الرئيسية / دراسات / منشأ الحركات الاصولية وتداعياتها
ter000

منشأ الحركات الاصولية وتداعياتها

بقلم: د. خليل حسين

لم ينقص الدول والشعوب الا ظاهرة اخرى تشغلها وتوقفها شاخصة حذرة مرتبكة،تُحارب عدو وهمي من الصعب تحديده أو القبض عليه، سُميَّ إرهابا والتصق بالتطرّف وشُخِصَ بالأصولية.ومهما يكن من امر التوصيف او التحديد، فثمَّة ظاهرة من الصعب تجاهلها او القفز فوقها؛ تمثلت بالاصولية لها أسبابها وظروفها ونشأتها،إلا أن العديد من التيارات الفكرية خلطت الامور وصوّرت عملا ما ،على انه اصولي نابع من فئة معيّنة ،الا ان الواقع مختلف تماما،فالتطرف لا يعني بالضرورة اصولية،كما ان ليس للأصولية منشأ واحد ،كما انها لم تقتصر على فترة زمنية محدَّدة ،ولا ارتبط عملها بفئة او جماعة واحدة.فمن اين نشأت وما هي أصولها؟وما هي أنواعها وأسباب ظهورها؟وكيف يمكن مواجهتها وحل معضلاتها؟.
الأصولية مصطلح ترجعه الدراسات إلى القرون الوسطى، وتعتبره مصطلحا يختزن تجارب ورموزاً وإيحاءات لا علاقة لها بفئة قومية أو دينية أو عرقية محدَّدة بعينها، بل ارتبط بتاريخ تنوّعت فيه مظاهر التطرّف والأصولية بأوجه مختلفة،منها المسيحية والإسلامية،ومنها اليهودية والهندوسية،ومنها العلمانية واللادينية على حد سواء.
اولا : الاصول التاريخية
تمثلت نشأة الأصولية في التجربة الأوروبية بتسلط الكنيسة على المجتمع والدولة واستبدادها بالوهم والخرافة. أما المشكلة في التجربة العربية الإسلامية فكانت في سعي الدولة للهيمنة على المجتمع بما يعنيه ذلك من سلطة التعليم والتشريع والموروث الديني وصولاً إلى هيمنتها شبه الكاملة مع نشوء الدولة القطرية من مخاض أحلام قومية وتحديداً ايامنا هذه.
وتعرِّف الدراسات الأصولية على أنها حركة تقوم على معتقد ديني أو سياسي مع الشكل الثقافي أو المؤسسي الذي تمكّنت من ارتدائه في عصر سابق من تاريخها، وهي تعتقد أنها تمتلك حقيقة مطلقة وأنها قادرة على فرضها، كنا يذكر مؤرخو الأصولية وحركاتها، أن ثمَّة أصوليين من العلمانيين والتكنوقراطيين الذين يزعمون أن لديهم جواباً لكل شيء باسم تصور قديم، وضعي للعلم، والذين يؤمنون بهيمنة الغرب الخالدة .
ولم تظهر كلمة أصولية في اللغة والمعاجم إلا حديثاً، فهي لم تشرح سنة 1966 في معجم روبير الكبير، ولم تظهر سنة 1968 في الموسوعة العالمية Encyclopaedia Universal . أما قاموس لاروس سنة 1966 فيعرفها بكيفية عامة جداً: “موقف أولئك الذين يرفضون تكييف عقيدة، مع الظروف الجديدة”، أما لاروس سنة 1979: “استعداد فكري لدى بعض الكاثوليكيين الذين يكرهون التكيّف مع ظروف الحياة الحديثة”. سنة 1984 ظهر لاروس الكبير ووضعها داخل حركة دينية فـ “الأصولية موقف جمود وتصلب معارض لكل نمو أو لكل تطور”. ثم يضيف جاعلاً الكلمة تتعدى نطاق المجال الديني: “مذهب محافظ متصلب في موضوع المعتقد السياسي”. ولا يذهب أبعد من ذلك لاروس 1987: “موقف بعض الكاثوليكيين الذين يرفضون كل تطور، عندما يعلنون انتسابهم إلى التراث”، كما يرى جان ديبوا ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص المكوِّنات الأساسية للأصولية:
1. الجمودية “رفض التكيّف” و “جمود معارض لكل نمو، لكل تطور
2. العودة إلى الماضي و”الانتساب إلى التراث” و “المحافظة”.
3. عدم التسامح، الانغلاق، التحجّر المذهبي: “تصلب” ، “كفاح”، “عناد”.
وبذلك يمكن للأصولية على هذا النحو أن تضع نفسها كجمودية في مواجهة التطور، كتراث في مواجهة الحداثة، كتحجّر مذهبي في مواجهة الحياد. بمعنى، يمكن للأصولية أن تكون نقيض العلمانية. والحال يصبح مفهوماً للتشديد في المعاجم الفرنسية على الأصولية الكاثوليكية، المرتبطة في بلاد الغرب، بالصراعات بين الكنيسة والدولة .
فحين يؤسس كل منهما مستلزمات المؤسسة – الكنيسة، الدولة – على تصور العالم، للسياسة، تصبح المجابهة إيديولوجية. ويرجعها الدارسون إلى القرن الذي سبق مباشرة عصر التنوير في اوروبا: اي القرن السابع عشر. فقد كان عصرا لاهوتيا، العصر الذي شهد سيطرة التيار المضاد للاصلاح الديني، العصر الذي حاكم غاليليو، واجبر ديكارت على الهرب من فرنسا، وأرعب سبينوزا.. انه عصر الحروب المذهبية والاهلية التي اجتاحت اوروبا ويمكن وصفها بعصر الارهاب اللاهوتي.
هكذا نجد أن الأصولية غربية المنشأ وقد ارتبطت بعصور الظلام التي سيطرت على اوروبا وأفرزت حركة التنوير كحركة مضادة قادت معركة استغرقت أربعة قرون متتالية: من لوثر وايراسم، الى هيغل ونيتشه، مروراً بسبينوزا وجون لوك، وفولتير، وديدرو، وروسو، وكانط وغيرهم.
ثانيا:اصولية العصر الحديث
يرجع الدارسون اصولية العصر الحديث إلى مطلع القرن العشرين ويشيرون إلى أن بدايتها كانت في الولايات المتحدة الأميركية، ورغم أنها لم ترتبط بشخص معين، الا أن اليهود قادوا هذه الحركة بمواجهة المسيحية الكاثوليكية، وعلاقة المسيحية بالكاثوليكية قديمة قِدَم المسيحية نفسها، لقد ظهر السيد المسيح واليهودية يتجاذبها تياران كبيران: التيار الفريسيّ، وهو تيار الكهنة الرجعيين الذين تمسّكوا بظاهر النص التوراتي لا بروحه. والتيار الثاني، وهو تيار الصدقيين وهم طبقة الأغنياء المتعصبين للثقافة الهلينية.و ثمة طائفة ثالثة من المتنسّكين الذين كرهوا الزواج وعاشوا متقشفين، فكان منهم يوحنا المعمدان. وليس من دليل على أن المسيح أيّد أياً من هؤلاء، إنما كان سلوكه المعادي للفريسيين، المطرى بالزهد والعفة يوحي أنه مال في تعاليمه إلى هؤلاء المتنسّكين. لقد نشأت المسيحية إذن وفي داخلها هذا التنازع الشديد بين النزوع إلى الأصل اليهودي، والرغبة في العقيدة الجديدة المتحرِّرة من نص الماضي. ولهذا نشأ داخل المسيحية الأولى نفسها حزبان: حزبٌ ميّالٌ إلى اليهودية والتوراة وأصولها، وحزبٌ روماني كان مقدراً له فيما بعد أن يصبح حاكماً في الامبراطورية، على استحياء أولاً في القرن الثالث الميلادي، ثم علناً في أوائل القرن الرابع في عهد الامبراطور قسطنطين الأول.
كان لانتصار المسيحية، في الامبراطورية الرومانية، هزيمةً تاريخية للمسيحية اليهودية، التي تراجعت وخبت، فيما كانت بيزنطة تشنّ حرباً ضروساً على أحزاب مسيحية مشرقية أخرى، منها الأريوسية والنسطورية واليعقوبية. لكنّ ضمور المسيحية اليهودية كان إلى حين.فما أن أخذ المسيحيون الأوروبيون يتململون تحت وطأة السلطة البابوية، من تأثير حركة النهضة الأوروبية وظهور النوازع القومية في انكلترا وألمانيا، على الأخص، حتى سارعت المسيحية اليهودية، وربما اليهودية نفسها، إلى تأييد هذه الحركات القومية، وساندت التمرّد الانكليكاني على الكثلكة، ونصرت حركة لوثر الألمانية وكالفن غانسينوس. وكانت هذه الفرصة التاريخية المنفذ الذي تسلّلت منه النزعات التوراتية إلى المذاهب الجديدة في أوروبا .
وقد صدف في الوقت ذاته أن الأوروبيين اكتشفوا القارة الامريكية واستعمروها،وكانوا بحاجة إلى عقيدة تضفي على هذا الاستعمار الصفة الشرعية، فكانت نظرية أرض الميعاد، هي العقيدة المنشودة التي أباحت لجحافل الانغغلوساكسون والجرمانيين أن يستوطنوا أميركا، ويبيدوا شعبها وحضارتها وضميرهم مطمئن إلى صواب فعلهم. فأي شرعية يمكن أن تسمو على شرعية وعد صريح من الله، أن يهب شعبه المختار تلك الأرض الجديدة.
أما الأصولية الإسلامية فتشير الدراسات إلى انه في عصر النهضة الأوروبي وسقوط الـ 800 عام للحكم الإسلامي في إسبانيا أواخر القرن الخامس عشر، بدأت فترة الانحطاط الطويل في معظم العالم الاسلامي. بسبب عوامل تاريخية واجتماعية متعددة ،وبدأت الحركة الإسلامية المضادةّ للمجتمع العبودي بالركود، ما أدى إلى استعمار أغلب العالم الاسلامي من قبل ا الغرب الصاعد. كما وضعت الثورة الصناعية في أوروبا القاعدة الاقتصادية والعسكرية لهذا الاستعمار، وكانت النظم الإقطاعية في البلدان الإسلامية قد أصبحت عائقا أمام التنمية الاجتماعية، وكانت ثمَّة عدّة حركات مستندة إلى الإحياء الإسلامي ضدّ هذه الحكومات الملكية الإقطاعية وضدّ الحكّام.
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الاصولية الإسلامية ظاهرة رجعية ومضادة كليا للثّورة، واستغلت من قبل الغرب لضرب الحركات اليسارية والتقدمّية في البلدان الإسلامية. وكان التيار الرئيسي للأصوليّة الحديثة مستندا الى الاخوان المسلمين في مصر وبلدان أخرى من الشرق الأوسط والجماعة الاسلامية في باكستان .
تأسّست حركة الاخوان المسلمين سنة 1928 في مصر كما كانت الجماعة الاسلامية استمرارا لهذه الحركة التي تأسّست في الهند البريطانية عام 1941. وبالمقارنة مع الصوفية وتيارات معتدلة أخرى من حركات الصحوة الإسلامية، فان الاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية كانتا ذات لهجة قوية، ما انتج فكرا أكثر ميلا للأصولية الإسلامية في العقود التالية .
وفي الخمسينيات، والستّينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ظهرت تيارات يسارية قوية في العالم الإسلامي. في سوريا ولبنان ، اليمن، الصومال، وإثيوبيا وبلدان إسلامية أخرى، كما نفذت إنقلابات عسكرية يسارية على الانظمة الاقطاعية ـ الرأسمالية الامر الذي أدّى إلى نشوء دول بروليتارية ـ بونابارتية، أو دول عمّالية مشوّهة. وفي بلدان اخرى كانت موجات قوية من الحركات الجماهيرية ذات ميول يسارية وزعماء شعبيين. وفي مناخ الحرب الباردة تحدىَّ بعض هؤلاء الزعماء الامبريالية الغربية نفسها وشرعوا في سياسة التأميم والقيام بإصلاحات جذرية مثال عبد الناصر في مصر.
ثالثا:الأصولية اليهودية أساس العنف في الشرق الأوسط
يمكن اعتبار الأصولية اليهودية الأكثر تطرفا من بين جميع الأصوليات، فقد تغلغلت في اروقة القرار السياسي وأصبح المتطرفون اليهود يتحكّمون في مفاصل السياسة الأميركية بعد تحكمهم بالسياسة الاسرائيلية .
ولم يكن لدى الأصوليين وقت للديمقراطية أو التعدَّدية الحزبية، أو التسامح الديني أو الحفاظ على السلام أو الخطاب الحر، أو فصل الدين عن الدولة، فالأصوليون المسيحيون قاوموا الاكتشافات العلمية الخاصة بعلوم الأحياء والفيزياء، وأصروا على أن كتاب سفر التكوين يبدو علميا في جميع تفاصيله ولا يحتاج إلى إضافات من أي نوع، وفي الوقت الذي كانت غالبية البشرية تلقي بقيود وأصفاد الماضي، أظهر الأصوليون اليهود أن قانونهم المقدس، الذي مارسوه بصرامة وتشدد، هو القانون الدولي الوحيد القابل للتطبيق. وقد تبعهم الأصوليون المسلمون في تحويلهم الصراع العربي ـ الإسرائيلي، من قضية دنيوية إلى قضية دينية خالصة.
وترى كارين آرمسترونغ أن اليهود كانوا أول من أقبل على التطرف الديني، باعتبارهم عانوا أزمة العدالة الاجتماعية، ووجدوا أن مدنية العصر الحديث هي السبب وراء اضطهادهم ومعاناتهم، فهم بكل ما يحملونه من خرافات دينية وأساطير، لم يعودوا مقنعين لعقلية عصر العلم والتكنولوجيا، وهم مع شعورهم بالدونية الذي عاصروه على يد المجتمع المتمدِّن، الذي يؤمن بالنصرانية الغربية في نهاية القرن الخامس عشر دفعوا إلى ضرورة استخراج مخزونهم من الحيل البارعة والمبادئ الدينية والخرافات والأساطير التي تمنعهم من إعادة سلطة الدين في الحصول على حقوقهم المهضومة على يد الغرب، وقد استمروا في إخراج وتدوير هذا المخزون لسنوات، حتى أصبح فيما بعد حقيقة مقنعة للغرب إلى حد ما، وممارسات شائعة في العالم الحديث، واتجاهات نحو المزيد من التطرّف الديني، لإخضاع العقل لسيطرة الدين. وعلى الرغم من محاولات بعض الأحبار والمفكرين اليهود إبعاد تهمة التطرف الديني الإرهابي عن أبنائهم وشعبهم .
ويعتبر ثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية من دعاة الأصولية الارهابية الصهيونية، فقد شكَّل فريقاً من الإرهابيين ووزعهم بداية على روسيا والدول الأوروبية بهدف الانتقام من الدول الأوروبية، وكان هرتزل قد ألقى في المؤتمر الصهيوني الأول مجموعة محاضرات لتعبئة الشعب اليهودي بالحقد على العالم، وجرى التكتم على تلك المحاضرات الى ان تمَّ جمعها في كتاب بعنوان “المؤامرة اليهودية” وكان أبرزها في تلك المحاضرات هو وضع المخططات للسيطرة على العالم عن طريق الوسائل الإرهابية التي نشاهد تطبيقها على أرض فلسطين منذ أن وطأت قدم أول يهودي في مطلع القرن حتى اليوم.
وجاء تروتسكي بعد هرتزل الذي ارتكب مختلف أنواع العنف بحجة مواجهة عمليات اضطهاد اليهود في روسيا القيصرية، إلى أن استطاع أن ينضم إلى قيادة الثورة التي قادها لينين. وكان أول قراراتها اعتبار اللاسامية واضطهاد اليهود جريمة لا تغتفر في تنظيماتها حتى أنهم سيطروا على قيادتها ، وإذا كان هرتزل نظرياً أكثر منه عملياً في سلوكه،أي أنه كان يخطط للقتل ولم يكن ينفذها شخصيا، إلا أن تروتسكي اختلف عنه نهائياً إذ كان يخطط وينفذ جميع عمليات الإرهاب .
وللارهاب الصهيوني اصول دينية، فقد عملت الحركة الصهيونية على تحويل العقيدة الدينية اليهودية إلى نظرية سياسية تطالب بحق تاريخي، وتستند إلى وعد إلهي، ولهذا كان الدين اليهودي الأساس الذي ارتكزت عليه النظرية السياسية الصهيونية، والذي اتخذه دعاتها للمناداة بالقومية اليهودية وسنداً للمطالبة بتحقيق الوعد الإلهي، وصكاً لملكية أرض فلسطين وحق العودة إليها لبناء الدولة الحديثة والمعبد الثالث في أورشليم، وتزعم الصهيونية أنه مثلما حفظ الدين اليهودي الشعب من الاندثار والضياع عبر قرون طويلة، يستطيع الدين في الحاضر أن يعيد شمله فوق أرض الميعاد، وأن يشكل العروة الوثقى التي تربط بين تراث الماضي السحيق وتطلعات الحاضر وأمنيات المستقبل .
ويستمد الفكر العسكري جذوره من العقيدة الصهيونية، فاستخدام القوة والقتل والإرهاب والعنف هو أساس هذه العقيدة، وقد جاء في التوراة “إذا لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين يستبقون، فهم أشواك في أعينكم ومناخس في جوانبكم، ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها”. ويحاول المؤرخون الإسرائيليون والقادة الصهاينة استقراء التجارب الحربية من نصوص التوراة بهدف غرس روح القتال في نفوس الجنود اليهود، وبيان قدرة إسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل على شن الحملات الناجحة وفق تخطيط دقيق وفكر أصيل متطور. ويؤكدون باستمرار على أن ضخامة الجيش وكثرته ليست هي العامل الأول في إحراز النجاح، بل أن الروح الهجومية العالية والقدرة على تحقيق المفاجأة من حيث وقت ومكان وأسلوب شن الهجوم هي العامل الأساسي في تحقيق النصر الحاسم.
واستلهم اليهود من التوراة سياستهم في البطش والعنف، وليس تدميرهم لأريحا في قديم الزمان وقضائهم على جميع سكانها وحتى البهائم، وما دير ياسين القرية العربية التي دمرها اليهود في 1948، وذبحوا جميع سكانها من نساء وأطفال وشيوخ إلا شواهد على البربرية الصهيونية، التي تستمد من التوراة أفكارها الرئيسية، وتستوحيها في منطلقاتها السياسية والعملية في الحياة. والتوراة تزخر بالآيات التي تحض على هذا السلوك، إذ تأمر باستعمال أقصى درجات العنف مع العدو وتسوق الكثير من أساليب العنف الوحشية كضرب المدن بالسيف والعقاب الجماعي والإبادة التامة “ويلزم أن تنحدر الأساليب الوحشية إلى الدرك الأسفل من البهيمية فتنادي بأن تحطم أطفالهم أمام عيونهم، وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم، لا يرحمون ثمرة بطن ولا تشفق عيونهم على الأولاد” ، ولعلَّ ما حدث وما زال يحدث للفلسطينيين أكبر دليل على استمرار تلك السياسة.
والأصولية اليهودية في إسرائيل، نمت أهميتها السياسية نمواً هائلاً في ربع القرن الأخير. ويعتقد أن النواة الصلبة للمؤمنين بها، تمييزاً لهم عن الجسم الأكبر للمتدينين الأكثر تقليدية،الذين يشكلون ما يتراوح بين 20 و25 في المئة من السكان. ويحتمل أن هذه النسبة أعلى من نسبة الأصوليين المسلمين الحقيقيين في معظم بلدان المنطقة. وفازوا بثلاثة وعشرين من مقاعد الكنيست الـ 120 في انتخابات 1999، مقارنة بحفنة مقاعد فقط في السنوات المبكرة من عمر الدولة وتكرَّرت في الانتخابات اللاحقة،. وحازوا، خصوصاً المستوطنين منهم، على نفوذ لا يتناسب مع أعدادهم، ذلك يؤثر في العملية السياسية الإسرائيلية برمتها، خصوصاً في ما يتعلق باليمين القومي المتطرف الذي يشاطرهم، تحت مظهره الخارجي العلماني، جزءاً كبيراً من نظرتهم المحمومة المتعالية إلى العالم. إنها أصولية من نوع خاص جداً، متمركزة حول العرق، شديدة الكراهية للأجانب، وذات معتقدات وممارسات يقول شاحاك: إنها “أكثر تطرفاً حتى من تلك الأنظمة المخترعة شمولية”.
وتتحول الدولة العبرية اليوم وبشكل غير مسبوق إلى كيانات اجتماعية وعقائدية وسياسية معزولة في معسكرات متناقضة يشبه كل منها نموذج الغيتو اليهودي في أوروبا الشرقية ويشكل معالم الأصولية اليهودية المتطرفة، وربما رسمت حالة الطوارئ والحروب المتواصلة مع المحيط العربي ملامح التماسك الداخلي على الدولة العبرية، على اعتبار أنّ بروز عدو خارجي من شأنه أن يدفع الجبهة الداخلية إلى التكتل واستلهام معاني وحدة المصير التي تستدعي القواسم المشتركة إلى الأذهان .
لعلَّ هذه الحقيقة ذاتها هي ما يفسر أيضاً اندلاع الصراع الديني العلماني في الدولة العبرية في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، فمرحلة “اللا سلم واللا حرب” مع العرب أفسحت في المجال أمام تفشي أعمال العنف في الشارع الصهيوني بمبررات تبدو شكلية للوهلة الأولى، كإحراق المتدينين لمحطات الحافلات التي تعرض إعلانات مبتذلة، وإغلاق بعض المناطق في وجه حركة السير في عطلة السبت، ولكن نظرة متأملة تؤكد أنّ تلك الحوادث هي قمة جبل الجليد لا أكثر، خاصة وأنها ترافقت مع احتدام الجدل بشأن قضية “من هو اليهودي؟” في الأوساط الدينية والقانونية والسياسية والإعلامية، وتبقى السياسة الاسرائيلية اسيرة المعتقد الديني الذي يبني طموحاته على اقدام التوراة والعهود القديمة ويسوق التطرف والقلق لكل العالم.
رابعا: الاصولية الهندوسية وحلم الامبراطورية الموعودة
يعود تاريخ الهندوسية التي يعتنقها سكان مناطق في اسيا وخاصة الهند لاكثر من ثلاثة آلاف عام وتعتبر من اقدم الديانات في العالم وما يميزها من الديانات الاخرى مثل المسيحية هو ان لها اكثر من كتاب مقدس وتزخر بالمعتقدات الفرعية والشعائر المختلفة .
والقومية الهندوسية ظاهرة آخذة في النمو ما ادى الى تصاعد النفوذ السياسي لمجموعة “سانق باريفار” الني نفذت عمليات منظمة هدفت الى انتهاك حقوق الانسان سواء الاقيات المسيحية او المسلمة، اضافة الى اعمال العنف التي لم تستهدف الافراد فقط، بل استهدفت ممتلكاتهم ومؤسساتهم ايضا ومع ذلك لا تعدو ان تكون حركة ضيقة النطاق الامر الذي قد يؤدي لانهيارها!
وكانت صورة التسامح الديني والعرقي في الهند هي الاقرب الى الاذهان رغم المجازر التي تعرَّض لها المسلمون تحديدا في بدايات القرن الماضي وما تلا ذلك من سقوط اكثر من مليون مسلم على يد الاصوليين الهندوس اضافة للدمار الاقتصادي الذي لحق بهم ليقود ذلك الى قيام دولة باكستان عام 1947. وربما كانت هذه الصورة عن الهند مرتبطة في الاساس بقادة الهند التاريخيين من امثال المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو الذي ارتبط اسمه بحركة عدم الانحياز ومواقفها المؤيدة للقضيايا العربية وكذلك سياساتها الداخلية التي ارتكزت الى العلمانية في مجتمع شديد الخصوصية لجهة التنوع عرقيا ودينيا. لكن الصورة سرعان ما تغيّرت في العقد الاخير من القرن الماضي مع بروز قوى يمينية متطرّفة تتبنى نهجا مغايراً للقادة التاريخيين ومغايراً للاساس العلماني الذي اعتمده الدستور الهندي للحفاظ على وحدة البلاد.
واذا كان العام 1980 هو البداية الرسمية لاعلان تأسيس الحزب إلا انه كان متواجدا على الساحة منذ فترة مبكرة من خلال الميليشيات الهندوسية المتطرفة وبخاصة ما عرف بمنظمة “أر أس” التي ينظر بعض انصارها الى المسلمين كغزاة احتلوا بلادهم ودمروا معابدهم ومن ثم يجب اعادة المسلمين الهنود الى الهندوسية او التخلص منهم بالقائهم في البحر او ابعادهم الى باكستان.
لقد تحولت هذه الافكار الى برامج سياسية لحزب بهارتيا جناتا وروج لها زعيمه لال ادفاني ورفاقه من قادة الحزب وسط المجتمع الهندي الذي يعاني من الامية والجهل والتخلف؛ ونجح ادفاني في استقطاب الآلاف من المهووسين الذين قادهم في مسيرة بلغت عدة آلاف من الكيلومترات لهدم مسجد بابري بدعوى بنائه على معبد آلهة الهندوس: “راما” في 6/12/1992.
كان تدمير مسجد بابري مؤشرا لدخول الهند مرحلة جديدة خطرة أسس لها اليمينيون المتطرفون الهندوس بعد ان وجدت افكار الحزب التي تدعو الى استعادة الهند لهويتها التاريخية والتخلص من كل ما يمت بصلة للحقبة الاسلامية وبقاياها قبولا واسعا خاصة بين المثقفين الذين سئموا سياسات حزب المؤتمر الذي ترهل وبات غير قادر على تطوير نفسه، الامر الذي فتح المجال امام حزب بهارتيا جناتا الذي اكتسح الانتخابات وعاد الى تطبيق عقيدة الهنودة اي تجريد المجتمع الهندي من كل ما ليس له صلة بالهندوسية ويعني ذلك بالطبع الغاء القوانين الشخصية للاقليات الدينية الاخرى وطمس ثقافاتها على اعتبار انها شكلت ولا تزال مصدر خطر على الثقافة الهندوسية.
وبالرغم من الانتقادات الحادة التي قوبلت بها تلك السياسات من مختلف الشرائح بما في ذلك قطاعات واسعة من الهندوس الذين رأوا فيها خطرا على النسيج الاجتماعي للهند، إلا ان التخلي عنها اليوم قد لا يعني بالضرورة ازالتها من عقلية قيادات الحزب التي ترى فيها الاسباب لنهضة الهندوس وتقدمهم.
ولتأكيد نواياها في استعادة المجد الهندوسي، نفذت الحكومة في اطار ما تراه جزءا من ذلك المجد والرؤية الشاملة للحزب برنامجا لتوسيع القدرات العسكرية الهندية وتطويرها بما يضع البلاد في مصاف الدول الكبرى في العالم، وهو ما وجد استحسانا كبيرا في الشارع الهندي الذي تفاعل مع هذا التوجه وأيده بشدة.
لقد تسبب هدم واحراق مسجد بابري العام 1992 لاقامة ما يسمى بمعبد “رام” على أنقاضه في وقوع احداث عنف طائفي راح ضحيتها عشرات الآلاف وجاء اصرار الهندوس من اتباع حزب فيشط هندو باريشاد الاصولي وهو بمثابة مؤتمر هندوسي عالمي، وجماعة شيف سينا ومنظمة ما هاسبها على الشروع في بناء المعبد جاء ذلك رمزا للاضطهاد والحقد ومشاعر الكراهية التي يكنها الهندوس الاصوليون للمسلمين في الهند التي وجدت مناخا مشجعا بعد تولي حزب بهاراتيا جاناتا الحكم وكان من نتاجها ايضا حرق مسجد كستوار في ولاية كشمير في كانون الثاني2001 وهو من المساجد الاثرية الكبيرة في الهند.
وبجانب حزب فيشط هندو باريشاد اليميني ثمة منظمة راشتريا سوايا نسيفال سنج التي تعتبر الاساس الايديولوجي الذي قام عليه حزب بهاراتيا جاناتا، وتعتبر المتحكم الفعلي في سياسات الحزب باعتبار ان كثيرا من اعضائه وعلى رأسهم كريشنا ادفاني اعضاء في المنظمة وينفذون ايديولوجيتها على الاصعدة السياسية والامنية والاجتماعية وهو ما يفسر ضلوع المنظمة في كثير من احداث العنف التي يتعرض لها المسلمون والمسيحيون وطائفة المنبوذين حيث يؤمن اعضاء المنظمة المتطرفة بأنه يتعين على جميع المواطنين في الهند ايا كانت ديانتهم اتباع القيم الهندوسية.
وقد اكدت تصريحات فاجبايي صلة حزبه بالاصوليين الهندوس الذين يحلمون ببناء دولة الهندوس الكبرى ليس فقط في جنوب اسيا بل ايضا في شرق وغرب آسيا خاصة في العالم العربي اذ تقول الاسطورة الهندية ان الامبراطورية الهندوسية كانت تمتد ذات يوم في سنغافورة في الشرق الى نهر الشيل، مرورا بشبه الجزيرة العربية، وفي هذا الصدد قال نهرو في كتاب disscover india إن الهند كما خلقتها الطبيعة لا يمكنها ان تلعب دورا ثانويا في شؤون العالم، فاما ان تعتبر من القوى العظمى او لا تكون.
ويفسر الدبلوماسي الهندي اس باتيل في كتابه foreign policy of india بالقول من المهم للغاية ان تسيطر الهند على سنغافورة وخليج السويس اللذين يشكلان البوابتين الرئيسيتين لها، واذا ما فرضت قوى اخرى نفوذها عليهما فانها تهدد بذلك استقلال الهند، كما أن حاجة الهند للنفط تجعلها تهتم بدول الخليج العربي ، إضافة إلى أن كتب الهندوس القديمة تتحدث عن دولة الهندوس الكبرى التي يجب ان تضم المنطقة الممتدة من مضيق ملاقا وحتى منطقة قناة السويس وهو ما قد يفسر الحروب الثلاثة التي شنتها الهند ضد باكستان في 1947 و1971 والحملة العسكرية ضد سريلانكا 1980.
ويتصور حزب بهاراتيا جاناتا والمنظمات الهندوسية المتطرفة الاخرى ان المسلمين الهنود يعتبرون انفسهم مسلمين اولا ثم مواطنين هنودا ثانيا، ولهذا لابد من “هنودتهم” اولا وبعد احداث 11 ايلول 2001 بدأ غلاة الاصوليين الهندوسيين اثارة العداء ضد الاسلام كدين، والمسلمين الهنود كمواطنين في بعض ولايات الهند واعتبر المتطرفون الهندوس ان عليهم الانتصار لثقافة وقيم الهندوس مثلما يفعل الاميركيون في افغانستان دفاعا عن حضارة الغرب وتقدمه، ودعا بعضهم الولايات المتحدة للوقوف الى جانب الهند في جامو وكشمير كما بدأت حكومة نيودلهي باعادة النظر في المناهج الدينية في المدارس والمعاهد الاسلامية لتبتعد عما يرتبط بالعنف والارهاب كما يزعم الاميركيون.
الا ان معظم المراقبين لحركة الاصولية الهندوسية صعودا وهبوطا بأنها الى زوال قريب، لمجموعة من الاسباب المتنوعة والتي يأتي في مقدمها العنصرية المفرطة سواء داخل الهند او خارجها، والافتقار الى الرؤية وتعدد الموروثات الدينية. كما يُعتقد ان الحركات التي تعتمد على اظهار الهوية القومية تسعى دائما الى تقوية اواصر التضامن والتعاضد في الداخل وتقديس الاختلاف والتميز في الخارج ومعظم هذه الحركات تمكنت من غرس الهوية القومية التي تميزها واستخدامها في اخذ الدولة نحو تحقيق اهدافها .
وعلى الرغم من الاحساس الطاغي والاصرار على ان الهنودة هي مرادفة للهندوسية، الا ان معتقدات الهندوسية لا زالت تفتقر لرؤية مستقبلية للهند وفشلت في الاجابة على اسئلة مثل من هو راما، وما هي تعاليمه، وكيف هي الهند التي تتصورها الاصولية الهندوسية؟.
خامسا : المحافظون الجدد في أمريكا
استخدم مصطلح المحافظون الجدد أو اليمين الجديد لوصف الأفكار التي تراوحت ما بين المطالبة برفع الضرائب إلى المطالبة بوجود رقابة صارمة على برامج الإذاعة والتلفزيون أو حتى الحملات التي قامت ضد الهجرة من خارج الولايات المتحدة. ويلاحظ اتجاهين واضحين في تلك التيارات الصاعدة: الأول تمثل في إحياء الاقتصاد الليبرالي الكلاسيكي، وبخاصة الأفكار الليبرالية لآدم سميث. أما الثاني فيهتم بالأفكار الخاصة بالنظام والسلطة .
أن الظروف التي سادت بداية الألفية الثالثة قد زوَّدت المحافظون الجدد بعناصر قوة اضافية، فالمحافظون حققوا خلال القرن العشرين الكثير وبخاصة منذ عام 1945 في سعيها لإنشاء بديل “مع السوق”، الا أن الأهم الذي تمَّ تحقيقه هو القضاء على عدوها اللدود الاشتراكية. فانهيار الاشتراكية في أنحاء العالم قد أعطى الفرصة لظهور مذاهب سياسية أخرى، مثل الدعوة إلى السوق الحرة. وتوقف مستقبل المحافظة في ظل الفراغ الأيدلوجي على قدرتها على تجديد وتحديث نفسها بما يتوافق مع المفاهيم الحديثة، فبرزت في مظهر اليمين الجديد لتتوافق مع مفاهيم الفردية والمشاركة الاجتماعية في السلطة.
وعلى الرغم من أن المحافظة في الغرب كأيدلوجية هي نسق من الأفكار المتنوعة، إلا أن أبرز ما تتسم به هو تعريفها بما تعارضه وليس بما تمثله، أي أن المحافظين وبخاصة على المستوى السياسي يحددون مواقفهم كرد فعل رافض للسياسات الليبرالية، فحين كان الفكر الليبرالي يؤمن بحرية الفرد ركزوا على قيم الجماعة، وحين كان يؤمن بتحجيم الدولة ركزوا على النظام والتقاليد والتاريخ والمؤسسات النيابية المستقرّة، لكن حين تنامت أفكار المواطنة الاجتماعية وحقوق المواطنين في الرعاية الصحية والتعليمية والحد الأدنى من الرفاهة الذي توفره الدولة عارضوا هذا التوجّه باعتباره يزيد من سلطة الدولة في الاقتصاد والاجتماع، ويقيّد الفرد والجماعات الاجتماعية. وهو ما دفع منافسي المحافظة لوصفها بالمراوغة والانتهازية والرغبة في مخالفة الليبرالية أيا كانت سياساتها.
وفي الواقع إن المحافظة كأيدلوجية لم تجد لها صدى في الولايات المتحدة الأمريكية حتى الستينيات من القرن الماضي ، فقد كان كل من الجمهوريين والديمقراطيين يأنفون من تلك التسمية حتى ذلك العقد من القرن العشرين، لكن مناخ الحرب الباردة والرغبة في تكريس القيم الأمريكية في مواجهة المد الفكري الشيوعي أدى إلى بداية ظهور الأفكار المحافظة على سطح الحياة الفكرية والسياسية الأمريكية واكتساب وصف المحافظة ثقلا متناميا في الخطاب السياسي في الستينيات .
إن أبرز ما يميز المشهد الأمريكي حاليا ما يمكن تسميته “مثلث الرعب”، وهو التقاء الجمهوريين مع أتباع الفكر المحافظ مع أنصار اليمين الديني المتطرف بشكل غير مسبوق ، وهو ما أفرز محافظين “جددا” أفكارهم لا تقاس على الفكر المحافظ كما يتم تدريسه نظريا في كتب الفكر والنظرية السياسية، إذ إن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة يركزون على التاريخ والثقافة الأمريكية كفكرة إقصائية، فلا عجب أن تكرِّس سياساتهم التمييز المدني والأمني ضد الأقليات العرقية والدينية .
فمن أسباب العداء الصاعد للإسلام التعريف الضيق للتاريخ الأمريكي كمصدر للشرعية والهوية الأمريكية وزعم “المحافظة على التقاليد الأمريكية” فضلا عن الحاجة للبحث عن عدو، فكما اسلفنا فالمحافظون بنوا رؤية الذات عبر تمييزها عن الآخر،وفعلوا ذلك مع تنامي افكارهم في الستينيات ضد الشيوعية، وبعد تراجع قوة الشيوعية كأيدلوجية صار الإسلام عدوا مثاليا.
سبب أخر للعداء للإسلام هو التحالف المحافظ مع اليمين المتشدد الديني، وبخاصة أصحاب الرؤى الأصولية الإنجيلية الألفية التي تؤمن بقرب نهاية العالم، وتبشر بعودة المسيح وتدعم إسرائيل كي تعجِّل بمجيئه كما تقول تأويلاتها للإنجيل، فلا بأس بذبح وإبادة الفلسطينيين لو كان هذا هو الثمن، وتقطيع أوصال العالم الإسلامي إذا كان هو القوة الرئيسية التي تقف في مواجهتها.
هذا المثلث المرعب يدمر الآن التجربة الليبرالية والإنسانية الهامة للولايات المتحدة ويوظف الفكر الجمهوري المحترم صاحب رؤى المواطنة الإيجابية والفعالة والديمقراطية النشطة ضد الحريات المدنية لجموع الأمريكيين في هذه اللحظة التاريخية، ويهدر جوانب اجتماعية هامة في الفكر المحافظ حين يصبغها برؤية إقصائية ضد التعدّد الثقافي، ويضرب حقوق الإنسان في مشهد غوانتانامو أو أبو غريب وصولا إلى فضيحة السجون الطائرة، ويستقر هذا المثلث بقوة على أرضية الرأسمالية العالمية، فهي ترى فيه حليفا سياسيا يحقق لها اجتياح المزيد من الأسواق، وعقد المزيد من الصفقات، وفتح المزيد من مجالات الاستثمار، وفي هذا المشهد تتراجع قيم حقوق الإنسان والمساواة والعدالة وتسود معايير المصلحة والمنفعة، والعقل المحافظ الذي كان قديما ضد العقلانية النفعية يجيد الآن تبرير سياساته بخطاب مائع عن الحرية و”الحرب على الإرهاب” ونشر الليبرالية بالقوة، أما البنية التحتية للرأسمالية العالمية من قوى وشركات ومنظمات ومؤسسات ومصارف وأسواق نقدية لا تبالي أي خطاب يستخدمه الساسة على أية حال
سادسا:الحركة التدبيرية والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة
يعتبر القرن العشرين قرن زحف المسيحية الصهيونية على الولايات المتحدة بامتياز.. وما بدأ فكراً تطور إلى ممارسة بعد إنشاء دولة اسرائيل فقد ترجمت بعض فقرات العهدين القديم والجديد ترجمة سياسية مباشرة صبت بقوة في دعم الدولة الصهيونية الوليدة،وحرّفت التفاسير الروحية واستخدم المسيحيون الصهاينة وسائل الإعلام الأميركية الجماهيرية أفضل استخدام لنشر أوهامهم وأحلامهم ومعتقداتهم. وتمَّ تفسير الأحداث السياسية باعتبارها “علامات أزمنة” تسبق المجيء الثاني للمسيح ومن بينها تجمع اليهود في فلسطين وإنشاء دولة اسرائيل، ولم يبق إلا ظهور “المسيح الدجال” وحدوث موجة من الصراعات تتوج بمعركة “هر مجدون” .
وضمن هذا التصور المستند الى “سفر الرؤيا” فإن السلاح النووي يصبح عندئذ أداة لتحقيق مقاصد الله، كما أن الميل الى تفسير أحداث السياسة الدولية استناداً الى منظور نهاية العالم، لا يصبح مشروعاً فقط وإنما يمثل أمراً ضرورياً. وهذا الشعور الداخلي من الأصولية المسيحية الأميركية، والمنطوي على أفكار سامة جعلت المؤمنين بنهاية العالم يعتقدون أن الحرب ضد العراق هي الحرب ذاتها التي جرى التنبؤ بها في الكتاب المقدس “على فاسقة بابل” ولذلك فإنهم كانوا مدفوعين إليها ، ووفقاً لاعتقادهم عندما تأتي نهاية العالم سيصعدون مباشرة الى الجنة، ويعتنق اليهود جميعاً المسيحية أو يهلكون، أما المسلمون فسوف يهلكون في جهنم نهاية العالم.
وحسب الاسطورة الأميركية الأصولية المستندة إلى بعض أسفار العهد القديم كسفر حزقيال وسفر دانيال ومن العهد الجديد على سفر يوحنا فإن العالم قد أشرف على النهاية وان ألف عام تبدأ بعد هذه النهاية تتميز بالسلام ووفرة الخيرات والأخوة بين الناس ويحل السلام بين الحيوانات أيضاً.. وهذ النهاية آتية، ليست بفعل جنون رجل يشعل الحرب النووية، بل لأن هذا قصد الله، ويعتقد معتنقو الأصولية الانجيلية أن المسيح لن يعود الى الأرض قبل ان يرجع جميع اليهود الى فلسطين، كما تتحدث اللوبيات الأصولية عن عقيدة مفادها ان اسرائيل قوية ضرورة لتحقق خطط “الرب” في فلسطين، ومن ثم فإن على الولايات المتحدة أن تجعل من إسرائيل قوة عسكرياً لدرجة كبيرة حتى يأتي يوم الحساب وأي شيء يقل عن ذلك يعتبر مخالفة لأوامر الله .
وبما أن ظهور المسيح سيكون مسبوقاً بحرب مدمرة فإن أميركا تجد نفسها ملزمة عقائدياً بتسليح اسرائيل ما أمكنها ذلك وبدعم كل مخططاتها داخل فلسطين وخارجها استعداداً لوقوع هذه الحرب لضمان انتصار إسرائيل وحلفائها ضد أعداء الله. وضمن هذا النطاق يدخل اعفاء اسرائيل من الانصياع للقوانين والمواثيق الدولية، فشريعة الله وحدها ـ التوراة ـ هي التي يجب ان تطبق على اليهود في فلسطين .
وقد ساد اعتقاد خاطئ بأن الحركة الأصولية المسيحية قد تراجعت وانطفأت جذوتها بخروج الرئيس رونالد ريغان من البيت الأبيض نهاية الثمانينيات من القرن الماضي فقد تعرف الناس قبل خروجه على الأغلبية الأخلاقية لجيري فالويل وعلى برامج بات روبتسون التلفزيونية، لكن فضائح القساوسة الإنجيليين الذين صنعوا شهرتهم عبر برامج التلفزيون أمثال بيكر وجيمي سورغارت أفقدت التيار كثيراً من الثقة، وتصوّر الناس حينها ان تيار المسيحيين المحافظين قد انتهى.الا ان المسيحيون المحافظون تمكنوا بحلول عام 1992 من احراز مكانة متميّزة داخل الحزب الجمهوري فقد سيطر التيار على سبع مندوبيات ولايات من بينها 42 من 46 مندوباً لولاية أو ثلاثة ارباع ولاية أوريغون في كارولينا الجنوبية ونصف ألاسكا وثلث مندوبي ولاية كاليفورنيا ويشير المراقبون الى ان 40% من الاصوات الذاهبة الى بوش الأكبر جاءت من الإنجيليين.
ورغم ان التأييد المسيحي الاصولي لإسرائيل يستند عند الكثيرين الى رؤية لنهاية العالم تفترض تبشير اليهود، غير ان أولوية كسب التأييد السياسي تتغلب على الاعتبارات الدينية الصرفة. وقد تشكلت حركات أصولية مسيحية رأت عدم تبشير اليهود بل الوقوف الى جانبهم أو “تعزيتهم” كما جاء في سفر اشعيا التوراتي .
أما أخطر حركات المسيحية الأصولية داخل أميركا فهي الحركة التدبيرية، فكما تقول غريس هالسل: نشأت هذه الحركة بعد قيام اسرائيل وتضم في عضويتها 40 مليون أميركي، وقد انخرط فيها بعض رؤساء أميركا. وتعتقد الحركة في أن الله وضع في الكتاب المقدس نبوءات واضحة حول كيفية تدبيره لشئون الكون ونهايته ورتبها كما يلي (قيام اسرائيل ـ هجوم أعداء الله على إسرائيل ووقوع معركة هر مجدون النووية ـ انتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين ـ ظهور المسيح المخلص وتخليصه لأتباعه من المحرقة ـ إيمان من بقي من اليهود بالمسيح ـ ثم انتشار السلام في مملكة المسيح في أرض جديدة وتحت سماء جديدة لألف عام). ويعتقد أتباع الحركة التدبيرية ان مهمتهم هي تهيئة وتدبير كل الأمور التي يمكن أن تعجِّل في عودة المسيح الى الأرض .
سابعا :أصولية الرئيس الأمريكي جورج بوش
يعتقد كثير من المحللين والمعلقين ان الرئيس بوش يتصف بضيق الأفق وانه مجرد ألعوبة في يد اليمين المسيحي، غير أن المسألة ليست على هذا النحو من التبسيط، إذ إن لبوش شخصية مستقلة، وتصرفاته تنبع من دوافع ذاتية، تكوّنت خلال سنوات نشأته ومن واقع خبرته السابقة .
لدى جورج بوش حماس ديني متأجج تعود جذوره التاريخية في تراث المستوطنين الأوروبيين الأوائل للقارة الأميركية، فهولاء كانوا متدينين الى درجة التعصب، ويعتقدون أن أميركا هي صهيون الجديد، والقارة الأميركية هي الأرض الموعودة. وبحسب ما يقوله القس فريتس ريتسش فإن الأميركيين الحاليين مثل أجدادهم السابقين يؤمنون بأنهم محط عناية إلهية وقدر إلهي محتوم.. غير أن اليمين المسيحي صاغ الافكار القديمة صياغة سياسية عملية. ومع أن الخريطة الدينية للولايات المتحدة معقدة ولا يمكن رسم حدودها بوضوح، إلا أن انصار بوش هم عموماً من البيض البروتستانت ومن المنتمين الى الكنيسة المعمدانية، أما الكنيسة الكاثوليكية التي يتبعها نحو 60 مليون أميركي فليست على علاقة ود بالرئيس لأسباب سياسية ودينية وتاريخية،كما أن اليهود الأميركيين بمختلف طوائفهم المتدينة والليبرالية يؤيدون سياسته في المنطقة العربية بقوة، ويعتقد كثيرون أنهم صاغة هذه السياسة ومخططوها من خلال أتباعهم في دوائر صنع القرار.
وبحسب رأي القس فريتس فإن بوش وأنصاره من الاصوليين المسيحيين واليهود في الولايات المتحدة يمثلون فلسفة دينية اساسها العنف والكراهية والتكبر،كما يلعب الدين دوراً في السياسة الخارجية أكثر من اي وقت مضى، فلم يحدث في التاريخ ان كانت أميركا مسيحية سياسيا وبشكل علني مثلما هي عليه في ولاية جورج بوش الابن، وهذه القناعة بأن الرب إلى جانب أميركا يقلل الحاجة الطبيعية إلى التواضع ومراجعة الذات. ما أوجد نوعا من التكبّر، وهذا التكبّر في عصر نووي كالذي نعيشه لا يمثل انحرافا اخلاقيا، بقدر ما يحمل بين طياته بذورا كارثية.
غير أن امتزاج الدين بالسياسة في تكوين بوش لم يسفر عن وجهه إلا عام 1988، ففي الحملة الانتخابية لوالده أوكل إليه تولي ملف العلاقات مع القسيسيين والوعاظ المسيحيين وكسبهم حتى يصوتوا له. وحينما بدأ بوش الاتصال بهذا الوسط ادرك القوة الدينية اليمينية الصاعدة خصوصا في الجنوب، وهذا الحدس لم يخب اذ لم تمض سنوات قليلة، إلا وكانت تلك المجموعات قد سيطرت على الحزب الجمهوري وتحولت الى قوة سياسية ضاربة. هذه القوة منحت بوش تأييدها في تقلد منصب حاكم ولاية تكساس ثم في وصوله إلى البيت الأبيض بداية الألفية الحالية .
ويقول المقربون من بوش ان هجمات 11 أيلول لم تعط معنى لرئاسته فقط، بل جعلته يصدق الهواجس السابقة عن ذاته، ومنحته مهمة ورسالة في الحياة، فهو يعتبر قيادته لأميركا امرا إلهياً واختيارا ربانيا.. وهذه الجبرية الدينية هي مصدر التفاؤل الساذج الذي يطبع خطاب بوش وقراراته .
ويميل بوش إلى التفسير الديني للأحداث السياسية ولذلك جعل للدين أثرا غير مسبوق في الحياة السياسية الأميركية؛ إذ يقول في حديث للمذيعين الدينيين “إن الإرهابيين يمقتوننا، لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة”. ويفضل بوش استخدام كلمة الحرية بدلاً من الديمقراطية وذلك مدلولها الديني فهي تعني “حرية اكتشاف الرب” بكل ما تحمله من مدلول مسيحي تبشيري. ولذلك فإنه كثير الحديث عن “الرب” والصراع بين الخير والشر .
وحاول بوش اعتماد برامج اقتصادية واجتماعية ترسخ الدين المسيحي في المجتمع الأميركي والعالم. فقد خصص بندا من الميزانية لتمويل المؤسسات التربوية والاجتماعية الدينية، من كنائس ومدارس دينية. واعتبرت تلك سابقة في التاريخ الأميركي وبداية النهاية للموقف الحيادي من الدين الذي تلتزم به الادارات الأميركية طبقا للدستور الأميركي. اما خارجياً فقد اعتبرت مجلة نيوزويك ان تخصيصه 15 مليار دولار لمكافحة الايدز في افريقيا كان في نظر حلفائه من الحركة الانجيلية تعبيرا عن مطامح لاستعمال تلك الأموال في نشر المسيحية في افريقيا.
وقد حاول القس فريتس تحليل فلسفة بوش وحماسه الديني الذي يطغى على الحكمة السياسية، فقد تتبع العبارات الدينية التي توحي الى ان الرب بجانبه، مثل قول بوش “إن الحرية والخوف، العدل والفظاعة ظلا دوما في صراع، ونحن نعرف ان الرب ليس حياديا في هذا الصراع” وضغطه الدائم على ان اميركا أمة مؤمنة وخيرة ومثالية ورحيمة وسخية، ويعلق فريتس قائلا “إن اغلب المصلين الذين يأتون إلى كنيستي الصغيرة لا يعتبرون أنفسهم، ولا يعتبرون الأمة الأميركية مجموعة من القديسين، هم غير موقنين بالورع الأميركي ولا يرون انتصارنا على صدام حسين دليلا على الفضيلة، لا أمام الناس ولا أمام الله”.
وشخصية بوش ليست بسيطة ولا يمكن تفسيرها تفسيرا أحاديا فهي مركبّة من الحماس الديني والمنفعية السياسية والمالية، فهو متدين أصولي بحق، لكنه ايضا رجل نفط، وهذه السمات موجودة ايضا في فريق عمله وإدارته، فكونداليزا رايس،وزيرة الخارجية، كانت تاجرة نفط ناجحة قبل تقلد منصبها، ووالدها عمل واعظا في احدى كنائس ألاباما، وزوجة أندرو كارد مدير مكتب بوش قسيسة، وجون اشكروفت وزير العدل الأميركي احد الناشطين المعروفين بولائهم لأفكارهم المسيحية الأصولية.
ولبّت شخصية جورج بوش طموح انصار اليمين المسيحي الأميركي، فهؤلاء كانوا يسعون على الدوام الى قائد على منوال شخصية داود التوراتية يوحد مطامحهم السياسية مع رؤاهم الدينية،وهذا يمثل انقلابا في التاريخ الأميركي اذ ان ذلك يقلب العلاقة التقليدية بين الكنيسة والدولة، ويمكن من استغلال المسيحية في تبرير الغرب والاستعمار وإشعال الحروب مع ديانات أخرى، كما أنه يجعل انصار بوش المتدينين مجموعة من المريدين ـ باللفظ الصوفي الإسلامي ـ بدلا من أن يقدموا له الهداية الأخلاقية او الرأي السياسي الصائب، ومن سوء الحظ ان رجال الدين المسيحيين الأصوليين الذين يصادقون بوش ويدعمونه كاملا هم امثال بيل غراهام وابنه فرانكلين، وجيري فالويل وبات روبرتسون، وكلهم معروفون بعدائهم للإسلام ومقدساته .
ثامنا:تصاعد الحركات الأصولية في الشرق الأوسط
ثمَّة العديد من الأسباب الذاتية والموضوعية التي ساعدت في تصاعد الأحزاب والحركات الأصولية في المنطقة العربية ومن بينه:
1. ان وصول الجمهوريون وبالتحديد فئة “المحافظون الجدد” إلى السلطة في الولايات المتحدة،شكَّل تحوّلا دراماتيكيا في السياسات الخارجية الأمريكية وبخاصة تجاه الشرق الأوسط،والذي أدّى إلى تشكيل بيئة مواجهة وصلت إلى حدود استعمال القوة العسكرية في مواجهتها.فاجتياح إسرائيل على سبيل المثال للبنان في العام 1982، وبدعم أمريكي واضح نقل منطقة الشرق الأوسط من ضفة إلى أخرى،تميّزت بمواجهات دامية وأسست لبيئات سياسية واجتماعية متطرِّفة نظرت إلى الولايات المتحدة نظرة عداء بكونها تشكل الداعم الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة. وسرعان ما ترسخ هذا الاتجاه في عقد الثمانينيات من القرن الماضي وما تلاه.
2. إن الوضع السالف الذكر،ساعد بشكل مباشر على إحياء إيديولوجيات ذات طابع أمني عسكري، مرد ذلك الاحتلالات التي ظهرت في غير منطقة في الشرق الأوسط، بدءاً من لبنان وصولا إلى أفغانستان،الأمر الذي أوجد غطاءً شرعيا اجتماعيا حاضنا للأحزاب والحركات التي واجهت الوضع القائم آنذاك.
3. ان فشل الأحزاب القومية العربية والشيوعية في تحقيق الآمال التي وعدت بها شعوبها، أدى إلى واقع اجتماعي سياسي تعبوي مختلف،سرعان ما تحولت الجماهير العربية والإسلامية عن أحزابها ومضت باتجاه الأحزاب الراديكالية التصورات والتي تمثلت بالأحزاب ذات التوجه الديني وحتى المذهبي.
4. ان قدرة هذه الأحزاب التعبوية الهائلة بحكم الأدوات والوسائل التي تستعملها وبخاصة الدينية منها،جعلها بحرا كبيرا لاستيعاب جماهيرها في الوقت الذي تميّزت بحسن تقديماتها وحل مشاكل جماهيرها،الأمر الذي رسّخ فكرة نجاحها في الذاكرة الجماعية لمناصريها، وبالتالي تأييدها والاندماج في صفوفها بصرف النظر عن دقة وصوابية طروحاتها تجاه الأزمات التي ينبغي اتخاذ مواقف فيها.
5. ان فشل الأنظمة الحاكمة في تقديم أي أمر وعدت به، أدّى إلى تهميش دورها ورعايتها المفترضة لناسها ومواطنيها،ما سهّل للأحزاب البديلة الحلول مكانها وقيادتها للسياسات الداخلية والخارجية للدولة،حتى باتت سلطات الأنظمة هيكلا فارغا دون مضمون، الأمر الذي سهل عمليا تآكلها من الداخل تمهيدا لانهيارها.
6. ان فشل مشاريع السلام المقترحة أميركيا أدّى بشكل أو آخر إلى تقوية مواقف الأحزاب الدينية التي توصف عادة بالراديكالية أو بالأصولية،ما عقَّد الأوضاع القائمة دون ظهور محاولات جديدة قابلة للحياة.
ان الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه معظم الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط ،باتت قاب قوسين أو أدنى لتغيير العديد من أنظمتها التي استهلكتها عبر عقود طويلة. بل ان مجمل الثورات العربية القائمة حاليا تعبّر عن انعكاس موضوعي لواقع الحال التي وصلت إليها هذه الأنظمة وعدم قدرتها على تقديم أي بديل للأمر الواقع التي تعيش فيها جماهيرها.
صحيح ان عمليات التغيير يمكن ان تؤدي إلى استقرار سياسي واجتماعي ،لكنه ليس بالضرورة قادر عل إنتاج وقائع وأوضاع يمكن ان يبنى عليها لبيئة سلمية في الشرق الأوسط.مرد ذلك ان هذه الثورات في الأعم الأغلب سوف تتجه بعكس ما كان عليه الأمر مع الأنظمة السابقة،وبالتالي عودة التشدد إلى الحياة السياسية العربية في ظل إعادة تموضع الأحزاب المتشددة بين الثورات القائمة وشرائح السباب المحرك لها.
تاسعا: ملاحظات ومقترحات
بعد هذا السرد لمجموعة من الأصوليات ومنهجية وطرق عملها،يمكن تسجيل العديد من الملاحظات والمقترحات وأبرزها:
1. بعكس ما هو شائع ومتداول في الإعلام الغربي من أن الأصولية هي توصيف مرادف للإسلام والمسلمين، وأن منشأها وجذورها هي من طبيعة عربية واسلامية؛فالأصولية وجدت ونشأت في المجتمعات الغربية وترعرعت وتطوّرت على أيدي غلاة غير إسلامية،ووجدت بيئتها الحاضنة في غلاة المتصهينين وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية،وتمثلت في العديد من التيارات الدينية والسياسية وصولا إلى المحافظين الجدد الذين حكموا أميركا ويحاولون تنظيم العالم على مقاس معتقداتهم.
2. لقد سارع البحاثة الغربيين إلى إطلاق لفظة أصولية على الحركات التي ارتبطت بالإسلام المسلح في الشرق الأوسط وآسيا منذ اللحظة الاولى التي عرفت فيها هذه الحركات طريقها إلى النور. وفي الواقع تعود اللفظة إلى حركة دينية عرفتها الولايات المتحدة في مطلع القرن بعد أن تمكّنت مجموعة من البروتستانت من طبع 12 مجلدا في الفترة ما بين 1910 إلى 1915 بعنوان “أصول ـ شهادة على الحقيقة” وانتشرت في وقت وجيز بين الملايين من المسيحيين الأمريكيين وقد نظر الكثيرون إلى هذه الحركة بوصفها الرد العملي على الداروينية، واعتبرت أول إلتفاتة إلى الدين بعد أن اتجه المجتمع الغربي بكليته نحو العلم، وقد حدد اصوليو أميركا أربعة أعمدة أساسية لأصوليتهم هي الإحياء والتمسك بالجوهر والتجديد واقتران القول بالعمل، وتشير الدلائل إلى أن هذا الإسقاط شابه ظلم كبير للمجتمعات الإسلامية.
3. لقد كان الفرق الأساسي بين الأصولية الأمريكية والأصولية الشرقية ، أن الاولى كانت نقاشا حقيقيا لقضيتي العلم والدين ومناطق التماس بينهما، بينما عاشت الحركة الأصولية الشرقية حالة من الجهالة الفكرية منذ صعودها أواخر السبعينيات وحتى ضمورها عام 2001، وفي صيغة أخرى كانت الأصولية الشرقية استدعاء لزخم حركي لم يرتكز ولم ينتظر حتى إمكانية إرساء أي قواعد فكرية له.
4. إن الجسم الأساسي للحركة الأصولية الإسلامية المعاصرة نشأ في الفضاء الآسيوي في ظروف فقهية وسياسية استثنائية، فقد تم تغليب المدرسة الديبوندية على المدرسة الهندية المقاومة، تلك المدرسة التي يرى المفكر المصري فهمي هويدي في كتابه “طالبان” أنها تهتم بالفروع أكثر من الأصول، ويرى آخرون أن الكثير من استنتاجاتها وصلت إليه بالاستناد إلى كتب القرون الوسطى ، وفي اتجاه مواز تم التغاضي عن دعم ودفع الحركات الإسلامية الآسيوية إلى مقدمة الصورة السياسية في مواجهة صعود كتلة عدم الانحياز وحركة التحرر الوطني وأيضا في مواجهة النفوذ الصيني والسوفييتي السابق .
5. لقد جمع الغرب تحت هذه العباءة التي اخترعها بكلمة الأصولية مجموعة حركات سياسية تصل علاقة بعضها بالبعض الآخر إلى مستوى التضاد، فقد ضمّت الكلمة حركات الإسلام المسلح المصرية الجهاد والجماعات تلك التي ظهرت في أوائل الثمانينيات وصعدت من عملها العسكري في التسعينيات وكان جسمها الأساسي ارتدادا للظاهرة الأفغانية، جنبا إلى جنب مع الجبهة الإسلامية السودانية التي ولدت ثم تضادت مع حركة الأخوان المسلمين المصرية والسودانية، مع التجربة الإيرانية المعادية للإمبريالية الأمريكية والصهيونية وذات التوجهات المنفتحة نسبيا داخليا مع حركة طالبان المتزمتة على خلفية الوضع الاجتماعي الأفغاني والتي وصل بها الشطط إلى تحريم لعب الأطفال بالطائرات الورقية، إلى حركة التحرّر الوطني حماس التي تمثل الايدولوجيا الإسلامية أطارا لخطابها المقاوم، وخطورة هذا الطرح انه يلغي القضايا وتمايزاتها ويخلق صورة نمطية واحدة لمسلم ملتحٍ يحمل رشاشا لا يدافع عن قضاياه المباشرة وإنما يدافع عن نموذج فكري في ذهنه.
6. لم تتناول الدراسات والمقالات التي تمَّ بها التوجه إلى الأصولية لغير الحركات الإسلامية كما أسلفنا، وتمَّ التغاضي عن قصد إلى أصوليات هي اخطر بكثير ولها سوابق إرهابية تمتد عميقا في جذور التاريخ .
7. وفي معرض البحث عن جذور الإرهاب وأسسه وكيفيته،تمَّ اللجوء إلى الأصوليات كجذر يمكن الاستناد إليه في معرض توصيف ظواهر ومنفذي العمليات الإرهابية.فيما تمَّ تجاهل الأسباب الحقيقية التي جعلت مثل تلك الجماعات تلجأ إلى التطرف لمواجهة ما تتعرض له.
8. وفي النهاية كلمة حق لا بد أن تذكر وهي أن العودة للأصول لا ضير فيها ولا ينبغي أن تشكِّل عقدة خوف أو نقص لما اعتراها من تحريف في المعنى.كما ينبغي على دارسي تلك الحركات أن يكونوا موضوعيين في إيضاح منشأها والحكم على أعمالها،لكي لا تشوه صورة الدين أي دين على انه سببا في انتعاش الأعمال الإرهابية.