الرئيسية / وجهات نظر / ماذا يحدث داخل خيمة الأحزاب الإسلامية الجزائرية
OMAR AZRAJE

ماذا يحدث داخل خيمة الأحزاب الإسلامية الجزائرية

تشتعل في هذه الأيام حرب داحس والغبراء بين زعماء الأحزاب الإسلامية الكبرى بسبب تباين مواقفها تجاه المبادرة التي تقدم بها أقدم حزب في الجزائر المستقلة وهو حزب جبهة القوى الاشتراكية.
تتمثل هذه المبادرة التي يتزعمها ويرافع عنها هذا الحزب، من حيث الجوهر وحسب ما أعلنت عنه قيادته أمام الرأي العام الوطني، في الدعوة رسميا إلى إقامة حوار مزدوج مع أحزاب المعارضة من جهة، ومع السلطة الحاكمة من جهة أخرى، من أجل “إعادة بناء الإجماع الوطني” للخروج بالبلاد من الانسداد السياسي، خاصة بعد انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للمرة الرابعة دون موافقة كافة التيارات السياسية الجزائرية المعارضة.
الخلاف الناشب بين أقطاب الأحزاب الإسلامية حول مبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية يلخص أسبابه لخضر بن خلاَف النائب البرلماني والعضو القيادي في الحزب الإسلامي “جبهة العدالة والتنمية”، في جوابه على سؤال صحفي بجريدة الخبر الجزائرية محمد سيدمو: “لماذا تتحفظون كإسلاميين تؤمنون بالحوار على مبادرة الإجماع الوطني التي يطرحها حزب القوى الاشتراكية”؟ الذي قال فيه بوضوح: “الأمر لا يتعلق بالإسلاميين تحديدا، فكل المعارضة المسؤولة تقف موقف الرفض لمبادرة الأفافاس (جبهة القوى الاشتراكية)”، وفي السياق ذاته يبرز بن خلاف أن هذا الرفض مبني على أساس أن “مبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية تنطلق من الاعتراف بشرعية النظام والثقة فيه وهذا هو جوهر الخلاف بيننا”.
ينبغي التذكير بأن حزب جبهة العدالة والتنمية الذي يتحدث باسمه لخضر بن خلاف يشاركه في الموقف عدد من الأحزاب الإسلامية منها، حزب “حمس” الذي يرأسه عبدالله جاب الله، وحزب “النهضة” برئاسة محمد ذويبي، فضلا عن عناصر من حزب جبهة الإنقاذ المنحل رسميا، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وتكتل “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي”.
وبالمقابل فإن العضو القيادي البارز في حزب حركة حماس الإسلامي ورئيسه سابقا أبا جرة سلطاني، ورئيس حزب جبهة التغيير الإسلامي عبدالمجيد مناصرة، يريان أن مبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية جديرة بالالتفاف حولها ومنحها الفرصة.
كيف يمكن قراءة تشظي الأحزاب الإسلامية الجزائرية وتعددها، وكذا انقسام القيادات الإسلامية، تجاه مبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية الذي يتهم من طرف جزء كبير من المعارضة الإسلامية، والعلمانية والوطنية بأنه غير مواقفه إزاء النظام الحاكم، وأنه يعمل بطرق ملتوية لتحقيق مصالحه وفق منطق النظام الحاكم الذي يراوغ من أجل نفخ الحياة في جسده المتآكل وخاصة بعد تشكل ما يسمى في الجزائر بجبهة “قوى التغيير” التي توصف بدورها بأنها أشبه بسفينة نوح جرّاء تباين المصالح السياسيـة للعناصر المكوَنة لها سـواء كأفراد أو كأحزاب، فضلا عن احتواء هذه الجبهة على شخصيـات فاقـدة للمصداقية بسبب كونها جزءا عضويا من بنية النظام الديكتاتوري الحاكم الذي أوصل البلاد إلى الغرق في الأزمات المركبة ماضيا وراهنا؟
واضح أن هذا التباين في المواقف تجاه مبادرة جبهة القوى الاشتراكية هو مجرد عرض يخفي في طياته انعدام التوافق بين الأحزاب الإسلامية الجزائرية، ولهذا ينبغي تحليل جوهر المشكل الذي أفرز هذا العرض.
يمكن قراءة التشظي السياسي للأحزاب الإسلامية الجزائرية، بما في ذلك تشظي الشخصيات الإسلامية المستقلة التي لا تنضوي تحت مظلة أي حزب من هذه الأحزاب، قراءات متعددة للكشف عن العوامل الحقيقية التي ما فتئت تغذي التباينات فيما بينها، رغم أن الأحزاب الإسلامية الجزائرية تنتمي، دينيا، إلى المذهب المالكي السني المنفصل عن السنة والشيعة- باستثناء بعض العناصر المتمثلة في الشخصيات المعارضة القليلة المنتمية إلى الأقليـة المشكلة للمذهب الأباضي في منطقة محدودة جيوسياسيا، وتأثيرا دينيا، وثقلا بشريا وهي منطقة وادي مزاب (وعاصمتها غرداية) الجزائرية- مثل المعارض حاليا ورئيس وزراء الجزائر سابقا أحمد بن بيتور. في هذا السياق ينبغي تسجيل أن العامل الديني المذهبي، ليس المحرك الوحيد للأحزاب الإسلامية الجزائرية.
إن التصدعات التي تحدث بين بعض الشخصيات الإسلامية من جهة، وبين الأحزاب الإسلامية الجزائرية من جهة أخرى لا ينبغي أن تفسر على أساس تناقض المرجعيات المذهبية الدينية بسبب انعدامها كشرط ديني طائفي تاريخي متعدد ومتناقض، وإنما يجب أن تؤول وأن تفهم على أساس سباق الزعامات، وعلى أساس الصراع الحزبي الذي يتسم بعدم الاستقرار في ما يخص الولاء للنظام الحاكم أو عدم الولاء له.
وفي الحقيقة فإن الأحزاب الإسلامية الجزائرية على تنوع ألوانها الخارجية وكذلك الشخصيات السياسية التي تلبس عباءة الإسلام، تشترك جوهريا مع النظام الحاكم ومع الأحزاب الكبيرة الموالية جهرا له، مثل حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في الانتماء إلى الأيديولوجيا الرأسمالية الاستغلالية المستوردة من الخارج.
أما حزب العمال التروتسكي التوجه، والأحزاب اليسارية الصغيرة فلا تملك، بدورها، بنية أيديولوجية واضحة ومبدئية مؤسسة على برنامج متكامل تدافع عنه، وفضلا عن ذلك فإن قاعدتها الشعبية ضعيفة جدا، كما أنها لا تشكل تيارا موحدا له خصوصية نابعة من الجذور الثقافية والاجتماعية الوطنية تمكنها من الاستقطاب الجماهيري على مستوى الجزائر العميقة.
إلى جانب ما تقدم فإنـه يلاحـظ أن الأحزاب الإسلامية كثيرة العدد لا تزال تعاني من التمزق جراء فشلها الذريع، منذ قضاء النظام على جبهة الإنقاذ الإسلامية التي كانـت مظلة جامعة للإسلام السياسي الجزائري، في إيجاد صيغ جديدة ومتطورة للنضال الاجتمـاعي الميـداني الملتزم والمسؤول، وفي عدم تمكنها من بلورة ثقافة سياسية حداثية مؤسسة على الفكـر التنويـري المؤمن بالاختلاف، وعلى العقلانية المنظمة للمجتمع في كافة الميادين، وزيادة على هذا فإن هذه الأحزاب الإسلامية المبعثرة لم تنزل إلى الميدان للمساهمة، عمليا، في الإقلاع الاقتصادي والتعليمي والثقافي والاجتماعي على أساس برنامج خاص بها يمكَن الشعب الجزائري من تجاوز الركود والهمود اللذين كرسهما النظام الحاكم على مدى سنوات طويلة.
وفضلا عن هذا النقص الكبير، فإن الأحزاب الإسلامية لم تواصل تطوير مشروع “الإصلاح” وتعميقه الذي رسمت معالمه الأولية جمعية العلماء المسلمين الجزائرية بقيادة الإمام عبدالحميد بن باديس، كما أنها لم تسترشد بالبرنامج الفكري الثري الذي نجد بذور منطلقاته في كتابات المفكرين الإسلاميين الجزائريين المتنورين مالك بن نبي ومحمد أركون. غياب البنيـة الفكريـة الحداثية المتطورة لدى الأحزاب الإسلاميـة الجزائرية أدى بها إلى أن تكون أشبه بكيانات دون سند فكري حديث في مضامينه وأشكاله.
جراء كل هذه النقـائص لم تتمكن هذه الأحزاب من توحيد نفسها في حزب واحد، أو في إطار تكتل ينسق مواقفها ويوجه بوصلتها الفكرية وسلوكها السياسي ضمن إطار مبادئ الثقافة الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان والحريات وتداول الحكم في إطار القانون.
وزيادة على هذا فإن تورط بعض الأحزاب الإسلامية الكبيرة مع النظام الحاكم عندما انضمت إليه سابقا، في صورة التكتل المدعو بالتحالف الرئاسي الذي بموجبه أسندت حقائب وزارية إلى بعض شخصياتها مثل أبي جرة سلطاني، وعبدالمجيد مناصرة، قد أدى بها إلى فقدان صفة المعارضة الحقيقية.
هذه النقائص مجتمعة لعبت دورا محوريا في تجريد الأحزاب الإسلامية من المصداقية ومن الرأسمال الشعبي اللذين يشكلان الضمانة الوحيدة للنجاح في العمل الحزبي السياسي القادر على زحزحة النظام الحاكم، وعلى إحداث التغيير في كافة البنيات المادية والرمزية داخل نسيج المجتمع الجزائري.

*كاتب جزائري/”العرب”