الرئيسية / وجهات نظر / الاسپان يواجهون احتمال حكومة الضرورة لتجنب الأزمات؟
MOHAMED BOUKHEZAR

الاسپان يواجهون احتمال حكومة الضرورة لتجنب الأزمات؟

أمضى الاسبان جزءا من ليلتهم، بعد ان آووا الى الفراش، يضربون اخماسا في اسداس، وهم يقلبون كافة احتمالات تشكيل حكومة جديدة، عقب الانتخابات التشريعية التي افرزت خارطة سياسية مختلفة عن ما تعودوا عليه، توقعتها اغلب استطلاعات الرأي التي أنجزت على مدى أشهر.
ويتميز الوضع الجديد، بتعدد الكتل البرلمانية التي ستؤثر بوزنها بل ستتحكم في صورة الحكومة المقبلة، كيفما كانت طبيعة التحالفات التي ستتشكل لإخراجها الى حيز الوجود.
ولن تؤثر عملية جمع وطرح اعداد النواب وحدها في بنية الجهاز التنفيذي ومدى تماسكه، وانما بالأساس في قدرة الاحزاب الرئيسة الاربعة الفائزة باكبر حصص، وهي: الحزب الشعبي المنتهية ولايته (123 مقعدا) يليه الحزب الاشتراكي العمالي (90نائبا) فيما حصل حزب “پوديموس” وحلفائه اليساريين على 69 مقعدا؛ اما، ثيودادانوس، فقد وقف عند حاجز الاربعين مقعدا، في حين توزعت باقي المقاعد بين الاحزاب الصغيرة والاقليمية، مع تسجيل ان “اليسار الموحد” هوى الى القاع بحصوله على مقعدين فقط.
وباستعراض مجمل تحليلات، ما قبل ليلة العشرين من ديسمبر، تبدو التباعدات كثيرة، وشقة الخلاف كبيرة، بين الاحزاب الاربعة وقياداتها، وبالتالي يصعب توحيدهم على مرجعية الحد الادنى وخاصة وان بعضهم اشترط اشتراطات قد تبدو تعجيزية، للدخول الى اية حكومة.
وعلى سبيل المثال فان حزب، پوديموس، المنتشي بانتصاره، لا يرى تراجعا او تأجيلا لصدور قانون جديد للانتخابات واستقلال القضاء والاقرار بالحقوق الاجتماعية، الى جانب اجراءات تشريعية رادعة ضد الفساد وكذا ما يسميه الحزب الوافد ب ” الحق في التقرير” وهو التعبير المهذب لاستفتاء تقرير المصير، سواء في كاتالونيا او غيرها من الاقاليم الراغبة في الاستقلال عن المملكة الاسبانية.
وهذه المطالب والاشتراطات، مجتمعة او مفصلة، تعني امرا اساسيا لا مفر منه هو تعديل الدستور، الذي تميل اليه اغلب القوى الحزبية، باستثناء الحزب الشعبي، الأقل حماسة، خشية مخاوفه من تقسيم البلاد، لكنه وامام تراجعه الانتخابي، صار مجبرا على تليين موقفه بتقديم التنازلات الممكنة.
ومن المفارقات ان اقليم كاتالونيا، الذي دخل منذ شهر سبتمبر الماضي في نفق العصيان السياسي ضد الحكومة المركزية واعلان الانفصال من جانب واحد. هذا الاقليم المزعج تاريخيا للدولة الاسبانية الموحدة، هو الاخر بدون حكومة. وهذا في حد ذاته مشكل إضافي، سيلقي بظلاله على المشاورات بين الاحزاب لجمع اغلبية برلمانية.
وفي هذا الصدد، يجب التذكير بان حزب، پوديموس، يعارض كليا اسلوب التعاطي الذي نهجته الحكومة المنتهية ولايتها،بخصوص معالجتها للازمة السياسية في الاقليم الراغب في الاستقلال عن تاج المملكة الاسبانية.
واذا ما تشبث حزب، پابلو إيغليسياس، بأغلب شروطه السابقة، فهذا يعني استبعاده من اي تحالف حكومي، بصرف النظر عن مشكل العدد اللازم للاغلبية؛ لكن الحزب الفتي اذا ما أحس بالشهية الى السلطة، يمكن ان يغير بدوره، مواقفه الى حد ما، بخصوص كاتالونيا على الاقل.
ويرى محللون ان الاحزاب الفائزة بالحصص الكبرى من مقاعد البرلمان، بات واجبا عليها اعادة النظر في اطروحاتها ومقارباتها للوضع السياسي، وبالتالي الإصغاء لرسالة الناخبين الاسبان الواضحة وقد قالت صراحة :كفى من صراع الديكة، والمواجهات العقيمة التي لم تعد مجدية لحل مشاكل إسبانيا الحديثة.

إقرأ أيضا: الانتخابات الإسبانية..نهاية عهد الثنائية الحزبية

ان قراءة متأنية للنتائج، تشير بوضوح الى ان الناخبين دعوا القوى السياسية الى الحوار والنقاش الهادئ، للوصول الى الحد الوطني الادنى باعتباره القاسم المشترك بين الاسبان في مختلف المناطق.
وبالفعل تجاوبت التصريحات الاولى للمنتصرين الكبار، فور اعلان النتائج شبه النهائية، مع رغبة الرأي العام، فشددوا جميعهم على فضيلة الحوار، غير مشككين في النتائج التي بوأت الحزب الشعبي المحافظ، المرتبة الاولى، مثلما اعرب زعيم هذا الاخير،ماريانو راخوي، من جهته عن استعداده للتفاوض لتأليف حكومة مستقرة تحتاجها البلاد دون ان يحدد أفضلياته.
ودون الدخول في لعبة حساب الاحتمالات، فان تشكيل حكومة ائتلافية منسجمة، سيكون اختبارا صعبا، اذ حيثما يولى المحلل وجهه، يمينا او يسارا،يصطدم بعراقيل وحواجز، ليس من السهل تجاوزها :فلا تحالف احزاب اليمين بوجهيه المحافظ والمعتدل،وكذلك اليسار المتعدد، بقادرين، كل على حدة، على ضمان اغلبية قوية ومنسجمة ؛بالنظر الى تعارض المرجعيات والصراع الشخصي الخفي بين الفاعلين الحزبيين الطامحين الى السلطة، ومراهنة كل فريق على ادوار واوراق.
ولم يتردد معلقون كثيرون، امام شبح الازمة الحكومية المتوقعة، في التلويح باحتمال دعوة الناخبين مجددا الى صناديق الاقتراع، بعد انصرام أجل شهرين، طبقا لما ينص عليه الدستور.
يبقى ممكنا حل قد تنضجه الايام المقبلة، يمثل اخف الضررين بالنسبة لاسبانيا، ولكنه محفوف بالمخاطر بالنسبة للحزبين معا اي الشعبي المحافظ والاشتراكي العمالي. هما قادران على جمع اغلبية مريحة، تتيح تشكيل حكومة مستقرة، كما ان بين الحزبين رصيدا من الاختلافات والتوافقات بخصوص القضايا الكبرى وخاصة ما يتعلق بوحدة البلاد والتصدي للارهاب الداخلي والخارجي. صحيح انهما مفترقان في الرؤية لقضايا اخرى مثل العدالة الاجتماعية وحقوق المستضعفين، اي ما يميز عموما التوجه الليبرالي عن الاشتراكي، وفق التحديدات والمواصفات التقليدية.
اذا ما اتحد الحزبان التاريخيان الكبيران وتقاسما الرئاسة، بشكل من الأشكال، فمن الارجح ان يجنبا اسبانيا مؤقتا خضات عنيفة سياسية واجتماعية ودخولها في المجهول؛ على اعتبار ان القوى الحزبية الاخرى عاجزة اكثر من الشعبي والاشتراكي، عن الاتفاق على خارطة طريق.
يستطيع الحزبان وقد حصلا على شرعية وثقة اكثر من خمسين في المائة من كتلة الناخبين؛ يستطيعان اذا ما تحررا من عقد وعداء الماضي، ان ينجزا الاصلاحات الضرورية، ليس بمفردهما وإنما عبر قيادة توافق عريض بين القوى التي افرزتها الانتخابات الاخيرة وبنسبة عالية في المشاركة.
وفي هذا السياق، يجمع ملاحظون على الدور الوازن الذي يمكن ان يقوم به حزب، ثيودادانوس، في التقريب بين الاطراف، فقد صرح زعيمه، البيرت ريڤيرا، انه لن يعرقل عملية التصويت على الحكومة وذلك بالتغيب الارادي عن جلسة المصادقة ومنح الثقة؛ اي ان الكتلة البرلمانية للحزب قد تتحول الى عامل تهدئة في حالة نشوب خلافات وتجاذبات شديدة في الرأي.
تجدر الاشارة الى ان الذين يحبذون تحالفا تاريخيا بين الاشتراكيين والمحافظين، يستحضرون النموذج الالماني بين الحزب الديموقراطي المسيحي والاشتراكيي الديموقراطي، اللذين يحكمان البلاد حاليا في شخص المستشارة، انجيلا ميركل، لكنهم يقرون بصعوبة ترسبات الصراعات الايديرلوجية في الماضي بين المعسكرين في تاريخ اسبانيا المعاصرة. لا يخفى ان تيارات قوية وسط الاشتراكيين تعتبر الحزب المحافظ، وريثا شرعيا للفرانكوية التي نكلت باليسار الاشتراكي والصف الجمهوري، اثناء وبعد الحرب الاهلية عام 1936.
واخيرا وبخصوص المغرب،فما عليه الا الملاحظة والترقب، علما ان الاحتمال الاخير اي تحالف الحزبين الكبيرين، سيرضيه اذا ما تحقق، ففيهما محاورون تعرفهم الرباط. على خلاف سيناريو حكومة يسارية يكون حزب، پرديموس، قطب الرحى فيها.
لقد تغيرت إسبانيا واصبحت شبيهة بباقي دول اوروپا مع فارق مهم هو خلو ساحتها السياسية حتى الآن من اليمين المتطرف، كما برهن الاسبان انهم شعب حيوي متجدد، وهذا هو الدرس الذي يجب ان ياخذه المغرب بعين الاعتبار.