الرئيسية / وجهات نظر / روسيا والورطة السورية
علي العنزي

روسيا والورطة السورية

يبدو أن الموقف الروسي من الأزمة السورية بدأ يتجه إلى التورط العسكري المباشر، إذ تناقلت وكالات الأنباء والفضائيات أنباء الجسر الجوي الذي بدأته روسيا لإمداد النظام السوري بمختلف أنواع الأسلحة، وهو شيء ليس بالغريب بالنسبة للمراقبين للموقف الروسي منذ بداية الأزمة، إذ عبرت عن دعمها للنظام السوري سياسياً من خلال حمايته في مجلس الأمن الدولي باستخدام الفيتو ثلاث مرات، واستمرارها بدعمه بأنواع الأسلحة والخبراء كافة، بحجة تنفيذ عقود سابقة بين البلدين، لكن التطور اللافت هو إرسال معدات وجنود وأنباء عن إقامة قاعدة جوية قرب اللاذقية، وكذلك قاعدة بحرية أخرى في مدينة جبلة الساحلية، وعبر عدد من المسؤولين الروس وعلى رأسهم الرئيس بوتين عن استمرار الدعم للنظام وبالأشكال كافة، وهو مؤشر واضح وخطر يبين أن الجانب الروسي ممكن أن يتدخل عسكرياً لحماية النظام من الانهيار.
لقد شعرت روسيا في الآونة الأخيرة أن النظام بدأ يفقد السيطرة وبتسارع على العديد من المناطق، ومني بسلسلة من الانتكاسات العسكرية خلال الأشهر الماضية، كان أهمها فقدانه الشبه كامل لمحافظة إدلب وريفها، وسيطرة جيش الفتح على مدينة إدلب وهي مقر المحافظة، ومدينة جسر الشاغور الاستراتيجية، وكذلك مدينة أريحا والاستيلاء على مطار أبوالظهور العسكري في المحافظة، الذي يعد ثاني أكبر مطار عسكري في سورية، لتصبح هناك محافظتان بالكامل خارج سيطرته هما إدلب والرقة، إضافة إلى فقدانه لمدينة تدمر التاريخية في الريف الشرقي لحمص.

أما في بقية المناطق، وفيما عدا مناطق الساحل، اللاذقية وطرطوس، فسيطرته تتقلص كل يوم. ففي محافظة درعا، فتقتصر ســيطرته تقريباً على ما يســمى بالمربع الأمـني في المدينة، وشــريط يوصل من خلاله المؤن والأسلحة لعناصره والميليشيات المتحالفة معــه، وتتعرض مناطق سيطرته للهجمات بشكل شبه يومي، وكذلك في القنيطرة وحلب ودير الزور، وحتى السويداء التي كانت بعيدة عن الهجمات، أصبحت خلال الأشهر الماضية في قلب الأحداث، إضافة إلى العاصمة التي أصبحت شبه محاصرة من الريف الشرقي والجنوبي، وتتعرض للقذائف بشكل شبه يومي، لذلك بالنظر إلى الخريطة السورية، نجد أن النظام فقد السيطرة على الجزء الأكبر من الدولة السورية، ومستمر بفقدان الأجزاء الأخرى.
إن مشكلة اللاجئين السوريين شكلت أزمة ومنعطفاً خطراً في الأزمة السورية وطريقة التعاطي معها، وتُعتبر أزمة اللاجئين السوريين واحدةً من أكبر وأطول وأعقد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، إذ وصل عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو في طور التسجيل، وحتى نهاية شهر أيار (مايو) 2015 نحو 1.7 مليون في تركيا، و1.1 مليون في لبنان، و628 ألفاً في الأردن، و249 ألفاً في العراق، و134 ألفاً في مصر، عدا اللاجئين في الدول الأخرى، لكن نحن الآن في منتصف سبتمبر، إذ ارتفع هذا العدد بشكل كبير جداً، نتيجة للحرب المستعرة في البلد، لذلك يبدو العدد وصل إلى أن نصف السكان هم لاجئون، سواءً في الداخل أم الخارج، أي أكثر من 9 ملايين لاجئ، وهي أزمة المسبب الرئيس فيها هو النظام، من خلال عسكرته للأزمة والتعامل معها بشكل أمني وعسكري مطلق.

للمزيد:عندما يسخر الجلاد من ضحاياه وشهود مجازره!!
يبدو أن روسيا راهنت على استمرار قوة النظام وسيطرته على الوضع من خلال دعمها اللامحدود له، لكنها استشعرت في الآونة الأخيرة أن النظام بدأ يتآكل وقوته بدأت تضعف والجيش فقد الكثير من جنوده، ولم يكن هناك تعويض، فالشباب لا ينخرطون في الخدمة الإلزامية، والضغوط الداخلية والخارجية تزداد عليه يوماً بعد يوم لإيجاد حل من خلال رحيل الأسد، لذلك أرادت روسيا أن تظهر للقوى الأخرى أنها ستقدم أشكال الدعم كافة لهذا النظام، هادفة إلى رفع معنوياته ومن حوله أولاً، ومحاولة للضغط على الآخرين لتغيير مواقفهم ولو بشكل بسيط يحفظ لروسيا ماء الوجه ثانياً، والهدف الروسي هو حماية النظام والتمسك برئيس النظام، وتخير العالم بين النظام والرئيس أو الإرهاب والفوضى، لكن لا تستطيع روسيا تسويق مشروعها، لأن الوضع أصبح الآن خارج سيطرتها، فورقة النظام التي تتمسك بها آخذة بالضعف يوماً بعد يوم، والمجتمع الدولي غير قابل لوجود رئيس النظام، مما يجعل روسيا في موقف لا تحسد عليه، فاختارت التصعيد علها تستطيع من خلاله إيجاد حل وسط يكون حبل إنقاذ لها.
لقد شعرت روسيا وإيران بخشية فقدانهما لمصالحهما في سورية التي يمثلها النظام، وما يدور في اليمن، وقيام المملكة بتشكيل تحالف عربي عسكري وسياسي، لمواجهة جماعة الحوثي وميليشيا صالح، حماية لليمن وشعبه من الفوضى، وتجنيبه عدم الاستقرار، وتحجيم التدخل الإيراني، بل اجتثاثه، لم يكن بعيداً عن سياسة الدولتين تجاه سورية، لذلك تحاول روسيا وبالتنسيق مع إيران، استباق فكرة تشــكيل تحالف عسكري تقــوده الدول العربية للتدخل البري، ومــؤيد دولياً لمحاربة الإرهاب في ســورية، فالنظام يستــفيد من وجود الإرهاب ونموه، سواءً في الداخل أم الخارج، لأن الإرهاب والنظام يستفيدان من بعضهما في سورية، لذلك يكــون هذا التحالف في النهاية ضــد الإرهاب والنظام، لأنهما يستفيدان من بعضهما، ووجــودهـــما مرتبط ببعضهما، والخاسر الوحيد هو الشعب السوري المغلوب على أمره. يستغرب العديد من المراقبين والمحللين الخطوة الروسية التصعيدية في سورية في توقيتها، وكذلك جغرافيتها، إذ زارت العديد من الشخصيات السياسية الرسمية روســيا في الأشهر الماضية، لإيجاد حل للأزمة السورية يحفظ لسورية مؤسساتها ومقدرات شعبها، لكن هناك قلق عربي بأن يكون هناك هدف مبطن من التصعيد الروسي الأخير، واختياره منطقة الساحل للوجود الروسي العسكري، هو إنشــاء وحماية دولة علوية ترتبط بروسيا سياسياً واقتصادياً، وتكـون قاعدة لها على البحر المتوسط، ويكون مقدمة لتقســيم ســورية لا سمــح الله.

والسؤال المطروح: هل تكرر روسيا سيناريو تدخل الاتحاد السوفياتي في أفغانستان؟ أم أنها تصعد من أجل الخروج بحفظ ماء الوجه من سورية؟

إقرأ أيضا:العنف السياسي في العالم العربي…دواعية وتداعياته