الرئيسية / دراسات / مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية
د-.-زياد-حافظ

مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية

ليس من السهل استشراف مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية. فخلافا لما يشاع لسنا متأكدين مما يُعتبر من الثوابت في السياسة الخارجية الأميركية أي متانة العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فهناك عدة مؤشرات تدلّ على تحوّلات كبيرة شبيهة بالتحوّلات لتحرك الصفائح التحتية الأرضية التي إذا ما تحرّكت أدّت إلى زلازل في الحدّ الأدنى أو إلى براكين متفجرة أو إلى سقوط قارات بكاملها. فما هي تلك المؤشرات؟
أولا، عامل الغضب من السلوك الصهيوني هو المؤشر الأول للتحوّلات المرتقبة. فهناك العدوانية المتزايدة في السلوك والخطاب السياسي من قبل القادة الصهاينة الذين تجاوزوا الأعراف الدبلوماسية المألوفة. صلافة السلوك تدل عن استهتار بالشعور الأميركي كما يعبّر عنه رئيس وزراء الكيان بقول مأثور: “يمكن تحريك أميركا بسهولة”. ونرى ذلك القول المأثور في عديد من المدوّنات الأميركية ما يدّل عن تنامي الغضب تجاه السلوك الصهيوني.فزيارة رئيس وزراء الكيان إلى الولايات المتحدة وخطابه أمام الكونغرس دون التنسيق مع البيت الأبيض ليست إلاّ حلقة في سلسلة من الإهانات التي تعمدّها حكّام الكيان الصهيوني للرئيس الأميركي وقبله ومعه نائب رئيسه جوزيف بايدن وطبعا وزير خارجيته جون كيري.
كما لا يجب أن ننسى تدخّل رئيس وزراء الكيان الصهيوني في الانتخابات الرئيسية عام 2012 لمصلحة المرشّح الجمهوري ميت رومني وذلك ضد الرئيس أوباما بالذات معلنا التدخّل الصهيوني الإسرائيلي في الشؤون الداخلية لدولة تمدّ الكيان بالمساعدات المالية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية! هذا يعني تدخلّ اللوبي الصهيوني بشكل مباشر ضد الرئيس الأميركي إلاّ أن هُزم كل من رومني ومعه رئيس وزراء الكيان واللوبي الصهيوني الذي يعمل لمصلحته!
استطاعت الإدارة الأميركية “بلع الموس” لاعتبارات عديدة منها الدور الوظيفي للكيان في السياسة الخارجية الأميركية ومنها الاعتبارات الداخلية كنفوذ اللوبي الصهيوني وتعاطف شرائح واسعة من الشعب الأميركي مع الكيان خاصة بين الإنجيليين الذين يعتبرون قيام مملكة إسرائيل ممهدة لعودة سيدنا المسيح. وهناك من يعتقد أن ظروف نشأة الكيان مشابهة لنشأة الولايات المتحدة من استعمار وقتل وتهجير السكان وفقا لرؤية توراتية للأمور! وفي هذا السياق لم يختلف سلوك الإدارة الحالية عن سلوك إدارات سابقة (باستثناء إدارة بوش الأب) التي برّرت العديد من التجاوزات في السلوك من قبل الكيان الصهيوني.
لكن على ما يبدو فقد طفح الكيل عند العديد من المعلّقين المرموقين في الاعلام الأميركي. فالإعلامي كريس ماثيوز وهو مقدّم لبرنامج واسع الإتباع من الجمهور الأميركي عنوانه “الكرة الصعبة” (هارد بول) بمعنى برنامج يطرح الأسئلة الصعبة، سئل في 4 آذار/مارس 2015: هل هناك من يتذكّر متى أتى إلى الولايات المتحدة مسؤول لدولة ينتقد فيها سياسة رئيس الدولة الأميركية أمام الكونغرس الأميركي ويتمّ التصفيق له؟ وهناك أمثال عديدة عن استياء المعلّقين من صلافة رئيس الوزراء الصهيوني واللوبي الصهيوني الذي وضع في الميزان الولاء للرئيس الأميركي أو لمسؤول دولة أخرى وإن كانت “صديقة”! كما هناك استياء كبير من الكونغرس الأميركي الذي استقبل بحفاوة مسؤول دولة أجنبية لم يوفّر الإهانات للرئيس الأميركي ومعاونيه! فانتخابات عام 2016 الرئاسية والنيابية وفي مجلس الشيوخ قد (ونشدّد على “قد”) تكون مفتاحا لمساءلة الكونغرس الأميركي واللوبي الصهيوني. والمدوّنات الأميركية لوسائل الإعلام الأميركية المهيمنة والتي تنافسها مليئة بحوارات ساخنة بين مؤيّد ومعارض لسياسات الكيان وصلافة سلوك مسؤوليه. نعي أن هذا الغضب لم يصل إلى مستوى القطيعة ولكنه يشكّل محطّة غير مسبوقة في العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان فيمكن البناء عليها إذا ما وجد موقف عربي حازم تجاه الكيان وهو ما هو غائب بشكل كلّي حتى الآن!
ثانيا، المؤشر الثاني هو الاستياء عند المؤسسة العسكرية الأميركية من الأداء الصهيوني في دوره الوظيفي في المنطقة. فبعد خروج الكيان من لبنان دون قيد أو شرط أو أي اتفاق أمني أو سياسي مع الدولة اللبنانية عام 2000 جاءت سلسلة الإخفاقات العسكرية في كل من 2006 في لبنان وغزّة في 2008 و2009 و2012 و2014. عدد من القادة العسكريين الأميركيين المرموقين عبرّوا في جلسات استماع عديدة للكونغرس الأميركي عن استياء المؤسسة العسكرية الأميركية من أداء الكيان الصهيوني المتهوّر الذي أصبح عبئا على المصالح الاستراتيجية الأميركية وأهم من ذلك خطرا على الأمن العسكري الأميركي في المنطقة. فالتصعيد الكلامي للكيان الصهيوني ضد كل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسورية والمقاومة في لبنان خلال السنوات الماضية، وخاصة بعد الإخفاقات الأميركية في كل من أفغانستان والعراق، أصبح يشكّل تهديدا خطيرا على الولايات المتحدة إذا ما انجرّت إلى حروب جديدة في المنطقة هي غير مستعدّة لخوضها كما عبّر عن ذلك العديد من القادة العسكريين الأميركيين كمايكل مولين الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة.
ثالثا، هناك مؤشر خطير بالنسبة للكيان الصهيوني هو انقسام الرأي العام اليهودي في الولايات المتحدة. حتى فترة غير بعيدة من الزمن كان الكيان الصهيوني يتمتّع بدعم الأكثرية الساحقة للجالية اليهودية سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين. ولكن بدأ الشرخ منذ فترة وأخذ يتنامى. فعند اليهود الديمقراطيين هناك من يتذمّر من صلافة الحكومات اليمنية الصهيونية. وليست منظمة “جاي ستريت” التي أوجدها جريمي بنيامي إلاّ دليلا قاطعا على وجود ذلك الشرخ. فهذه المنظّمة ما زالت ملتزمة بأمن الكيان الصهيوني ولكنها تدعو إلى السلام وإلى حلّ الدولتين الذي ضربه عرض الحائط اليمين الصهيوني داخل الكيان. ما زال نفوذ منظمة “أيباك” كبيرا ومؤثرا في الحياة السياسية الأميركية وتدعم بشكل مطلق حكومة الكيان الصهيوني وخاصة رئيس وزرائها ولكنها أيضا أعربت عن امتعاضها لطريقة زيارة رئيس وزراء الكيان للكونغرس الأميركي بسبب الضرر الذي سيلحق بالعلاقات الأميركية الصهيونية. فهذا مؤشر أن الضرر في العلاقات ليست عابرة بل أعمق بكثير مما يتصوّره البعض وخاصة في بعض الأوساط العربية التي ما زالت تراهن على الكيان وقوته ومتانة العلاقات مع الولايات المتحدة.
وتأكيدا على تراجع النظرة الإيجابية تجاه الكيان الصهيوني في الولايات المتحدة أجرت جامعة ماريلاند استطلاعا بين الديمقراطيين أكدّت ذلك التراجع حتى قبل مجيء رئيس الوزراء. وقد نشرت نتائج ذلك الاستطلاع في مقال في مجلّة “فورين بوليسي” المعروفة بميولها الصهيونية بما يدّل عن عمق التراجع وأهمية الموضوع. من جهة أخرى يقول فيليب ويس أحد مؤسسي موقع “موندوويس” (عالم ويس) في نشرة 6 آذار/مارس 2015 أنه بات يطرح بشكل جدّي مسألة ولاء اليهود الأميركيين للولايات المتحدة أم للكيان بشكل عام وحتى في الكونغرس! هذا ما أكدّه الن هارت في مقال مثير على موقع المحاربين القدامى الأميركيين (فيترانز توداي) في 28 كانون الثاني/يناير 2015 أي حتى قبل الزيارة! فهناك استياء متزايد، في العديد من وسائل الاعلام التي ما زالت تحافظ على حدّ أدنى من الاستقلالية، من سطوة الكيان الصهيوني على السياسة الخارجية الأميركية. وبغض النظر عن النتائج المباشرة لذلك الشعور المتنامي فإن مجرّد طرح تلك الأسئلة يعتبر تطوّرا كبيرا قد يعطي ثماره في المستقبل.
ومن مؤشرات التململ عند اليهود الأميركيين استقالة مارتن اينديك من مؤسسة بروكنز، وهي تحظى بالمرتبة الأولى في العالم لخزّانات الفكر، من منصبه كرئيس لمكتب شرق الأوسط. المهم ليس في الاستقالة بل في كتاب الاستقالة حيث برّرها بعدم استطاعته تبرير سياسات الحكومات الصهيونية التي أصبحت تشكّل تهديدا ليس فقط على مستقبل الكيان بل حتى على مستقبل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة. ولا بد من الإشارة إلى الحوار الحاد الذي جرى بينه وبين المعلّق الصهيوني ولف بليتزر على شاشة قناة “سي أن أن” حيث استمات بليتزر بالدفاع عن رئيس وزراء الكيان بينما اينديك كان يخالفه في الرأي حول جدوى الزيارة والخطاب في الكونغرس والطريقة التي حصلت!
وفي سياق مماثل عبر جون جوديس، وهو كبير المحرّرين في مجلة “نيو ريبابليك” (الجمهورية الجديدة) المقرّبة من الحزب الديمقراطي والمتعاطفة مع الكيان بشكل مطلق، في مقال هام جدا في مجلّة “فورين افيرز” الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية المرموق عن تلاشي الاجماع عند الحزبين في الدعم المطلق للكيان الصهيوني. جاء في ذلك المقال استرجاع تاريخ العلاقات بين الحزبين والحركة الصهيونية منذ بداية القرن الماضي حتى اليوم. تاريخيا كان الحزب الديمقراطي حزب أنصار الكيان ولكن التغييرات التي حصلت في بنية الحزب الجمهوري أوجدت عبر الانجيلين تعاطفا أكبرا وعقائديا عند الحزب الجمهوري تجاه الكيان. بالمقابل هناك تحوّلات داخل الحزب الديمقراطي أدّت إلى التمييز بين التعاطف مع الكيان وسياسات حكوماته وخاصة اليمينية. فالحزب الديمقراطي بشكل عام مع عناصره اليهودية تؤيّد حل الدولتين لإحلال السلام مع الفلسطينيين بينما الكيان وحكومته اليمينية المتطرّفة لا يريدان حلاّ للفلسطينيين! لذلك يعتبر جوديس أن الإجماع بين الحزبين في التأييد المطلق للكيان أصبح مهتزّاً!
رابعا، اما المؤشر الرابع فهو زيادة الوعي لدى الرأي الأميركي بشكل عام وخاصة بين الشباب في الجامعات من تجاوزات الكيان الصهيوني لحقوق الفلسطينيين. ونرى ذلك التحوّل في المؤسسات الجامعية التي أقدمت على مقاطعة الدراسات والأساتذة الصهاينة رغم محاولات المؤسسات الصهيونية في منع ذلك. كما أن الكنيسة الانجيلية البرسبسترية بدأت منذ عدّة سنوات عملية استثمار معاكسة لمحفظاتها المالية من تصفية استثمارات في شركات صهيونية أو شركات دولية تتعامل مع المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والجولان المحتل. وعلى ما يبدو فإن حملة مقاطعة وعدم استثمار وحتى فرض العقوبات على الكيان والمعروفة بحملة “بي دي أس” (مقاطعة وعدم استثمار وعقوبات) أصبحت تعطي ثمارا لم تستطع منعها المؤسسات الصهيونية الأميركية رغم نفوذها وسيطرتها على العديد من المرافق الإعلامية والجامعية. لكن علينا أن ننبّه أن الزيادة في الوعي والرأي العام الأميركي لا يعني أن الأكثرية تخلّت عن الكيان ولمصلحة الفلسطينيين بل أن نسبة تلك الأكثرية تضاءلت بشكل ملموس وما زالت على مسار ذلك التراجع.
ومن تجلّيات زيادة ذلك الوعي بروز كتابات ومقالات في المرافق الإعلامية العادية والجامعية تبرز وجهات نظر مختلفة عما كان مألوفا طيلة عدة عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فلا يمكن التقليل من صدى ردود الفعل على مقال ثم كتاب الأستاذين الجامعيين المرموقين جون ميرشهايمر وستيفن والط حول دور اللوبي الصهيوني. كما لا يمكن تجاهل كتاب الناشطة اليسون وير رئيسة منظمة “لو كنّا نعرف” ورئيسة منظمة مجلس المصلحة الوطنية (وهي مؤسسة تضمّ ديبلوماسيين أميركيين متقاعدين وصحفيين وأساتذة جامعيين جميعهم معنيون بالسياسة الخارجية الأميريكة). جاء في كتابها وثائق وحقائق حول دور الصهاينة في الولايات المتحدة في زجّها في نشأة الكيان ضد مصلحة الشعب الأميركي، ناهيك عن بات بيوكانان، المرشّح السابق للرئاسة عن الحزب الجمهوري، الذي يعتبر الكونغرس أرضا محتلّة من قبل اللوبي اليهودي. بيوكانان يمثل الحزب الجمهوري التقليدي قبل اختطافه من قبل الانجيليين الجدد وحزب الشاي. فهو يمثل شريحة واسعة من الأميركيين وهذا ما لا يجب إغفاله. بيوكانان ليس وحيدا في الحزب الجمهوري فهناك أيضا الاقتصادي بول كريغ روبرتس مساعد وزير المالية الأسبق في عهد ريغان وصاحب مدوّنة. مقالاته تنشر في عدة مواقع أيضا مما يؤمّن تواصلا مع العديد من القرّاء، وهو من أشدّ المنتقدين للمحافظين الجدد واللوبي الصهيوني الذين حمّلوا الخزينة الأميركية أعباء كان بالإمكان تفاديها لولا اللوبي الصهيوني ومتطلّباته في السياسة الخارجية والحروب العبثية التي خاضتها الولايات المتحدة لمصلحة الكيان وليس لمصلحة أميركا!
وأخيرا أصبح المواطن الأميركي العادي يستطيع مشاهدة أفلام عن فلسطين ومعاناة الفلسطينيين حتى من مخرجين فلسطينيين في دوائر السينما العادية على محطات الفضائية الخاصة. كما أصبحنا نرى يافطات مندّدة بالاحتلال الصهيوني وداعية لإيقاف المساعدات الأميركية للكيان الصهيوني على وسائل النقل المشترك في المدن الكبيرة كنيويورك والعاصمة الأميركية واشنطن. لم يكن أحد من العرب المقيمين في الولايات المتحدة أن يتصوّر ذلك منذ خمس سنوات مثلا!
هذه بعض المؤشرات التي تدلّ عن تغيير في الرأي العام والوعي الأميركي. هذا لا يعني أن العلاقة مع الكيان قد انهارت ولكنّها تصدّعت حيث عامل الثقة بين الطرفين تلاشى إلى حدّ كبير. الرئيس الأميركي أوباما في حملته الانتخابية الرئاسية الأولى والثانية كرّر التزام الولايات المتحدة بأمن الكيان ولكن أيضا عدم الالتزام بسياسات حكومات الكيان إذا ما كانت متعارضة مع المصلحة الأميركية. هذا التباين مهم لأنه يمهّد إلى حقبة مقبلة حيث المصلحة الأميركية ستقود سياستها في العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص وإن تضاربت مع مصالح حكومات الكيان. أضف إلى ذلك النزعة البرغماتية لدى الأميركيين الذين يتوقعون نتائج إيجابية لاستثماراتهم في التحالفات. فإن توقف أو تراجع المردود لتغيّرت تلك الاستثمارات وحتى التحالفات. فليس من الصدف أن يتزايد القلق داخل الجالية اليهودية من تصرّفات الحكومات الصهيونية التي قد تطيح ليس فقط بالعلاقة مع الكيان بل حتى مستقبل الكيان والجالية اليهودية في آن واحد. القضية أصبحت مسألة متى وليست مسألة إذا! طبعا لو كان الموقف العربي أشدّ وضوحا في مصلحة القضية الفلسطينية لكانت حرّية الحركة للمسؤولين الأميركيين أكبر تجاه الكيان. فحتى فترة وجيزة كانت كلفة مواجهة الكيان كبيرة بينما تجاهل الموقف العربي دون أي كلفة. فهل هناك من يتّعظ عند الحكومات العربية؟

*أمين عام المنتدى القومي العربي