، لـ”بوليساريو”.

اقرأ المزيد: النص الكامل للخطاب الملكي في عيد المسيرة الخضراء

لم يعد المغرب يتردد في قول الأشياء كما هي، بما في ذلك ان السياسة التي تنتهجها الجزائر والقائمة على المتاجرة بـ”حق تقرير المصير” للصحراويين سترتد على اصحابها عاجلا ام آجلا. من يتذكّر ان الشعب الجزائري ثار في خريف العام 1988 بعد تعرّضه للظلم طويلا. كان بين المشاهد المهمّة لدى حصول انتفاضة 1988 تحطيم جزائريين لمكتب “بوليساريو” في شارع ديدوش مراد في قلب العاصمة. كان ذلك دليلا على ان شعار “حق تقرير المصير” للصحراويين لا ينطلي على احد. لا ينطلي حتّى على الجزائريين انفسهم.
طوى المغرب صفحة الصحراء الغربية. صار في استطاعة محمد السادس الحديث عن كيفية تطوير الأقليم الجنوبية، على غرار تطوير كل اقليم مغربي. كان الاستقبال لذي لقيه في العيون دليلا على مدى تعلّق الصحراويين بالمغرب الذي لم يكن انتماؤهم اليه موضع شك في يوم من الأيّام. كان هذا الاستقبال دليلا على قناعة المواطن العادي بأن الحكم الذاتي الموسّع الذي يطرحه المغرب هو بالفعل أقصى ما يمكن الذهاب اليه من اجل الانتهاء كليا من قضيّة مفتعلة هي في الواقع قضيّة قائمة بين المغرب والجزائر التي لم تستطع يوما التغلب على وهم القوّة الإقليمية التي لا يردّ لها طلب في شمال افريقيا.
بدل ان تهتمّ الجزائر بأمورها الداخلية وتجاوز العقدة التي اسمها المملكة المغربية، لا تزال تركّز على متابعة حرب الإستنزاف التي تشنّها على المغرب. لم يدرك النظام الجزائري انّ هذه الحرب لم تعد ذات فائدة تذكر. المغرب صار في عالم آخر. الإهتمام لم يعد على كيفية صرف المال في الأقاليم الصحراوية. المال صرف. حصلت تنمية. آن الآن وقت نقل الإقتصاد في تلك الأقاليم الى مرحلة جديدة يُؤمّن من خلالها المواطنون الرفاه لأنفسهم بعيدا عن الاقتصاد الريعي.
هذه النقلة النوعية ترمز الى النجاح المغربي في الصحراء المغربية. انه نجاح كبير. صحيح انّه كلّف الكثير، بما في ذلك دماء مغربية. لكن الصحيح ايضا انّ لا شيء ينجح مثل النجاح.
ما قد يكون صحيحا اكثر، هو ضرورة استجابة السلطات الجزائرية للكلام الصادق الصادر عن محمد السادس والذي يتناول وضع المقيمين في مخيمات تندوف. هؤلاء في حال بائسة. لا يزيد عددهم على أربعين الفا ولكن “كيف تفسير الغنى الفاحش لزعماء الانفصال، (زعماء بوليساريو) الذين يمتلكون العقارات ويتوفرون على حسابات وارصدة بنكية في أوروبا وأميركا اللاتينية؟”. هل في استطاعة السلطات الجزائرية الإجابة عن هذا السؤال البديهي الذي يعكس واقعا أليما، بل أليما جدا؟
في السنوات الأربعين الماضية، قدّم المغرب الكثير من التنازلات من اجل الاستقرار في شمال إفريقيا وخلق بيئة للتفاهم بين دول المنطقة. الرسالة المغربية في الذكرى الـ40 لـ”المسيرة الخضراء” ان كفى تعني كفى وان لا انملة تراجع عن مشروع الحكم الذاتي و”كما قلت في خطاب المسيرة الخضراء للسنة الماضية، فانّ هذه المبادرة هي أقصى ما يمكن للمغرب ان يقدّمه”.
في النهاية، على المغرب ان يحمي نفسه وان يحمي مواطنيه في كلّ وقت. لم تكن “المسيرة الخضراء” حربا على احد. كانت حربا دفاعية خاضها المغاربة بأجسادهم. كانت المسيرة تستهدف استرجاع الحقوق ووضع أسس جديدة لاستقرار إقليمي يستفيد منه الجميع، بما في ذلك الجزائر. لم يعتد المغاربة على احد. لم يخرجوا احدا من بيته. اهل الصحراء منهم ولهم.
بعد اربعين عاما على “المسيرة الخضراء”، يتبيّن كم كان الحسن الثاني بعيد النظر، خصوصا في ظل الأخطار المحدقة بالمنطقة. على رأس هذه الأخطار الإرهاب والتطرّف الديني. السؤال الذي يصلح طرحه هذه الأيّام مرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع القائم في منطقة الساحل الإفريقي.
لا مفرّ من عودة الى ارض الواقع والاستثمار في ما تحقق في الصحراء المغربية لمنع امتداد الإرهاب والتطرّف في المنطقة كلّها. لماذا تتجاهل الجزائر هذا الواقع وتلك الخدمة الكبيرة التي لم يقدّمها المغرب لنفسه فقط، بل لكل دول المنطقة، بما في ذاك الجزائر ايضا؟… لماذا لا تقتنع الجزائر بأنّ “المسيرة الخضراء” كانت في مصلحتها ومصلحة شعبها ايضا؟

*إعلامي لبناني/”إيلاف”