الرئيسية / وجهات نظر / اقتصاد المغرب : توازن وقفزات متوقعة
اقتصاد المغرب

اقتصاد المغرب : توازن وقفزات متوقعة

توحي المؤشرات المتوقعة عن الفصل الأول من 2016، إلى أن اقتصاد المغرب هو بمنأى من أخطار جدية كالتي تغوص فيها بقية الدول المغاربية كتونس والجزائر وليبيا، كل وفق ظروفه المحيطة، سواء لناحية العائدات وما يليها من صعوبات اجتماعية تنعكس في شكل ملحوظ على مستوى معيشة المواطنين، أم لناحية التهديدات الأمنية المتزايدة على رغم محاولات التصدي لها أو على الأقل، احتواء تبعاتها كما يحدث في تونس حالياً.
في ظل هذه «الخالوطة» كما يقال في منطقة المغرب العربي، وحده المغرب استطاع حتى هذه اللحظة ليس فقط تحقيق مستوى نمو معقول ولو كان أقل من التوقعات لعام 2016 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي أي بنحو 3.7 في المئة. وحققت المملكة قفزات نوعية مهمة، خصوصاً على مستوى الاستثمارات الضخمة وتحديداً في قطاعات الطاقة المتجددة، والاختراقات الملفتة للقارة الأفريقية، وجذب الاستثمارات الخارجية، وفتح أسواق جديدة كبيرة كالسوق الروسية والصينية والأميركية اللاتينية. هذه العناصر التي دعمت الاقتصاد المغربي على رغم أن أداء الموسم الزراعي الذي يعتبر أحد أكبر أعمدة مكونات اقتصاد البلد، تراجع بسبب الجفاف الذي اتسمت به الأشهر الأخيرة.
وتُعتبر المشاريع العملاقة التي انخرط فيها المغرب في مجال الطاقة المتجددة والنظيفة والاستثمارات الضخمة التي خصصها لها من جهة، رهاناً على المستقبل، ومن ناحية ثانية استحداث بدائل للعائدات التقليدية التي يمكن أن تتأثر لسبب أو لآخر، مثل تحويلات العمال المغاربة العاملين في الخارج تحديداً في منطقة اليورو التي لا تزال ترزح تحت التباطؤ الاقتصادي وتراجع النمو، وصادرات الفوسفات التي قد تتأثر بظروف دولية على رغم الاستثمارات الهائلة التي ضخت فيها في السنتين الماضيتين. وثمة ترقب لمفاجآت على مستوى القطاع الزراعي بسبب القرارات المتسرعة التي يتخذها الاتحاد الأوروبي تحت ضغوط من أعضاء فيه.

إقرأ أيضا: الاقتصاد المغربي يسجل ارتفاعا ملحوظا في نسبة النمو

ومن أبرز الخطوات في هذا المجال كان افتتاح المحطة التي يمكن أن تصبح مع الوقت الأكبر في العالم لإنتاج الطاقة الشمسية، ففي المنطقة التي بُنيت فيها هذه المحطة العملاقة على أبواب الصحراء في منطقة ورزازات في الجنوب، تنتشر الآن 50 ألف مرآة على مساحة تزيد عن 500 هكتار، فالحرارة يمكن أن تصل بعدها إلى أكثر من 400 درجة، ما يسمح للمياه بالتبخر وبالتالي تغذية التوربينات الكهربائية، فالمحطة التي تعمد الملك محمد السادس افتتاحها شخصياً وأطلق عليها تسمية «نور1» تنتج حالياً 160 ميغاوات، تضع المغرب في الصف السابع عالمياً بين أضخم محطات الطاقة الشمسية في العالم. وفي العام المقبل سيوسعها المغرب من خلال محطتين أخريين، «نور2» ونور3»، اللتين ستدخلان الخدمة فوراً، وذلك وفق الشركة السعودية «أكوا» المكلفة التنسيق في بناء هذه المنشآت. ومن الآن وحتى 2020، سيشكل موقع ورزازات رأس الحربة لمشروع نور الذي يستهدف إنتاج 2000 ميغاوات موزعة على 5 محطات. هذه القفزة النوعية دفعت بالمعنيين في هذا المجال بتكليف المغرب بتنظيم قمة المناخ «COP 22» نهاية 2016. وبلغت كلفة هذا المجمع 2.4 بليون يورو. أما من ناحية الفائدة الاقتصادية للمغرب فالمشروع بالنسبة إلى البلد الذي لا يملك النفط والغاز مثل جيرانه الجزائر وليبيا، سيغطي جزءاً مهماً من احتياجات الكهرباء ويصدر المتبقي، مستفيداً من تراجع فاتورته النفطية.

وأعلن المغرب في 15 آذار (مارس) مشروعاً مهماً أيضاً، لكنه يتركز على توليد الطاقة النظيفة من الرياح. ويؤكد المراقبون أن المغرب أصبح نموذجاً متقدماً لمدى الالتزام بخطط خفض الانبعاثات في العالم. وينفذ هذا المشروع ائتلاف مكون من ثلاث شركات هي «تاريفا هولدينغ» المغربية، و «إينيل غرين باور» الإيطالية و «سيمينز ويند باور» الألمانية. ويشمل المشروع خمس محطات موزعة في الجنوب تبلغ طاقتها الإجمالية 650 ميغاوات. فمن خلال استخدام التكنولوجيا المتطورة لإنتاج الكهرباء، سواء عبر الطاقة الشمسية أو الرياح، سيحصل المغاربة على أسعار جيدة وتنافسية، إضافة إلى أن الكهرباء ستغذي أكثر من مليون مسكن في المناطق النائية وتوجِد عشرات آلاف فرص العمل في المرحلة الأولى.
أما الذي تنوي المملكة القيام به من خلال جعل الطاقات النظيفة والمتجددة بديلاً استراتيجياً ثابتاً لعائداتها ولمواجهة كل الاحتمالات المفاجئة والسلبية، فهو تكملة حلقة هذه المشاريع عبر ضخ 17 بليون دولار من خلال استثمارات محلية وأجنبية وحكومية في منطقة الصحراء الغربية، ما سيضاعف الدخل الفردي في وسط البلاد وشرقها، كما يعزز عملية التنمية الجارية ويحقق توازناً في تركيبة الاقتصاد وقفزات تحافظ على وتيرة معدلات التنمية مستقبلاً.

مدير مؤسسة «ساغا» للاستشارات الاقتصادية – باريس/”الحياة”