الرئيسية / وجهات نظر / انتخابات تونس: الثورة لم تبعد بن علي و”الإسلام هو الحل” شعار فارغ
kawass

انتخابات تونس: الثورة لم تبعد بن علي و”الإسلام هو الحل” شعار فارغ

من عرف تونس في عهد زين العابدين بن علي، سيكتشفُ بسهولة كم تغيّر البلد ومواطنوه. لكنه سيكتشفُ أيضاً أن التغيير ليس جذرياً انقلابياً على ما توحي به الثورات. يتعايشُ التونسيون مع الأمر الواقع الجديد وكأنه حدثٌ هبط عليهم، حيث لا ناقة لهم ولا جمل. يحدثك من يقول: الثورة جاءتنا بالحرية، لكنها حرمتنا الأمن والاستقرار والنمو. لا يذهب التبرم إلى حد الحنين إلى عهد بن علي، ولا إلى التبرؤ من “ثورة الياسمين”، لكن كثيراً من الآراء تنزع القدسية الطهرانية عن الثورة البوعزيزية، تعجلاً لطيّ الصفحة والانتقال إلى مرحلة أخرى.
يشعرُ الزائر بنسبية الأشياء في هذا البلد. لا شيء مطلق، لا شيء محرّم، حتى الثورة نفسها لا تُحمّل أكثر مما يجب. انفجر الشارع في “14 جانفي”، لكن تلك الهبّة، على أهميتها وتاريخيتها، ليست وحدها من أطاحت بالنظام السابق، وليست وحدها من أبعدت زين العابدين بن علي عن البلاد. يتحدثُ التونسيون عن “شيء ما” حصل في قصر قرطاج أجبر الرئيس على مغادرة القصر والحكم والبلد. غموض ما زال يكتنف تلك الساعات حدثني عنه الشيخ عبد الفتاح مورو، الرجل الثاني في حركة النهضة. وحين أسأله لماذا، وأنتم من حكم بعد الثورة، لم تكتشفوا، وتكشفوا، أسرار هذا الغموض؟ يجيبُ بلغةِ تنصّلٍ أفهم منها أن المهم أنه رحل.
يهمسُ التونسيون رواياتٍ عن دور علي السرياطي، مدير الأمن الرئاسي في عهد بن علي، ودور رشيد عمّار رئيس أركان الجيش التونسي، لكنهم متأكدون أن تدخلاً كبيراً على مستوى الصفوة السياسية المحلية تواطأت، ربما، مع جهات إقليمية ودولية لإزاحة الرجل.
يلفتك كم تعاقبت وجوهٌ وتيارات وحكومات منذ الثورة، وكم وأد الجميع حدثاً جللاً من هذا النوع. ربما ذلك يفسر انحسار البوْن ما بين وجوه العهد البائد، والعهد المستجد، إلى درجة أن “رجال بن علي”، أو هكذا يطلق عليهم، عادوا بقوة إلى المشهد السياسي متدثّرين بالبورقيبية. يترجلُ “الدستوريون” متفرّقين على تشكيلات سياسية متعددة. كمال مرجان ومنذر الزنايدي وعبد الرحيم الزواري، كلها وجوه تبوّأت مراكز عليا في دولة بن علي. يطلُّ الدستوريون متّكئين على زاد بورقيبي عتيق أسس تونس ما بعد الاستقلال، وتجذّر في بنيانها راصّا تربة ما يُعرف بتونس العميقة.
هي تلك البورقيبية، المتمثّلة في الإدارة التونسية، من أنقذ تونس من انحرافات الثوار. يجمعُ التونسيون على ذلك. بقيت الإدارة يقظةً تعمل دون توقف ولا كلل. لم تنقطع الكهرباء، ولم تتعطل البنى التحتية، ولا توقفت أعمال الجباية. هذه هي البورقيبية التي يحدّثني عنها عبد الرحيم الزواري. يداري الرجل دوره في وزارات، وعلى رأس حزب، بن علي: “نفخر بإنجازات المرحلة السابقة ونقرُّ بأخطائها”. وعليه تُطوَى الصفحة سريعا،ً ليتم، بخبث، التدليل على فشل حكومات الثورة لإبراز فعالية ونجاعة خيارات أصحاب الخبرة القادمين من دفاتر النظام القديم.
تأتي الأسماء “الدستورية” لتضاف إلى الباجي قايد السبسي القادم من “الأرشيف”، على ما يغمزُ بعض الخصوم، وعلى ما يلمح حتى بعض المقربين. لسان حال “الكتائب” البورقيبية إشهار العداء للإسلام السياسي وحركة النهضة، ذلك أنهما ظاهرة لا تشبه تونس، ولا تشبه التونسيين، وهو أمر يشاركهم فيه العلمانيون واليساريون والقوميون والمستقلون. في ذلك يسعى حمّة الهمامي زعيم الجبهة الشعبية، ذلك التجمع اليساري الذي استهدفه الإرهاب الأصولي في تونس، وفي ذلك يقدّم اليسار نفسه بديلاً لعهد زائل وبديلاً للإسلاميين. على أن جهد اليساريين على ما يهمس المراقبون يجرُّ الماء إلى طاحونة خصوم النهضة الآخرين، فيما تلحظ في “نداء تونس” (حزب السبسي) من يتأمّل سحاباً يمر وخراجه عندهم.

تخوض “النهضة” معركة جديدة بعيدة عن تلك التي خيضت عام 2011 (انتخابات المجلس التأسيسي). قطف أصحاب الشيخ راشد الغنوشي آنذاك اندفاعة الثوار ومقت العهد الراحل، تماماً كما حصل الأمر مع “الإخوان” في مصر. انتهى حلم “النهضة” بحكم واسع مريح، ذلك أن التونسيين لم يقبلوا بالإسلام السياسي بديلاً وحيداً، كما أن “السيسيّة” في مصر أرخت بظلال ثقيلة على طموحات النهضويين. أدرك الغنوشي تلك الحقائق فسحب حزبه من الحكم، وراح يتراجع نحو خطاب انفتاحي لا يروم حكماً ويسعى إلى مشاركة، فيما الشيخ مورو نائبه على رأس الحزب يعلن أن شعار “الإسلام هو الحل” شعار فارغ.
في هذا الإطار يعتبر المفكر التونسي يوسف الصدّيق أن موقف النهضة الجديد تكتيكي مؤقت. يقول لي أن التونسيين قاوموا النهضة لأنها لا تؤمن بالوطن التونسي، وأن تونس بالنسبة لها تفصيل في المشروع الأشمل. يذهب الصدّيق أبعد من ذلك، يقول أن مشروع “داعش” المتطرف لا بد أنه سيلتقي يوماً مع مشاريع ما يسمى “الإسلام المعتدل”، سواء بالطبعة الإخوانية عامة، أو بطبعة حركة النهضة في تونس.
تحصدُ غلال الانتخابات كل التيارات السياسية. تونس الجديدة تتيح لأي تونسي أن يتجرأ على توسّل السبيل إلى قصر قرطاج. 27 مرشحاً للرئاسة، منهم من يُعتبرُ من الأوزان الثقيلة أو ينتمي إلى أحزاب كبرى، ومنهم من هو مستقل (أو هكذا يقال). أسأل محرز بوصيان القادم من سلك القانون والقضاء، ما الرابط بين رئاسته الحالية للجنة الأولمبية ورئاسة الجمهورية؟ يقول بأن لمسيرة النجاح الفردية ثوابت تأهيل لرئاسة البلاد. وكيف تموّل حملات المرشحين المستقلين؟ بالقدرات الذاتية، يجيبني ياسين الشنوفي، القادم من السلك العسكري مروراً بدُنيا المال والأعمال، فيما علي الشورابي القادم من سلك القضاء، يغامر معتمداً على جهد المقربين بميزانية متواضعة منتظراً أن “يصفّي” الكبار أنفسهم بأنفسهم، فيتركوا للمستقلين أمل احتلال المنبر الرئاسي.
يستعجلُ التونسيون القفز نحو مرحلة أخرى، وقد ينظرون إلى الانتخابات بصفتها تلك الرافعة المتوخاة. لكن يُقلق المراقب هذا الإغفال الكبير لقضايا المنطقة، كما هذا التباين، المتعجل أحياناً، في قضايا تتعلق بشؤون المحيط. الموقف من سوريا مثلاً (البلد الذي يمثّل حدثاً تونسياً بسبب تواجد الجهاديين التونسيين) تشوبه كيدية محلية، وأحياناً أيديولوجية طفولية، لا علاقة لها بتعقّد ما يحصل في المشرق. ثم أن السياسيين مستغرقين بمحلية تونسية مهملين أية مقاربة للبركان الليبي المتفجر على حدودهم مثلاً، ويدّعون الخروج بحلول خلاقة لمشاكل البلاد، غير آخذين بعين واعية لمستجدات المحيط.
في ذلك أن على تونس أن تدرك يوماً، وهذا قريب، أن عليها تصدير “استثنائيتها” إلى دول الجوار، وبالتالي لن يطول الوقت الذي سيبتعد فيه الساسة عن مقاربة البلد من صحنه، والانتقال للإطلال من شرفاته.
صحافي وكاتب سياسي لبناني*/ “العرب”