الرئيسية / وجهات نظر / الاعتراف بفلسطين… والدولة الواحدة..
روني برومان

الاعتراف بفلسطين… والدولة الواحدة..

لا يستخف بأهمية اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية. فالاعتراف هذا خطوة رمزية يحتفى بها وفاتحة احتكام الدول إلى القانون الدولي، فلا يعود ل(إسرائيل) وحدها البت في «وجود» هذه الدولة. والمجتمع الدولي طرف بارز وأساسي في البت هذا. واعتراف السويد بالدولة الفلسطينية تقدم يعتد به، على رغم أن القوانين الدولية تفترض وجود مثل هذه الدولة. وعملية السلام التي اقتصرت في المرحلة الأخيرة على لقاءات ترعاها أميركا، تساهم في تحويل هذا الواقع القانوني إلى مشروع تفاوض.
ولم يبق أمام أوروبا إلا أن تلحق بركاب 135 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية. والاعتراف هذا إيجابي، فهو يقيد (إسرائيل)، فيتعذر عليها وصف الضفة الغربية بـ»الأراضي المتنازع عليها». فبموجب الاعتراف لا مفر من إقرار (إسرائيل) بأن الضفة الغربية «أرض محتلة».
ولم يعد اليسار العلماني الإسرائيلي يمثل الأمل بإنهاء النزاع، منذ تخلي إيهود باراك عن الفلسطينيين. واليوم، يعوّل على اليمين الديني في طي النزاع، وهذا ليس من بنات الاستفزاز أو التحامل. فعلى رأس الدولة الإسرائيلية، يتربع روفين ريفلن، خليفة شمعون بيريز. وهو يعارض اتفاقات أوسلو ويؤيد ضم الضفة الغربية إلى (إسرائيل).
وهو يميني لكنه يؤيد السواسية في حقوق جميع من تطبق عليهم قوانين الدولة العبرية، وموقفه يخالف المواقف السياسية السائرة في (إسرائيل). ومشاركة الرئيس في إحياء ذكرى مجزرة كفرقاسم، المرتكبة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956، سابقة، ففي المجزرة قتلت الشرطة الإسرائيلية 47 عربياً إسرائيلياً.
وتوجه ريفلن إلى أحفاد هؤلاء وإلى عرب (إسرائيل)، وهم 20 في المئة من السكان، قائلاً: لا يخفى أن بعض أبناء العرب ال(إسرائيل)يين يتماهى مع معاناة الفلسطينيين وأنهم يتعرضون في (إسرائيل) للعنصرية… أنتم لحم ودم هذه الأرض، ولا أحد يريد إقصاءكم». وهذا الكلام ليس إعلان ندم بل مسؤولية عما حصل وبادرة انفتاح سياسي. ولا شك في أن منصب الرئاسة الإسرائيلية رمزي، من غير صلاحيات تنفيذية، ولكن لا يستهان بهذا الموقع الرمزي. وأخذ أفرهام بورغ، المتدين اليساري والرئيس السابق للبرلمان الإسرائيلي، منحى ريفلين، وكلاهما أعلن معارضة تعريف (إسرائيل) بأنها «دولة يهودية»، على نحو ما اقترعت حكومة نتانياهو.
وأعوّل في عملية السلام على مروان البرغوتي في الجانب الفلسطيني. فهو سياسي مرتبته تضاهي مرتبة مانديلا. فمواقفه السياسية أخلاقية وهو شجاع، ومشروعيته كبيرة في أوساط الفلسطينيين من كل الانتماءات. وهو، كما كان مانديلا، سجين مدى الحياة بتهمة «الإرهاب»، ومؤهل للارتقاء رئيساً للسلطة الفلسطينية. وصاغ مع غيره من المحتجزين «وثيقة السجناء» (وثيقة الاتفاق الوطني)، وهي مبادرة سياسية أجمعت عليها الحركات الفلسطينية، وتدعو إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة.
وإذا جاز القول إن البرغوتي مانديلا الفلسطيني، فريفـلـين يمكنه أن يكون دي كليرك ويلاقيه على طريق طي الفصل العنصري… وحال (إسرائيل) اليوم هي من حال جنوب أفريقيا في الثمانينات، والتي أفلحت في طي الأبارتايد من غير عنف. والسابقة واعدة في وقت تبدو فكرة شعبين في دولتين أقرب إلى الخيال.
عملية السلام في أوسلو بدأت في 1993 مع فكرة إنشاء دولة ثانية. لكن العملية لم ينجم عنها غير تقليص حرية تنقل الفلسطينيين والجدار الفاصل ونقاط التفتيش… فالفصل بين الشعبين كان مفترضاً أن يعبد طريق التحرر أمام الفلسطينيين، لكن ما نجم عنه هو نظام اقرب إلى الأبارتايد، على وقع الاستيطان المتواصل وترسيخ قبضة الاحتلال العسكري في الضفة الغربية. واليوم بات قيام دولة فلسطينية متعذراً، ولم يعد ثمة يسار إسرائيلي يدافع عن المشروع.
فالاستيطان هو مشروع (إسرائيل) المركزي الذي يسمم حياة الفلسطينيين، وهو لا يستحوذ على حيزهم المكاني فحسب بل يصادر زمنهم وحياتهم. وكل انتقال هو تجربة مريرة، والطريق المسدود ليس جغرافياً فحسب، فالأمل بالمستقبل تبدد، ويتعذر النقاش السياسي في مثل هذه الأجواء.
ولا أعرف على أي وجه ترسى دولة واحدة تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن في الإمكان تخيل دولة فيديرالية أو كونفيديرالية، أو الاحتذاء بالنموذج السويسري. وتمس الحاجة إلى تفكيك أو إلغاء «المناطق الأمنية» في الضفة الغربية، وهذه الخطوة جسر للتعايش في حيز مكاني مشترك.

*المدير السابق لمنظمة «أطباء بلا حدود»/ “الحياة” اللندنية