الرئيسية / وجهات نظر / «رب الجزائر» يكتشف الظلم!
توفيق رباحي

«رب الجزائر» يكتشف الظلم!

أخيراً نطق «رب الدزاير»، مدير استخبارات الجزائر لأكثر من 25 سنة، اللواء محمد مدين المدعو توفيق. عزرائيل بلد منكوب اسمه الجزائر يخرج عن صمته ليعلن أن نظام الحكم ظالم والعدالة فيه غير نزيهة.
الرجل الذي كان قويا بصمته وغموضه يقرر النزول من عليائه برسالة كان أكرم له لو أمسك عنها.
الرجل الذي حكم بالحديد والنار، وصمَتَ ربع قرن على نزول بلد وشعب إلى الجحيم.. الرجل الذي ساهم في إيجاد هذا النظام ورعاه وتربع على عرشه أكثر من ربع قرن، يكتشف أنه (النظام) ظالم فينشر رسالة للرأي العام يشتكي فيها من الظلم في حق أحد رجاله السابقين.
السبب أن محكمة عسكرية بغرب البلاد، هي جزء من نظام ومنظومة كرّسها «رب الدزاير»، حكمت بالسجن خمس سنوات على الجنرال عبد القادر آيت واعراب، المدعو حسن، المدير السابق لدائرة مكافحة الإرهاب بالمخابرات، والمحسوب واحداً من رجال مدين، المدعو «الرب»!
الرجل الذي ترأس جهازاً راقب أنفاس الجزائريين فلم يتول شخص رئاسة بلدية نائية أو ولاية أو حتى لجنة حي أو شركة او إدارة، كبرى أو صغرى، إلا بتزكية منه أو موافقته، ينتقد ـ بلغة مهذبة تليق بمقامه ورصيده ورتبته ـ حكما قضائيا أصدرته محكمة عسكرية بحق رجل عسكري.
جميل أن تكتشف الظلم عندما يتغيّر موقعك وتغادر معسكر الظالمين، ولو شكليا وهيكليا.

إقرأ أيضا: أخيرا نطق “رب الجزائر” !!!

قد يكون الجنرال حسن الذي حُكم عليه بالسجن رجلا أخلص لعمله وتفانى في تحمل مسؤولياته، وقد يكون الحكم في حقه جائراً والدفاع عنه واجب إنساني قبل أي شيء آخر. ليس من حق أحد أن يشكك، لكن في الجزائر، منذ 1990 تاريخ تربع «الرب» على عرشها وإمساكه بمصيرها، مئات بل آلاف الضحايا مثل الجنرال حسن وأسوأ منه. كلهم، بشكل أو بآخر، ضحايا «رب الدزاير» حتى لو افترضنا أن هذا أيضا خدم الوطن وأمنه ومصالحه بتفان ومسؤولية وإخلاص.. لن يغيّر ذلك من الواقع الأسود شيئا.
ولأن الجزائر منكوبة بهم وبنا، بادر وزير الإعلام والاتصال السيد حميد غرين إلى التهجم على «رب الدزاير» واصفا انتقاده للحكم على الجنرال حسن بالعنف اللفظي وناصحا إياه بالصمت احتراما لمنصبه السابق وصفته العسكرية السابقة.
أكبر إهانة تلحق بـ»الرب» أن يطلب منه هذا الوزير أن يصمت. غرين تحدث باسم الطرف الأقوى في الحكم حاليا، لأنه من المستحيل أن يجرؤ على هذا الموقف المتطرف بحق من كان بالأمس مصدر ذعر ـ ونعيم في الوقت ذاته ـ له ولأمثاله.
كان ذلك عندما شغل غرين منصب المكلف بالإعلام والعلاقات مع الصحافة في شركة «جيزي» لخدمات الهاتف المحمول، وهي شركة جزائرية مصرية نشأت في ظروف غامضة واستغولت في ظروف أكثر غموضا. كان غرين يحيي الصحف ويميتها بفضل الإعلانات التجارية التي كان يغدق بها، وقد كانت الشركة المعلن الأول بمليارات الدينارات.
ولأن الإعلانات سلاح في وجه الصحف، استعملته شركة «جيزي» إلى أبعد الحدود في خنق صحف ورفع أخرى. وعلى الرغم من كونها شركة خاصة بامتدادات دولية، لم تفعل «جيزي» ما فعلت بحق الصحف بحرية وقناعة، بل نزولا عند رغبة «الرب» أو من يمثلونه أو يتكلمون ويتصرفون باسمه.
كانت القوة الضاربة في «جيزي» آنذاك اسمها حميد غرين، والقوة المحركة اسمها السلطة الخفية ممثلة في «الرب» ورجاله ونسائه في مختلف مفاصل الدولة والحكم.
اليوم أصبح من الماضي الزمن الذي كان فيه غرين يحلم باتصال هاتفي من غفير «الرب» أو مساعده العاشر. ولى زمن كان غرين، وهو نافذ وصاحب سطوة أمام الصحف والصحافيين، يلتفت إلى ظله قبل ان يتحدث عن «الرب» أو يذكر اسمه.
ولأن الجزائر منكوبة بهم وبنا، سارعت وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي إلى مهاجمة هجوم غرين على «الرب»، فاتهمت الوزير بالإخلال بواجبه المهني وبالتخلي عن الالتزام بواجب التحفظ المطلوب منه.
تومي دافعت باستماتة عن شكوى «رب الدزاير» من القضاء الظالم والحكم القاسي بحق الجنرال حسن. وقالت إن رسالة «الرب» استوقفتها لأنها قدّرت أنه عندما ينبري جنرال للدفاع علنا عن جنرال آخر، فمعنى ذلك أن مؤسسات الدولة معطلة.
مثل مدين الذي اكتشف المظالم القضائية بعد أن أُحيل على التقاعد، تكتشف الوزيرة تومي أن مؤسسات الدولة معطلة بعد أن أُحيلت إلى التقاعد، وكان عليها أن تنتظر رسالة جنرال معزول دفاعا عن جنرال مسجون!
تومي ـ الوزيرة طيلة اثنتي عشرة سنة ـ التي دافعت بشراسة عن نظام الحكم وكوارثه وسيره بالجزائر نحو الجحيم، بل وتخلت عن مبادئها النضالية ونشاطها الأهلي والنسوي من أجله.. التي دافعت عن ترشح بوتفليقة لولاية رابعة وهو في حالة عجز بدني بائن، تخشى اليوم تعطل مؤسسات الدولة، وتدافع عمن أشرف على تعطيلها منذ ربع قرن!
العبرة: بهؤلاء ومعهم، يبدو مستقبل الجزائر قاتما مخيفا. رجال تشبهوا بالأساطير، فاكتشف الجزائريون أنهم كانوا مخدوعين فيهم. ونساء «مناضلات» تراجعن في أول منعرج ودافعن عن الشيطان في سبيل مصلحة عابرة. ووزراء يكتشف الجزائريون يوما بعد يوم أنهم أصغر بكثير من مناصبهم وألقابهم، بل أنهم أقزام.
أرثيك يا جزائر.

٭ كاتب صحافي جزائري/”القدس العربي”