الرئيسية / وجهات نظر / «داعش» يزرع «ولاياته» في ليبيا وأفغانستان
authors-هدى-الحسيني

«داعش» يزرع «ولاياته» في ليبيا وأفغانستان

العمليات الإرهابية المروعة في باريس أثارت أسئلة كثيرة تتعلق بقدرات «داعش» في أوروبا وأبعد منها.
«داعش» أعلن عن قيام «خلافته» في العراق والشام٬ لكنه قال أيضا إن «دولته باقية وتتمدد». وهو كتنظيم يواصل جهوده٬ لنشر «مخالب الأخطبوط» داخل منطقة الشرق الأوسط الكبير الذي تصل حدوده حتى أفغانستان٬ بحيث يصبح خطره عالمًيا.
وفًقا لاستراتيجيته العدوانية التوسعية نجح التنظيم إلى حد كبير وبتكتم في تأسيس بنية تحتية في أراض بعيدة عن تلك التي أنشأ عليها «خلافته»٬ في ما يعتبره «ولايات» الخلافة.
فإلى جانب تزايد خطر «داعش» في الدول المجاورة للعراق وسوريا٬ مثل لبنان٬ واليمن٬ ودول الخليج٬ لـ«داعش» وجود ملحوظ في قطاع غزة٬ وفي صحراء سيناء٬ وصولاً إلى أجزاء في شمال أفريقيا وغربها٬ مثل ليبيا٬ والجزائر٬ وتونس٬ وأيًضا شرًقا في القوقاز٬ وأفغانستان وباكستان. هذا «الانتشار» لا يلقى اهتماما كبيًرا على عكس التركيز على معاقل «داعش» الرئيسية٬ ومع هذا فإن «الانتشار» الواسع يعكس الاستراتيجية التي يطورها «داعش» بحيث يبقى القوة المتطرفة الأوسع سيطرة وامتداًدا.
من جهة٬ يبدو واضًحا أن قيادة «داعش»٬ تبحث عن أكثر من تهديد الأنظمة العربية في المنطقة٬ بل تريد تحديها. وكان المثل الأكبر أخيًرا اغتيال محافظ عدن اللواء جعفر محمد سعد و6 من مرافقيه٬ إلى جانب توسيع نفوذه٬ وجعله مختلًفا عن بقية المجموعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم «القاعدة» كقوة عالمية في الصراع من أجل السيطرة على المسلمين ولاحًقا على أراضي «الكفار».
التنظيم يتصرف عسكرًيا من خلال مجموعة من الأساليب الوحشية٬ وفكرًيا من خلال آلة دعائية قوية نجحت في تجنيد الآلاف٬ ولفت الانتباه إلى «داعش» بطريقة لم يسبق لها مثيل٬ عبر الاستخدام الذكي لوسائل الإعلام الاجتماعية على مختلف أنواعها.
وعلى الرغم من الموارد الهائلة التي اكتسبها التنظيم على مدى سنوات٬ من النهب٬ والابتزاز٬ وفرض الضرائب٬ وسرقة الآثار٬ والتجارة بالنفط٬ فإنه لا يملك عائدات استثمار غير محدودة أو قدرات٬ إضافة إلى ذلك٬ فإن الهجمات الإرهابية في باريس وإسقاط الطائرة الروسية التي أقلعت من شرم الشيخ٬ قد تظهر في الأسابيع المقبلة أن «داعش» ارتكب أخطاء تكتيكية بالغة. فهذه الأعمال الإرهابية التي اعتبرها التنظيم «باهرة»٬ حفزت وبالتأكيد القوى العالمية لمضاعفة الجهود وتوجيه ضربات كبيرة مدمرة على مواقع «داعش» في العراق وسوريا٬ وحتى من دون قوات برية تقاتله على أرض الواقع٬ فإن التنظيم يقاتل الآن من أجل البقاء٬ سواء ضد العالم٬ أو ضد منافسيه المحليين٬ وهم كثر.

إقرأ أيضا: ليبيا و«داعش».. والناتو الحائر

في هذا السياق٬ و«داعش» تحت مزيد من الضغط٬ فإن «ولايات» الخلافة يمكن أن تلعب دوًرا مهماا في المرحلة المقبلة. بعض مناطق العمليات في هذه «الولايات» هي في مراحلها الأولى من حيث البنية التحتية٬ في حين أن البعض الآخر أكثر تقدًما٬ وبعضها أكثر تنسيًقا وتكاملاً مع قيادة «داعش»٬ والبعض منها مستقل نسبًيا يكتفي بالاستلهام من «داعش» لكن لا ينسق مع القيادة٬ وقيادة «داعش» تبذل جهوًدا لتعزيز السيطرة وإجبار الناس على حياة مدنية ودينية صعبة في هذه «الولايات» ومن أجل تجنيد مزيد من المقاتلين المسلحين لدعم قضيته.
في هذا المجال تبرز دولتان٬ تسلل إليهما «داعش» بقوة٬ إذ ذكرت تقارير عن تحكم قبضة التنظيم بمدينة سرت الليبية٬ حيث بدأ مجندون جدد٬ ومقاتلون أجانب بالانضمام إلى صفوفه هناك٬ في وقت يركز العالم على سوريا والعراق. وبسبب ما تتعرض له مقار التنظيم في العراق وسوريا أصبحت سرت مركز تنسيق التنظيم. ويقول ماتيا تاولدو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن «داعش» يستثمر في ليبيا منذ نحو السنتين٬ ويفضل المقاتلون من شمال أفريقيا التوجه إلى سرت بدل تكبد عناء الوصول إلى سوريا أو العراق.
استغل «داعش» فوضى الصراع بين الميليشيات الليبية والحكومات هناك٬ فسيطر على سرت في يونيو (حزيران) الماضي٬ لتصبح الآن مركًزا لتدريب المجندين الجدد وتدريسهم آيديولوجيته٬ ولوحظ وصول المئات من تونس والسودان واليمن ونيجيريا للتدريب والاستعداد تمهيًدا لتنفيذ عمليات في دول أخرى٬ وقد تدفع الغارات الجوية على «داعش» في سوريا والعراق بقادته ومراكز القيادة للانتقال إلى ليبيا. مقاتلي «داعش» في ليبيا يصل عددهم إلى نحو 3 آلاف٬ منهم 1500 في سرت.
لم يتوقف العالم كثيًرا عندما ذبح «داعش» في فبراير (شباط) الماضي 21 من الأقباط المصريين في ليبيا٬ وقال يومها إنه سيملأ المتوسط دماء حتى يصل إلى روما.
يحاول التنظيم الآن توسيع «الولاية» نحو أجدابيا٬ حيث تتجمع معظم منشآت النفط والغاز٬ إيطاليا دعت إلى قمة دولية حول ليبيا٬ على نسق مؤتمر فيينا الأخير٬ ولهذا استعجلت تونس مصالحة السياسيين الليبيين للاتفاق على حكومة موحدة٬ وبعد عمليات باريس لفت رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس إلى أن «الإرهاب يتوالد باستمرار والوضع في ليبيا سيكون القضية الكبرى في الأشهر المقبلة» لكن الأمم المتحدة في تقريرها تقول إن التنظيم يواجه مقاومة من السكان وصعوبةفي إقامة تحالفات محلية.
الدولة الثانية التي غزاها «داعش» هي أفغانستان وتمتد «ولايته» على طول الحدود مع باكستان. مقاتلو «داعش» هناك يقومون بحملة تجنيد في 25 محافظة من أصل 35 في أفغانستان٬ وهدفهم إلغاء الحدود الداخلية بين المناطق٬ والدولية مع باكستان وتوسيع «دولة الخلافة». وفي تحقيق نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية يوم السبت الماضي٬ تفاصيل الإرهاب الذي يمارسه «داعش» ضد رؤساء القبائل والأفغان الذين مع الحكومة والذين مع «طالبان». ويتحدث الناجون عن الجلاد الباكستاني مولوي أبو بكر الذي يقطع الرؤوس بسكين خاص٬ في شفرته شوكة لتقطيع العمود الفقري.
اعتمد «داعش» الخدعة٬ بأن أرسل المئات من رجال قبيلة «أوراكذاي» وهم من الباشتون٬ إلى جنوب جلال آباد طالبين الحماية من الجيش الباكستاني (…) بعد 5 أشهر رفعوا الأعلام السوداء وجمعوا المحليين قائلين: سنلغي الحدود بين أفغانستان وباكستان ونقيم «ولاية خراسان» تابعة لـ«الخلافة». وبعد إلحاق الهزيمة بـ«طالبان» هناك٬ قال ممثل «داعش»: «الملا عمر مات. زعيمنا الجديد أبو بكر البغدادي وهو حي ونحن له طائعون».
في الوقت الراهن على الأقل٬ لا يبدو أنه سيتم القضاء على «داعش» عسكرًيا في المستقبل المنظور. وعلاوة على ذلك٬ لا تزال هناك أراض خصبة للمتشددين وغير الطبيعيين لاستغلال هشاشة الوضع السياسي والتنافس الداخلي في العالمين العربي والإسلامي٬ إضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة في كثير من المناطق التي أعلنها التنظيم «ولايات» تابعة للخلافة.
لهذه الأسباب٬ من الضروري النظر عن كثب في اتجاه المنطقة الأوسع والأبعد من سوريا والعراق٬ ومتابعة أنشطة «داعش» خارج الحدود المباشرة لقلب «الخلافة»٬ لأنه نحو هذه المناطق يوجه التنظيم استراتيجيته بشكل متزايد٬ فهو يستغل خلافات التحالف الدولي مع روسيا٬ وتردد الدول في تحدي تركيا٬ لكن إذا ما استمرت الغارات المكثفة٬ وتدمير مصادر ثروته وتجفيف منابعه٬ فإن حركة التنظيم رغم «انتشارها»٬ سيكون من الصعب عليه إدارتها وبالذات الدفاع عنها عسكرًيا٬ إلا أن محاربة فكر «داعش»٬ تحتاج إلى أكثر من عمليات عسكرية برية وجوية وبحرية٬ إنها تحتاج إلى عقول تنويرية جريئة٬ لأن «داعش» إذا سمح له بأن يبقى على ممارساته٬ فإن خطره سيكون على القيم ونوعية التفكير والإنسان٬ ومن يشكك في ذلك٬ فليتابع بعض صفحات الـ«فيس بوك» لشبان مسلمين رافضين٬ كي يدرك خطر «داعش» الحقيقي.

*كاتبة صحافّية ومحللة سياسية لبنانّية/”الشرق الاوسط”