الرئيسية / وجهات نظر / الديمقراطية التونسية في زمن «الدواعش»
الحسين الزاوي

الديمقراطية التونسية في زمن «الدواعش»

تعيش تونس أصعب لحظات مسارها الديمقراطي، ويتكالب الكثير من الأعداء في الداخل والخارج من أجل القضاء على هذا الاستثناء الوحيد في الوطن العربي بالنسبة لمجتمع مدني عصري وحداثي تمتلك نساؤه ورجاله الجرأة والشجاعة الكافيتين من أجل إخراج البطاقة الحمراء في وجه مروجي أفكار الإسلام السياسي؛ وإذ إنه وفي اللحظة التي نسجل فيها أن كل المجتمعات العربية التي أتيحت لها الفرصة من أجل إجراء انتخابات حرة وشفافة سقطت كقصور من رمال في أحضان جماعات إرهابية، فإن المجتمع المدني التونسي هو وحده الذي امتلك الشجاعة والجسارة ليقول لهذه الجماعات: نريد جنة الله لا جنة الانغلاق التي تبشرون بها، نريد أن تكون الديمقراطية عنواناً للانفتاح والحداثة، لا مشروعاً للردة المدنية.. ولأن الإجابة التونسية كانت مفحمة ومزلزلة فقد قرّر التكفيريون معاقبة هذا الشعب المسالم، والسعي إلى تقويض هذه التجربة الوليدة، في محاولة يائسة لإدخاله إلى بيت الطاعة الاستبدادي، ليخفت صوت الحداثة ويعلو صوت الغلو والتطرف والانغلاق.
من سوء حظ التونسيين أن تجربتهم الديمقراطية جاءت في مرحلة تاريخية يعرف فيها مشروع التنوير العربي تراجعاً وانتكاسات على مستويات عدة، مرحلة يتوسل فيها المتطرفون منهج التخويف والابتزاز والتبشير بأهوال «يوم القيامة» لدفع الشعوب إلى التحديق صوب الموت والتخلي عن الحياة، من خلال التفتيش بين قصاصات التراث عن أكثر القراءات شذوذاً وتطرفاً لنصوص الدين والعقيدة.
لقد سقطت حجج وأقنعة جماعات الإسلام السياسي التي كانت تدعي أن قمع الدول الوطنية الحديثة هو المسؤول عن انتشار الإرهاب والتطرف، فقد نبذ صندوق الانتخاب في تونس خطاب هذه الجماعات لكنها رفضت التسليم بالهزيمة، وتصرّ الآن على أن تنقلب على مشروعية الصندوق بالتبشير لمشروعية الموت والترهيب. ونلاحظ في سياق مواز أن أنصارها من الجاليات المسلمة في الغرب، يتركون مجتمعات الحرية والتعدد والاختلاف التي يعيشون فيها، ليلتحقوا بدولة “الدواعش” التي تدعوهم إلى قتل كل من يجرؤ على الدفاع عن حقه في التفكير الحر والمستقل؛ ويذكرنا كل ذلك ب«ديمقراطية» الصندوق التي كان يطالب بها أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر، من أجل الانقلاب على قيم الديمقراطية والتعددية السياسية وإلغاء قوانين الدولة الوطنية التي تحمي الحريات الشخصية والعامة، من خلال ترديدهم في شوارع العاصمة الجزائرية لشعارات لا صلة لها بالديمقراطية وقيم المواطنة من قبيل: «لا ميثاق.. لا دستور.. قال الله.. قال الرسول». لقد رفعوا شعاراتهم المتشنجة بأصوات عالية جعلت السذج يظنون أن العدالة السماوية تعني أن يحكم هؤلاء دون سواهم، ولا بأس أن يقوموا بالقضاء على التنوع الذي جاءت به الدولة الوطنية المعاصرة.
من الواضح أن المتطرفين والدمويين لا يستهدفون فقط الديمقراطية التونسية الوليدة، ولكنهم يسعون إلى القضاء في اللحظة نفسها على قيم الحداثة الليبرالية التي رسختها تجربة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي كانت له الشجاعة الكافية من أجل وضع لبنات مجتمع مدني تونسي قوي ومتحرر، يعطي للمرأة حقوقها المشروعة في المساواة والمشاركة في تسيير المرفق العمومي.
ولأن المشكل الأول والأساسي الذي يواجه جماعات الإسلام السياسي هو هذا المجتمع المدني نفسه المتحرر المؤمن بحق المرأة في المشاركة الفعالة في قيادة الدولة ومؤسساتها، فإنه اختار منذ البداية أن يركز هجماته على هذا النموذج من المجتمع، الذي سمح بأن تمتلك فيه المرأة الشجاعة والجرأة من أجل الخروج إلى الشارع والتنديد بمحاولات الأحزاب الموالية لهذه الجماعات، والهادفة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإلغاء المكاسب التي حققها الشعب التونسي في المرحلة البورقيبية.
يسعى “الدواعش” وكل من سار على دربهم، إلى إلغاء عطاء قرون من الحضارة العربية الإسلامية، ويطمحون إلى القضاء على التنوع الثقافي والفكري وعلى اللوحة الفسيفسائية البديعة التي سادت في العالم الإسلامي بين فرقه وطوائفه من سنة وشيعة ودروز ومسيحيين وأيزيديين…، يريدون أن يتكلم الجميع بصوت واحد ويصرّون على أن الإسلام لا يحتمل إلا قراءة واحدة هي قراءتهم هم، ويجتهدون في تقديم الحجة تلو الحجة لأعداء حضارتنا ولإعلامهم المأجور، وأن ديننا هو دين قتل وتدمير، ويطمحون إلى إقناع مجتمعاتنا أن من يعارض أطروحاتهم هو معارض للدين. ليس أمامنا وأمام الإخوة في تونس الخضراء، سوى مقاومة محاولات الردة المدنية والحداثية التي تهدف إلى القضاء على المكاسب التي حققها المجتمع التونسي بفضل تضحياته ونضالاته؛ وعلى التونسيين أن يتمسكوا بخياراتهم ويقولوا لخصومهم بصوت واثق: أردتم من الديمقراطية أن تكون لغير الحداثة، فأصر الشعب أن تكون – فقط- للحداثة والحرية والانفتاح، وعنواناً عريضاً للأخوّة والمساواة بين جميع التونسيين. ليس أمامنا في النهاية سوى أن نطلب من الله العلي القدير أن يحفظ تونس وشعبها الطيب المسالم من كل مكروه، وأن ننهي هذه الإطلالة التضامنية مع شعب تونس الصامد، من حيث كان علينا أن نبتدئ: باسم الله وبه نستعين على أعداء التقدم والحداثة.

*كاتب عربي/”الخليج”