الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: تفاعلات تفجير ترهونة
أحمد إبراهيم الفقيه

ليبيا: تفاعلات تفجير ترهونة

التفجير الإرهابي في ترهونة الذي قامت به داعش، واستهدف كلية لتدريب خفر السواحل، وأسفر عن أكبر خسائر حصلت في الأرواح منذ أن بدأت داعش الإعلان عن عملياتها الإرهابية فوق التراب الليبي، شكل صدمة كبيرة لأهل البلاد، وهز ضمير ووجدان الليبيين بمثل ما لم يفعل أي حادث آخر في السنوات الأخيرة، كما هز الضمير العالمي واستقطب صرخات التنديد والاستنكار من أطراف في الشرق والغرب، لبشاعته ولسقوط أكثر من ستين قتيلا ومئة جريح من شباب في مقتبل العمر، أثناء احتفالهم بتخرجهم واستلام شهادات إتمام الدراسة، فكان يوم استلام أهلهم شهادات وفاتهم، وكانوا يستعدون للانخراط في عمل وطني إنساني هو خفر السواحل، الذي ارتبطت مشاغله في الأعوام الأخيرة بعمليات إنقاذ قوارب الهجرة غير الشرعية ومنع حصول حالات الغرق، ليصبح مصيرهم أشلاء على يد انتحاري داعشي إرهابي، من أهل التشوّهات النفسية والجنون الإجرامي.
وقد أصدر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، بيانا يتباهى فيه بما فعل، ويتبنى الحادث، ويقول بطريقة مضمرة، إن يده الطويلة قادرة على الوصول إلى فلذات أكبادكم أيها الليبيون، أينما كانوا وتستطيع أن تضرب حيث تشاء.
وهذه اليد الإبليسية الطويلة، هي ما صار يشغل الشعب الليبي اليوم، ولعلها تشغل قوى دولية أخرى كثيرة، من أجل قطعها وإيقاف إرهابها الأسود الأعمى الذي ينال الأبرياء ويعبث بالقيم الإنسانية ومكتسبات الدين والحضارة.
وفي حين تخلّف رموز الحراك السياسي القيادي في داخل البلاد عن الوصول إلى موقع الحادث، ومشاركة أهل ترهونة أحزانهم والتقدم لمواساتهم في مصابهم الجلل، كان عملا نبيلا وشجاعا أن يتحرك المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطنية، برئاسة فايز السراج من تونس ويتحدى المخاطر والتهديدات ويركب الطائرة إلى مطار مصراتة، متجها إلى حيث مأتم الضحايا في ترهونة ليقدم إلى أهاليهم العزاء، متعهدا بالقصاص والانتقام لهؤلاء الشهداء والسعي الحثيث إلى قطع دابر الإرهاب واستئصاله من البلاد.
بادرة أولى تقوم بها رئاسة الحكومة التي تنتظر اكتمال تشكيلها وإنهاء إجراءات المصادقة عليها، أجمع الليبيون على مباركتها واعتبارها خطوة أولى على طريق استهلال حكومة الوحدة الوطنية لأعمالها ومباشرتها لمسؤولياتها، وفتح الملفات الكثيرة التي تنتظرها لتعمل على إنجازها خلال الفترة الممنوحة لها لإدارة البلاد، حسب ما تقضي به اتفاقيات المصالحة، وهي مدة عام قابلة للتجديد إلى عام آخر بحد أقصى، تكون خلاله قد التزمت بتنفيذ خارطة الطريق لإتمام بناء الدولة، وهي إقرار الدستور الدائم عبر الاستفتاء الشعبي وانتخاب مجلس النواب وانتخاب رئيس البلاد إذا استقر الرأي على النظام الجمهوري.

إقرأ أيضا: ليبيا: ثلاثة زوارق تشن هجوما على ميناء الزوتينة النفطي

وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية قد حدد في أول بيان أذاعه على الشعب أولويات المرحلة الانتقالية التي يقودها في ثلاثة ملفات، أولها الملف الأمني، الذي يتصل بإنهاء فوضى انتشار السلاح وحسم الموقف من الإرهاب والتمكين لمؤسستيْ الأمن والجيش ثم القضاء لممارسة أعمالهم. والملف الثاني هو الملف الاقتصادي والخدمي الذي يعيد دواليب العمل في البلاد إلى سابق عهدها، وإرجاع المستوى المعيشي لأهل البلاد وفق ما يؤمّن لهم حياتهم ويوفر لهم احتياجاتهم الضرورية. ثم الملف الثالث وهو المصالحة الوطنية بكل ما تعنيه من إعادة المهجرين وتوفير الأمن لهم دون اجتراء ولا انتهاكات لحقوق الإنسان ولا تعامل انتقاميا عشوائيا من قبل الجماعات المسلحة التي يجب أن يتم وضعها تحت السيطرة ولا تعمل إلا في إطار الدولة والقانون.
إلا أن كل هذه البرامج والمهمات والملفات التي تنتظر الحكومة حتى بعد إتمام تشكيلها والمصادقة عليها داخل البرلمان، تبقى معلّقة لا تصل إلى مرحلة الإنجاز والتنفيذ دون خطوة أساسية هي وصول الحكومة إلى العاصمة وتأمين مقر لها داخل طرابلس، لكي تبسط نفوذها باعتبارها السلطة التنفيذية الوحيدة المعتمدة في البلاد، وانتهاء أي سلطة لحكومة سواها في بلد إحدى آفاته الموجودة حتى الآن هي تعدد السلطات والحكومات والمجالس التي تدعي التشريع وإصدار الأحكام والقوانين.
وهذه الخطوة هي التي يجب أن تنصرف لها الأذهان وتُحشد لها الإمكانيات وتتضافر الجهود، محلية وإقليمية ودولية، لتحقيقها، وعلى رأسها جهد الهيئة الأممية بالتعاون مع الحراك السياسي الشرعي في البلاد، للتهيئة وتمهيد الطريق أمام هذه الحكومة للوصول إلى العاصمة، وتعطيل وإفشال محاولات بعض المتنطعين لعرقلتها، وهم قلة ضئيلة لا فعالية ولا حساب لها، لأن أغلبية الشعب الليبي مع الاستقرار والأمان وإنهاء حالة الفوضى، وكلها قضايا تتوقف على حكومة الوحدة الوطنية ومباشرتها لأعمالها، وهذه القلة التي ارتفع صوتها بالمعارضة للحكومة اعتمادا على عصابة مسلحة تأتمر بأمرها، يجب إيقافها عند حدها وتجريدها من سلاحها ومطاردة عناصرها. واستغرب أن أسمع في الإعلام شخصا يظهر بصوته وصورته يقول إنه سيتصدى للحكومة بالسلاح لو دخلت طرابلس، ثم يبقى دون عقاب ولا تطبيق لما تنص عليه قرارات مجلس الأمن في الشأن الليبي التي تقول بعقاب معرقلي المسار الديمقراطي السلمي وإحالة اسمه وأسماء أمثاله إلى محكمة الجنايات الدولية واستصدار مذكرات قبض بشأنهم.
نعم لتأمين العاصمة وتمكين حكومة الوحدة الوطنية عبر جهد عسكري وطني، وربما تقتضي الحالة وتفرض هذه المرحلة الاستعانة بقوة محدودة من القبعات الزرقاء يحملون علم الأمم المتحدة ويمارسون مهمتهم باسمها، في حفظ السلام وضمان سلامة وأمن الحكومة الجديدة كي تؤدي واجبها في إدارة البلاد.

كاتب ليبي/”العرب”