الرئيسية / وجهات نظر / ضمير العالم الغائب
صادق ناشر

ضمير العالم الغائب

بقلم: صادق ناشر*

رؤية الفارين من جحيم بلدانهم التي تعيش حروباً بأشكال وعناوين مختلفة، وهم يصلون إلى سواحل عدد من بلدان أوروبا في سفن متهالكة، تثير في النفوس الكثير من مشاعر الصدمة الأخلاقية، خاصة وأن المئات يعبرون البحار أملاً في الحصول على حياة أفضل من تلك التي يعيشونها في بلدانهم، والتي ضاقت عليهم رغم رحابتها.
صحيح أن هناك من يرى أن أوروبا ليست معنية باستقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين، بخاصة وأن الأعداد المتدفقة من هؤلاء يعملون بشكل أو بآخر وعبر سنين طوال، على تغيير التركيبة الديمغرافية ل «القارة العجوز»، إلا أن الغائب هنا هو الضمير الأخلاقي في عملية التعامل مع اللاجئين، إذ إنه يتم التعامل معهم من زوايا لا علاقة لها بالإنسانية ولا بحقوق الإنسان التي تدعيها أوروبا.
هناك جوانب إنسانية يغيب عنها ضمير العالم الأول، أو ما يعرف بالدول الغنية التي تتحدث بشكل مستمر عن حقوق الإنسان، وهي في حقيقة الأمر تعمل على إهدار هذه الحقوق وتسيء إلى أهم مبدأ من المبادئ الإنسانية.
في المحصلة الأخيرة هناك من يرى أن أوروبا ليست المسؤولة عن ظاهرة فرار العشرات، إن لم يكن مئات الآلاف من المواطنين في دول العالم الثالث عبر البحار للعيش في أوروبا سنوياً، بل هذه الأنظمة العفنة التي فضلت إبقاء قبضتها على السلطة، ولو كان ذلك على حساب الملايين من مواطنيها، الذين يغامرون بأشكال مختلفة للفرار بأنفسهم وأولادهم تاركين وراءهم أوطانهم تتمزق من دون أن يرف جفن لقادة هذه الأنظمة، وكأنما يفعلونه هو عين الصواب.
في معظم بلادنا العربية يسعى الكثيرون إلى الهجرة، أملاً منهم أنها السبيل الوحيد لتكوين حياة مستقرة لجيل كامل صار محروماً من الاستقرار في بلده، إذ تعيش هذه البلاد حالة من الفوضى، ويرى مواطنوها أن الهجرة إلى بلدان أوروبا هي الحل لكل الأزمات التي نشأوا وتربوا عليها.
البحث عن المستقبل إذاً هو الشعار الذي يرفعه الملايين من المواطنين العرب ومن دول إفريقية عدة، وذلك يعود إلى السياسة التي تتبعها هذه الأنظمة الحاكمة وسياستها في البطش، حتى لو كان ذلك على حساب الملايين من المحرومين والمعذبين.
لذلك يجازف الكثير بحياته وأحياناً بحياة أبنائه ويدفع كل ما يملكه ليغامر في رحلة عبر البحر، تنتهي في أغلب الأحيان نهايات غير سعيدة، بخاصة وأن هناك من صار يتاجر بمصائرهم ومستقبلهم، سواء من قبل سماسرة الداخل أو مالكي السفن المتهالكة والذين يقومون برميهم أحياناً في عرض البحر ولو أدى ذلك إلى موت المئات منهم.
وإذا كان البعض، وله الحق في ذلك، قام بمطالبة دول أوروبا بمراعاة حقوق الإنسان في التعاطي مع قضية اللاجئين، التي تتزايد كل يوم، فإن الأولى بهؤلاء أن يتحركوا من أجل لجم الديكتاتوريات العربية التي تقضي على مستقبل أجيال بأكملها.

*كاتب صحفي/”الخليج”