الرئيسية / إضاءات / هل ينجح المغرب في انتزاع اعتراف دولي بسيادته على صحرائه بعيدا عن “التسويات المستحيلة” للأمم المتحدة؟!!
هل ينجح المغرب في انتزاع اعتراف دولي بسيادته على صحرائه

هل ينجح المغرب في انتزاع اعتراف دولي بسيادته على صحرائه بعيدا عن “التسويات المستحيلة” للأمم المتحدة؟!!

في أعقاب فشل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في إعطاء نفس جديد لجهود التسوية الخاصة بقضية الصحراء المغربية، نتيجة اختياره أو “دفعه” لاختيار جانب أعداء الوحدة الترابية، عبر ما قام به من تصرفات، وصدر عنه من تصريحات خلال زيارته للجزائر ومخيمات المحتجزين في تندوف، وما تلا ذلك من خلاف بين المغرب والأمين العام للأمم المتحدة، وما ترتب على هذا الخلاف من قرارات سيادية مغربية مست كيان بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، يتزايد الانطباع بأن القضية الوطنية تعيش اليوم مرحلة من الترقب، في انتظار معرفة الكيفية التي ستعالج بها القوى الكبرى المؤثرة في الملف هذا الخلاف بطريقة تخفف من تداعياته، والأهم، الإجابة على السؤال المحوري الذي فشل بان كي مون ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس في الإجابة عليه: ما السبيل لإيجاد حل سياسي يقفل هذا الملف بطريقة لا يترتب عليها مشاكل أمنية في هذا الجزء الحساس من العالم؟

لقد مضى على وجود المينورسو في المنطقة أزيد من ربع قرن، أنفق عليها خلالها مئات الملايين من الدولارات، وتعاقب على الإدارة السياسية للملف العديد من الأمناء العامين للأمم المتحدة وضعف عددهم من المبعوثين الشخصيين، حاولوا ابتكار العديد من الصيغ السياسية التي يمكن أن تشكل أساسا لإقفال الملف دون جدوى، لأن صيغة الحل غير ممكنة أصلا منذ لحظة تعريفها، بالنص على السعي إلى إيجاد حل سياسي “متوافق عليه”. هذا التوافق المتخيل، بدا واضحا للأمم المتحدة وقواها العظمى انه السبب الرئيس في إجهاض عملية “الاستفتاء” بعد أن تعذر الوصول إلى توافق حول تحديد هوية الصحراويين الذين يحق لهم المشاركة فيه، وهي عملية انتهت إلى حصر المؤهلين في 84 ألف صحراوي، وهو نفس العدد تقريبا الذي أسفر عنه الإحصاء الإسباني المختل قبلها بربع قرن. هذا “التوافق الموهوم” يعلم الجميع أنه لن يتحقق خلال رحلة البحث عن حل سياسي يقفل الملف، وبالتالي يدركون أنهم أمام خيارات محدودة جدا:

  • فرض حل سياسي على الطرفين: وهو سيناريو يفترض حصول توافق صعب بدوره بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، حتى لا تستخدم الفيتو لصالح هذا الطرف أو ذاك.
  • الاستمرار إلى ما لا نهاية في التمديد السنوي للمينورسو: وهو الإجراء الذي يواجه بشح الموارد المتاحة وعدم استعداد العالم لاستمرار صرف الملايين على بعثة مراقبة وقف إطلاق النار دون حل سياسي.
  • بدء عملية البحث عن حل من خارج الصندوق: إما بإخراج الملف من الأمم المتحدة والبحث عن توافق مباشر بين الدول الكبرى، أو “باختراع” صيغة لم تطرح من قبل يمكنها أن ترضي الطرفين!! أو بترك الملف لدول العالم بمفردها لتتعامل معه كما يحلو لها عبر قرارات سيادية.

للمزيد: في أفق تقرير بان كي مون.. هل يخرج ملف الصحراء من مكتب الأمين العام؟!

وبسبب صعوبة تصور السيناريوهين الأولين، فسنحاول الخوض في السيناريو الشائك الثالث، متلمسين الطريق نحو مساهمة مغربية جديدة في “التفكير خارج الصندوق” يمكنها أن تؤدي إلى حسم هذا الملف بحكم “الأمر الواقع”!. لكن قبل ذلك، من المفيد التذكير بالسياق الإقليمي والدولي المتغير، والذي توجد فيه القضية الوطنية اليوم، والذي ربما شكل إدراكه العميق، الأساس الذي بنى عليه الملك محمد السادس عبارته الخالدة: “المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”:

  • مغربية الصحراء هي أحد “مقدسات” ثلاثة لدى المغاربة على اختلاف مشاربهم، وتوحدهم حولها هو أمر لا يرقى إليه أي شك.
  • غالبية أبناء الصحراء يقيمون في أرضهم، وما نسبة من احتجزوا في مخيمات تندوف والحمادة سوى أقل من ربع الصحراويين، الأمر الذي يجعل ثقل الحسم في المغرب لا خارجه.
  • صحراويو المغرب، اعتمدوا بشكل عملي المقاربة التي اقترحها عليهم وطنهم –ضمن باقي جهات المملكة-، وعبروا بالتالي عن دعمهم لخيار الحكم الذاتي في إطار الجهوية الموسعة، عبر المشاركة بكثافة في الاستفتاء على الدستور الذي قنن هذا الخيار، وكذا عبر الانتخابات المحلية والجهوية، التي كانت الترجمة التنفيذية لهذا الخيار، وبالتالي قالوها لمن يريد أن يسمع: هذه هي ترجمتنا الفعلية لحق تقرير المصير الذي تتحدث عنه الأمم المتحدة؛ جزء عزيز من وطن عزيز، يمتلك الحق والأدوات القانونية والاقتصادية التي تمكنه من إدارة شؤون مواطنيه بأكبر قدر من المسؤولية والشفافية، تماما كباقي جهات المملكة.
  • مقترح الحكم الذاتي، هو بالنسبة لمعظم دول العالم، لاسيما القوى الكبرى منها، خيار “واقعي، جاد، وذا مصداقية” ويشكل أساسا لحل قضية الصحراء مرة وللأبد، وإن تعذر حتى الآن إيجاد القنطرة التي ستربط بين هذا الحل وخطة التسوية التي ترعاها الأمم المتحدة، بسبب قيامها على أساس تفاهم الطرفين المتعذر بدوره.
  • أن ميزان القوى العسكري بين المغرب وعصابة البوليساريو، لا يجعل أكثر الحالمين من أعداء الوحدة الترابية يأمل في قدرة هذه العصابة على المس بالمغرب بطريقة تفقده السيطرة على صحرائه، وما صيحات التهديد اليائسة لمرتزقة البوليساريو، إلا “جعجعات من لا دقيق عنده ليطحنه”، ولا يمكنها بحال أن تشكل تهديدا جديا للمغرب.
  • بارتباط مع النقطة السابقة، ولأسباب عديدة ليس هنا مجال تحليلها، يصعب تصور وجود رغبة أو قدرة لدى الجيش الجزائري في دخول حرب مفتوحة مع المغرب، يمكنها بالطبع أن تسبب ضررا بالغا للشعبين الشقيقين، وتحديدا من أجل “نصرة” مرتزقة البوليساريو، أو حتى لدعم تثبيت أركان جمهوريتهم الموهومة. لا السياق الذاتي ولا الموضوعي للجيران الجزائريين يرجح، أو حتى يجعل، مثل هذا الخيار امرا واقعيا محتملا.
  • الدول تتبع مصالحها، ومصالح معظم دول العالم المؤثرة هي مع المغرب لا البوليساريو، فهي تحتاجه اقتصاديا، وأمنيا، بمقدار حاجتها لتعاونه في قضايا الهجرة والتهريب وتأمين الاستقرار في دول الساحل والصحراء.
  • قدرة الجزائر على استخدام مواردها البترولية في الصرف على الجهود المعاندة لوحدة المغرب الترابية هي قدرة تتناقص يوما بعد آخر، ناهيك عن غرق البلد في أجواء ضبابية سياسية تجعل البوليساريو خارج سلم الأولويات للقوى المتنفذة “الجديدة” في البلد.
  • الحرب الباردة التي أكسبت البوليساريو في مرحلة ما اعتراف ثلاثة وثمانين دولة ب”جمهورية الوهم الصحراوية” انتهت، ودليل انتهائها أن عدد من يعترفون بها حاليا لا يتجاوز 32 دولة، أساسا في قارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

إقرأ أيضا: أبشر بطول سلامة يا مغرب!!

من هذه النقطة الأخيرة بالذات، وتأسيسا على سابقة الاعتراف الدولي بجمهورية البوليساريو، التي جعلت الجبهة مخاطبا للمغرب في هذا الملف، ومنحتهم بالنسبة لكثيرين صلاحية الحديث باسم الصحراويين، في مغالطة بشعة للواقع الذي يقول انها مكانة قائمة على استمرار أخذهم لربع السكان كرهائن في التراب الجزائري، نقول، تأسيسا على هذه السابقة، ستبدأ رحلتنا في ما نراه مقترحا من خارج الصندوق، ربما على الدبلوماسية المغربية، أن تنشط في اختباره قريبا، قبل أن يصار إلى اعتماده وتعميمه. وقبل ذلك، من المفيد التذكير أن هناك 138 دولة عضوة في الأمم المتحدة تعترف “بدولة فلسطين” وهي لما تنشأ رسميا بعد، أو تسيطر على أرضها حتى اللحظة.

sahara-maroc

باختصار، ما نقوله، وهو دائما في إطار “دبلوماسية الهجوم” التي يتزايد اعتماد المغرب لها، دفاعا عن وحدته الترابية وأية محاولة للمساس بها، أيا كانت هوية المهاجم! نقترح أن يبدأ سفراء المغرب، كل في البلد الذي يعمل فيه، في جس نبض الطبقة السياسية (الحكومة، البرلمان، الأحزاب المختلفة، الجمعيات الأهلية، وغيرها من الأطراف الداخلة في عملية اتخاذ القرار) لمعرفة إمكانية الحصول على اعتراف أحادي ورسمي من هذه الدول ب “مغربية الصحراء”، وبالتالي الانتقال من مرحلة الترحيب بمقترح الحكم الذاتي، إلى اعتباره معيارا يمكن أن تبني عليه موقفها الجديد الذي يؤمن بالمغرب الذي حدوده من طنجة وحتى الكويرة!!

وقبل مواجهتنا من قبل البعض بالقول أن هذا الخيار يخالف مقررات الأمم المتحدة، وبالتالي لن يحظى بموافقة مجلس الأمن، من المفيد التذكير “بالحقائق” التالية:

  • اعتراف 138 دولة بفلسطين في الجمعية العامة لم يستطع الفيتو الأمريكي أن يصنع حياله أي شيء. صحيح أن اعتماد فلسطين كدولة لا بد أن يمر عبر مجلس الأمن، لكن من قال أن المغرب لا يزال بحاجة لمثل هذا الاعتراف.
  • هذا النوع من القرارات هو بالتعريف قرار سيادي، ولا دخل لأحد فيه، ولا تملك الأمم المتحدة حياله أي شيء، بدليل أن 83 دولة قررت في لحظة ما الاعتراف بدولة موهومة لا تملك أيا من مقومات الدول، وبعضها يمنح البوليساريو وضعية دبلوماسية، بل وتسببوا في دخولها إلى تجمع إقليمي هو الاتحاد الافريقي، وفي فرضها متحدثا باسم الصحراويين.

إن وصول مرحلة “جس النبض” إلى نتيجة تفيد بجاهزية غالبية دول العالم (من أصل 193 دولة عضو) للاعتراف ب:

  • أن البيعة الثابتة لأهالي الصحراء أبا عن جد للملوك العلويين هي أهم روابط السيادة في التراث العربي الإسلامي على مدى قرون، ولا ينقص من رسوخها عدم اعتراف الأدبيات السياسية الدولية الحديثة بها.
  • أن مقترح الحكم الذاتي الذي حظي بموافقة غالبية الصحراويين المقيمين في أرضهم هو التجسيد الأبرز والصياغة المحلية لحق تقرير المصير.
  • أن استقرار هذا الجزء من العالم، ورفاه أبنائه، رهين بالاعتراف بالوحدة الترابية للملكة واحترام خيار سكانها.
  • أن الجهود التنموية للمغرب، ورغبتها في جعل هذا الجزء منه فضاء للتواصل بين القارة الإفريقية برمتها وباقي قارات العالم، هي جهود مقدرة وستحقق للساكنة مزيدا من الرقي والتقدم.

كل ذلك، كفيل بدفع هذه الدول لاتخاذ قرار سيادي يعترف بوحدة المغرب الترابية، وسيادته على أقاليمه الصحراوية، وهو ما من شأنه تحقيق قوة دفع هائلة داخل أروقة الأمم المتحدة، تخرج المغرب من خانة المساومة المحتملة من طرف القوى الكبرى، وتدفع نحو تحرك دولي مختلف على صعيد هذا الملف، بعد أن تعذر التقدم على درب الحلول الدبلوماسية التقليدية المستحيلة.

إن الاعتراف المضمون لقرابة عشرين دولة عربية بالوحدة الترابية للمغرب، سيتحول إلى ما يشبه كرة ثلج تتدحرج، وستقود إلى الاعتراف المتوقع لأضعاف هذا العدد في باقي قارات العالم، انعكاسا للأهمية المتزايدة للمغرب على الساحة العالمية، وهو الأمر الكفيل بخلق دينامية هائلة، ستتوج جهود المغرب المبذولة على هذا الصعيد منذ عقود.

أما في أسوأ الظروف، وفي حال أسفرت عملية جس النبض عن نتيجة مفادها “عدم نضج الظروف المؤهلة للحصول على اعتراف غالبية الدول بهذا السيناريو” فإن الفائدة مع ذلك ستبقى قائمة، حيث نكون قد قمنا بتنشيط الدبلوماسية المغربية في مختلف بقاع تواجدها، ورسمنا في كل بلد خريطة العوامل المساعدة والمعيقة لإقدام البلاد المختلفة على مثل هذه الخطوة السيادية المنفردة، والأهم، رسمنا خريطة دقيقة للعالم في ما يخص وحدتنا الترابية، لنستطيع بعدها التحرك وتوجيه مختلف جهودنا بما يناسب الوصول إلى هذا الاعتراف في محاولة لاحقة بعد زمن يجب أن يكون قصيرا.

إن استمرار الاعتماد على الجهود المقدرة للقوى الكبرى الصديقة، ومقولة عدم استعداد العالم لتوتير المنطقة، والركون إلى التجديد الدوري لمهمة المينورسو، والاطمئنان إلى الترحاب الصريح أو المحتشم بمقترح الحكم الذاتي بعد إلحاقه “بتأييد جهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه” نعلم يقينا أنه لن يأتي، وإن أتى، فلا يمكن تصور أن توافق البوليساريو وداعموها على حل فيه مصلحة للمغرب.. نقول، إن الاعتماد على كل ما سبق دون التحسب لمختلف السيناريوهات، والتفكير خارج الصندوق، والخروج بمبادرات تربك الخصم على غرار “المقترح الثوري” الخاص بالحكم الذاتي، كفيل بتعقيد مهمة إدارتنا للملف دوليا. فهل نرى اللحظة التي تقوم بها أزيد من مائة وأربعين دولة بالاعتراف رسميا بسيادة المغرب على صحرائه، وتنهي بذلك “بحكم الأمر الواقع” هذا النزاع المفتعل، وتكتب شهادة الوفاة للكيان المصطنع، وتعجل بلم شمل الصحراويين المغاربة على أرض وطنهم الأم؟ الأيام وجهود مختلف الفاعلين المغاربة هي وحدها الكفيلة بالإجابة عن هذا السؤال..