الرئيسية / وجهات نظر / أزمة مغربية – فرنسية صامتة
محمد الاشهب

أزمة مغربية – فرنسية صامتة

يميل الفرنسيون في توصيف علاقات بلادهم والقطبين الإقليميين في الجوار المغاربي إلى القول أن التفاهم الفرنسي – الجزائري لا يكون على حساب المغرب، كما أن العلاقات التقليدية بين الرباط وباريس لا تؤثر سلباً في المسار الآخر. لكن التوصيف الذي كان نافذاً في فترة غير هذه، لم يعد اليوم ساري المفعول، في ظل معادلة الأضداد: أزمة صامتة ومعلنة أحياناً بين المغرب وفرنسا، وانفتاح اقتصادي وسياسي أكبر يطاول محور العلاقات الجزائرية – الفرنسية.
من غير المتوقع صدور رد فعل سياسي من الرباط إزاء وخزات «شهر العسل» الفرنسي – الجزائري. كونه ليس سياسة مقبولة في إطار احترام التوجهات السيادية للدول في اختيار صداقاتها وخصوماتها، كما ليس وارداً حدوث انقلاب مئة وثمانين درجة في سياسة باريس، وإن نزعت بفعل أزمتها الاقتصادية والمالية إلى الإفادة من تناقضات المصالح. لكن الأمر لا يلغي أن أزمة باريس والرباط خطت على نحو مغاير.
وفي حين قطع الحوار بين باريس والجزائر نهر الحساسيات القديمة واتجه البلدان إلى إبرام اتفاقات على قدر كبير من الأهمية الاقتصادية والتجارية والتوازنات السياسية، تعالت بعض أصوات اليمين الديغولي الفرنسي بالدعوة إلى صون العلاقات الفرنسية – المغربية من الانهيار، واستمرار الالتزامات الاستراتيجية المتبادلة، خصوصاً في أفريقيا والحرب على الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي.
وسواء أكان ذلك نتيجة التداخل بين ما هو فرنسي صرف في أوجه الصراع الداخلي وتداعياته الإقليمية خارجياً أم مجرد استشعار بفقدان التوازن في المعادلة الفرنسية التي صمدت طويلاً إزاء الإرضاء المتبادل للمغرب والجزائر، فإن هناك شعوراً بأن الصراعات الداخلية في فرنسا اتخذت من الساحة الخارجية، وتحديداً في مراكز النفوذ التقليدي لباريس في الشمال الأفريقي، مجالاً للنقد والعتاب. وسواء أكانت محقة في ربط التوجهات العامة لفرنسا بالميول الأيديولوجية للمقيم في قصر الإليزيه أم لا، فالثابت أن تعاقب الأدوار بين الاشتراكيين واليمين والوسط الفرنسيين ينعكس دائماً على محور العلاقات وبلدان الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.
لكن الجزائريين الذين كانوا يبدون قلقاً حيال السياسة الفرنسية الداعمة للرباط في قضية الصحراء والشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، أدركوا أن الانفتاح على فرنسا لا بديل منه، وأن حاجة الفرنسيين إلى بوابة أفريقية أقرب إلى الجوار الليبي والامتداد الساحلي، لا يمكن تعويضها بغير تجاهل الخلافات التاريخية القديمة وفتح صفحة جديدة تبدو كل الطرق مؤدية إلى نثر إيجابياتها ثنائياً وإقليمياً.
لا يقتصر الأمر على السياسة الفرنسية فحسب، لكن خلافات المغرب والجزائر تزيد انتعاشاً كلما لقيت ميولاً متطابقة في الإليزيه مع هذا الطرف أو ذاك. وبعد أن كان تحريك المياه الراكدة في نهر السين رهن الإلقاء بحجر في ملف العلاقات الفرنسية – الجزائرية، بات أثر الأزمة يتمدد في اتجاه المغرب الذي كان ينظر إليه على أنه الحصن الأخير للتوازنات الفرنسية نحو أفريقيا.
لم يسبق للحساسيات أن تعاظمت بهذا الشكل. فالاشتراكيون في الإليزيه، وتحديداً على عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران فتحوا خزائن الموارد والاستثمارات أمام المغاربة لمواجهة آثار الجفاف وانحباس الأمطار. لكن رفاقهم الجدد بقيادة الرئيس فرانسوا هولاند لم يفعلوا شيئاً تجاه الحليف القديم، حتى حين أعلن مناطق في البلاد منكوبة جراء الفيضانات.
كان الجنرال الفرنسي هوبير ليوط يردد أن المغرب «تحكمه الأمطار»، في إشارة إلى الأثر الإيجابي لعطاء السماء في بلد زراعي بالدرجة الأولى، ولم يدر في خلده أنه بعد رحيل الاستعمار الفرنسي ستواجه المنتوجات الزراعية الآتية من المغرب صعوبات ومنافسة داخل الفضاء الأوروبي. ولم تسعفه الطبيعة في رؤية ما تفعله حين تغضب، أو ما تفعله السياسة عندما يقع سوء الفهم.
بيد أن «ديبلوماسية الكوارث الطبيعية» التي كانت تكسر جبل الجليد في الخلافات الجزائرية – المغربية، تراجعت بدورها إلى الخلف، لأن أزمة البلدين الجارين شبت عن طوق السيطرة. في زمن آخر فطن البلدان إلى أن غزو جحافل الجراد أكثر خطورة من القطيعة الديبلوماسية، واضطلعت عواصم عربية وأوروبية، بينها باريس، بمساعدة الجارين على التصدي لظاهرة الشقاق الأكثر أذى من غضب الطبيعة، فكان الانفراج عابراً مثل سحابة صيف.
أما اليوم وقد هبت رياح المصالحات العربية، فما من طرف يكلف نفسه عناء احتساب خسائر عدم الانفراج. وليس مثل باريس أكثر ارتياحاً في ضبط إيقاع التوازنات الجديدة، بعد أن كانت لعبت دوراً إيجابياً للحؤول دون تدهور علاقات الجارين. وإذ تبدو اليوم سيدة ميدانها التقليدي في الإمساك بخيوط التنافر والتباعد بين أصدقائها وحلفائها القدامى والجدد في الشمال الأفريقي، يتوارى السؤال عن مبدأ التوازن في المعادلة الفرنسية.

*كاتب صحفي/”الحياة”