الرئيسية / إضاءات / القوانين البالية التي تطالب التونسيات بتغييرها
المرأة التونسية

القوانين البالية التي تطالب التونسيات بتغييرها

تحظى المرأة التونسية بأكثر القوانين تقدمية مقارنة بنظيراتها عربياً. حدث ذلك نتيجة القوانين التي وضعها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. وبعد رحيله، لم تعد درجة التحرر التي وصلت إليها المرأة كافية، مع تطور حركة المجتمع والتغيرات التي حدثت في البلاد منذ بداية الربيع العربي.

وعلى الرغم من أن الوضع بعد الثورة لم يكن مثالياً، فإن المرأة كانت من الفائزات القلائل بغنائمها. فحسم الدستور الجديد في يناير 2014، مسألة المساواة التامة بين الرجل والمرأة في فصله العشرين: “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”. والفصل 46: “تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات”.

قوانين لا دستورية:

هذا الحسم وضع المنظومة القانونية التونسية في تناقض صارخ. ففي الوقت الذي يؤكد فيه على المساواة، توجد قوانين وقرارات إدارية، أقل شأناً، تُكرس التمييز ضد المرأة، وتمنح حقوقاً للرجل دون المرأة. هذه القوانين تتعلق بشتى مجالات الحياة، وتُعتبر قوانين لا دستوريةً، لمخالفتها أعلى نص قانوني. ويعود غالبها إلى 40 عاماً.

لا تتمتع المرأة التونسية بالمساواة في الميراث، إذ يستأثر الرجل بالنصيب الأوفر، تطبيقاً للنص الديني: “للذكر مثل حظ الأنثيين”. ويحق للإخوة، وأحيانا للأفراد الذكور الآخرين في العائلة، الحصول على نصيب أكبر في الميراث. وذلك وفقاً للباب الرابع من قسم الميراث في مجلة الأحوال الشخصية، الصادرة عام 1956.

ويمنح الفصل 58 منها للقضاة صلاحية منح الحضانة للأم أو الأب اعتماداً على مصلحة الطفل، لكنه يمنع الأم من حضانة أبنائها إذا تزوجت، من دون وجود حكم مماثل يخص الآباء. وتشترط المجلة في باب الولاية في الفصل الثامن أن يكون الولي في الزواج “عاقلاً ذكراً” .

دستور تونس

في الزواج أيضاً، تُمنع المرأة من الزواج بغير المسلم، وعلى كل أجنبي يريد الزواج بتونسية، أن يقدم شهادة اعتناق الدين الإسلامي، من مفتي البلاد. وبالرغم من عدم وجود قانون صريح لذلك، فإن قرارات إدارية صادرة عن وزارة الداخلية تُلزم بذلك.

التمييز القانوني ضد المرأة التونسية يصل أيضاً إلى المسائل المتعلقة باستخراج الوثائق الرسمية للأبناء. فحتى وقت قريب لم تكن المرأة قادرة على السفر مع أبنائها القاصرين من دون ترخيص من الأب. وفي ديسمبر 2015، صدر قانون جديد يمنحها هذا الحق. لكن التنقيح في مسائل الولاية كان جزئياً ومقتصراً على السفر من دون ترخيص. فالأب لديه تمّيز في ولاية الأبناء، والحالات القليلة التي تكون فيها الأم ولياً، لا يكون لها ذلك إلا بقرار قضائي وفي حالات استثنائية. فحتى إذا تخلى الأب عن الأسرة، ولم يلتزم بواجباته تجاه الأبناء، وتحملت الأم المسؤولية الاجتماعية والمادية، فيُحافظ على ولايته عليهم. كما بالنسبة إلى الحالات الاستثنائية في الحصول على الإعفاء من الخدمة العسكرية، إذ يتمتع الشاب الكافل لوالده بإعفاء تام، بينما لا يحصل الكافل لأمه الأرملة سوى على تأجيل مدته سنة واحدة قابلة للتجديد.

وقد أطلقت منظمات نسوية محلية حملة عنوانها “علاش لتوا” (لماذا إلى الآن)، لملاءمة التشريعات والقوانين الخاصة بالمرأة مع الدستور، وأهمها إنفاذ الفصل الدستوري الخاص بالمساواة.

تناقضات قانونية :

في أكتوبر 2011، أصدرت الحكومة التونسية مرسوماً رفعت فيه تحفظاتها على المواد 9 و15 و16 و29 من اتفاقية سيداو، ونشرت المرسوم في الجريدة الرسمية. لكن بعد انتخابات أكتوبر 2011، لم تقم الحكومة الجديدة بقيادة حركة النهضة الإسلامية، بإرسال إعلام رفع تحفظاتها للأمين العام للأمم المتحدة، بصفته المشرف على الاتفاقية، ما يعني أن رفع التحفظات لم يكن له أي أثر قانوني. وفقاً لتقرير نشرته منظمة هيومن رايتس وتش.

بعد خروج حركة النهضة من السلطة، قامت حكومة مهدي جمعة في أبريل 2014 بإعلام الأمين العام للأمم المتحدة رسمياً بشأن رفع تحفظاتها على اتفاقية سيداو. وتتعلق هذه التحفظات بما تنص عليه الاتفاقية من مساواة بين المرأة والرجل في المسائل العائلية، ومنها قدرة المرأة على منح جنسيتها لأبنائها، وحقوقها ومسؤولياتها في الزواج والطلاق، والمسائل المتعلقة بالأطفال والحضانة، والحقوق الشخصية للأزواج والزوجات في ما يتعلق باللقب العائلي والمهنة.

ووفقاً لهيومن رايتس وتش فإن تونس أبقت على البيان العام، الذي ينص على أن الحكومة “لن تتخذ أي قرار تنظيمي أو تشريعي طبقاً لمقتضيات هذه الاتفاقية، والذي من شأنه أن يخالف أحكام الفصل الأول من الدستور التونسي”، الذي ينص على أن تونس دولة دينها الإسلام. وقالت المنظمة إنه يجب سحب هذا البيان، لأنه لا يجب اتخاذ دستور أي بلد كعذر لعدم الامتثال للمعايير الدولية.

يتعلق الأمر هنا إذاَ بتناقض واضح، ففي الوقت الذي ترفع فيه الدولة تحفظاتها على الاتفاقية الدولية، ما زالت تحتفظ بالبيان العام، الذي ينص على عدم سن قوانين أو تشريعات طبقاً لمقتضياتها، بحجة أنها تخالف الفصل الأول من الدستور، الخاص بدين الدولة. والاتكاء على ذريعة الدين في تبرير التمييز، يُضر بالدين، ويظهر في مظهر الداعي للتميز ضد المرأة والانتقاص من حقوقها.

القوانين وحدها لا تكفي:

على الرغم من أهمية الجوانب القانونية في حماية المرأة من كل أشكال العنف والتمييز، لا تعتبر التونسيات أن الأمر يقتصر على القوانين النظرية المكتوبة. الباحثة والحقوقية، رانيا الشابي، ترى أن هيمنة الفكر الذكوري في المجتمع، لا تعالجه القوانين وحدها، بل وعي المرأة بذاتها وبدورها. وتقول: “ما معنى المساواة أولاً؟ هل يجسدها التناصف العددي الذي مُنح للمرأة، وأخرجها بمظهر التي تنقصها الكفاءة، وتحتاج لقانون كي تتولى مناصب تمثيلية؟ قطعاً لا. كامرأة أرى أن مجلة الأحوال الشخصية، التي كانت فتحاً تقدمياً عظيماً في سياقها التاريخي، منحتني رصيداً أبدأ به حياتي في مجتمع ذكوري أبوي”.

وأضافت: “القانون يمكن أن يكون مثالياً إلى أبعد الحدود، ويُمّكن المرأة من جميع حقوقها، لكن الأساس يبقى في نظرة المرأة لتلك الحقوق، وكيفية تعاطيها مع مجتمعاتنا التقليدية. القانون نظرياً جميل، لكن رؤية المجتمع وأحكامه هي الفيصل، فتغير العقليات والقناعات لا تقوم به القوانين. هو مسار طويل وشاق يخضع لحركة تطور المجتمع تاريخياً”.

وتؤكد الجامعية كلثوم الجاني أن القوانين الموجودة حالياً، وبالرغم من تقدميتها، مقارنة بالمنطقة العربية، تبقى حبراً على ورق إذ لم ترافقها عملية تغير جذرية ثقافياً واجتماعياً”. وتضيف​: “المرأة التونسية تجاوزت بنفسها حتى القوانين والعقليات السائدة، وفرضت وجودها في كل المواقع، بالرغم من كل العراقيل الدينية والثقافية. لا أعتقد أنني أفقه كثيراً في الشؤون القانونية، لكنني مقتنعة بأنني متساوية مع الرجل، لي ما له وعليّ ما عليه، ولا شيء يمكنه منعي من الوصول إلى منصب عملي أو موقع علمي”.

روابط:استحداث 5 جوائز نسائية في عيد المرأة التونسية