الرئيسية / دراسات / حركة الإصلاح المالكي بالمغرب ودور وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي خلالها
384e0374cd72d115f3b3d7ee12926dd3

حركة الإصلاح المالكي بالمغرب ودور وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي خلالها

مقدمة
صدرت بحوث كثيرة ودراسات متعددة عن المذهب المالكي بالمغرب وأصوله وأسباب نشأته، وتعرضت الدراسات الكثيرة لأدوار المذهب المالكي ورجالاته في تاريخ المغرب منذ القديم وحتى العصر الحديث، وأهمية ما قام به علماء المالكية في الغرب الإسلامي من جهود لترسيخ السنة النبوية الشريفة ممثلة في مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، ومن التصدي للنحل الضالة والمذاهب المنحرفة، وما نتج عن جهادهم من توحيد المغرب عقيدة وفقهاً، وقد شملت هذه الحركة مراكز علمية ومدارس منوعة وأعلاماً عظاماً أسهم كل واحد بنصيبه في إقامة هذا البناء العقدي العلمي الاجتماعي الذي ورثناه عن أسلافنا رحمهم الله، ومن هؤلاء العلماء الذين كان لهم فضل عظيم على بلاد المغرب الشيخ العلامة المجاهد وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي أسهم في نشر العلم والمعرفة وخدمة المجتمع وتوجيهه نحو الأفضل، وذلك من خلال المعطيات الضئيلة المتوفرة حول حياته وأعماله العلمية.
    
1 – حركة الإصلاح المالكي في الغرب الإسلامي
شهد المغرب الإسلامي في القرون الإسلامية الأولى حركة دائبة للتمكين للدين الإسلامي في المجتمع والفكر والثقافة، وربط المسلمين بالعقيدة السمحة واجتثاث جذور الوثنية والانحراف العقدي من نفوسهم الفطرية، وقد عمل الفقهاء والعلماء لأجل هذا الهدف اعتماد على منهجين:
أ –  منهج نشر السنة النبوية ممثلة في الفقه المالكي المعبر عن ارتباط المسلمين بدينهم ووحي ربهم وسنة نبيهم من خلال التزام الأوامر ومفارقة النواهي والبحث عن حلول المستجدات والنوازل في اجتهادات الفقهاء السالفين وما بني عليها من فتاوى المتأخرين ملتزمين بأصول الاستنباط والاقتداء بالأيمة الأعلام للمذهب المالكي من الذين وضحوا أصوله وطبقوا مبادئه في استنباط الأحكام الشرعية الموافقة لأحوال المسلمين المجيبة عن تطلعاتهم الاجتماعية والفكرية، والرد على المذاهب الفقهية المنافسة التي تقدم الرأي على النص كما ردوا على القدرية والمعتزلة([1])، وقد تزعم هذه الحركة العلمية المباركة أئمة كبار وأعلام عظام برزوا في مدرستين عظيمتي التأثير هما:
– مدرسة القيروان وضع أسسها الإمام عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي المشهور بسحنون (160-240 ﻫ)([2]) مؤلف المدونة الكبرى التي أخذها عنه طلبة كثيرون تخرجوا به وصنفوا حولها شروحاً وتعاليق، مثل ولده محم بن سحنون (ت. 255 ﻫ)([3]) ويحيى بن عمر (ت. 289 ﻫ)([4]) وعنهم أخذ علماء آخرون من أبرزهم ابن أبي زيد القيرواني مؤلف الرسالة.
– مدرسة الأندلس أسسها الإمام يحيى بن يحيى الليثي المصمودي (152-234 ﻫ)([5]) وانتشر تأثيرها بفضل جهاده في التعليم والتربية فصدر عنه طلبة كثيرون نشروا علمه وفقهه، من أبرزهم محمد بن وضاح، وزياد بن محمد المعروف بشبطون، وإبراهيم بن قاسم بن هلال.. وغيرهم كثير.
وقد انتشر بفضل هذين العالمين الكبيرين للسنة النبوية صيت عظيم كما رفعا لواء المذهب المالكي وعملا به ومكّنا له في تعليمهما وما كان لهما من الحظوة والجاه في مجمعيهما، وجعلا كل ذلك في خدمة سنة النبي r.
ب – منهج مقاومة المذاهب المنحرفة التي كان الغرب الإسلامي حافلاً بها كالخوارج والروافض والبرغواطيين خاصة في المغرب بسبب ضعف السلطة المركزية وبروز الإمارات المستقلة المتناحرة، وقد توسل الفقهاء بكل وسيلة من المقاطعة والمقاومة السلبية والمناظرة العلمية والسجال الفكري والمناجزة العسكرية([6])، واستطاعوا أن ينصروا السنة في صراعها مع البدع والضلالات، فضيق الأمويون بالأندلس على العبيديين خوفاً من أن يمتد نفوذهم إلى الجزيرة إلى أن ضعف أمرهم واندحروا بإفريقية، ثم قضى المرابطون على النحل المتعددة بالمغرب وجمعوا كلمته على السنة([7])، وذلك بفضل المالكية التي كانت «العقل الذي عصم أهل المغرب من شرور الفتنة في عصر كادت ريح الشر تعصف بالمجتمع، صمدت المالكية للخارجية فأتت عليها، وصارعت المعتزلة، وانتصرت على العبيديين، وحفظت على المجتمع وحدته وقوته، وسلمته للأجيال التالية سليماً معافى، ومصداق ذلك ما رواه الرحالة ابن جبير حين قال: إنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب لأنهم على جادة واضحة وما سوى ذلك بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع وفرق أو شيع إلا من عصم الله عز وجل من أهلها»([8]).

2 – دور التعليم في نشر مبادئ الإصلاح
لا شك أن التعليم وسيلة ترسيخ الأفكار ودحض الشبهات وتقويم المجتمع وإزالة الانحرافات منه، ولتحقيق ذلك اعتمد فقهاء المالكية في الغرب الإسلامي على التعليم بأنواعه، فهناك:
– التعليم العام أو الشعبي والمقصود منه الاتصال بعامة الناس وتعليمهم شؤون الدين وأسس العقيدة والمعاملات، حتى يكونوا على السبيل القويمة، ويتجنبوا الانحراف والضياع، وقد آتى هذا النوع من التعليم أكله فمكَّن العلماء من حماية عموم الناس من الانحرافات العقدية وصيانتهم من الانسياق مع مبادئها الضالة، ولم يكن ذلك بسبب مجالس الوعظ والتذكير فحسب، وإنما لأن فقهاء المالكية في ذلك العصر المبكر مثلوا النموذج المتألق للمسلم الصحيح الإيمان الزاهد الورع، الساعي لخير جماعته المضحي في سبيل مبادئه، وقد ورث فقهاء المالكية ذلك كله من الإمام مالك رضي الله عنه الذي كان لهم أسوة في الخلق القويم والورع والزهد والصدع بالحق، فكان لهؤلاء الفقهاء مواقف حازمة من الانحراف والضلال، تسنموا بفضلها مكانة مرموقة في نفوس الناس وصاروا عندهم في «مرتبة الزعماء الذين يدافعون عن الضعفاء والمغلوبين، ويعارضون الحكام في سبيل إعلاء الحق، ويستشهدون في سبيل عقيدتهم، فآمنوا بزعامتهم»([9]).
– التعليم المتخصص الموجه للناشئة من الشباب اليافع في المساجد  والرباطات، والذي يهدف إلى توفير المعرفة والتكوين العلمي للأجيال الجديدة، حتى تستطيع – على اختلاف مؤهلاتها – الوفاء بحاجات المجتمع العلمية والمعرفية وضمان استمرار العلم الشرعي المرتبط بالسنة النبوية الشريفة، وتصديه للنوازل والمشاكل، وهكذا تسلسل العلم وبرز العلماء يأخذ كل جيل منهم عن السابق لينقل المعرفة إلى اللاحق، فكان التعليم الشغل الشاغل لعلماء المغرب الإسلامي الكبار وما من أحد منهم إلا وأنفق حياته في تكوين الأجيال الجديدة وتثقيفها.
لقد صار التعليم والتكوين من أعظم المهام التي اشتغل بها علماء الغرب الإسلامي، لأنهم كانوا يؤمنون بأهمية التعليم وكونه من مراتب العبادة السامية وكانوا واعين بأهميته وضرورته للحفاظ على أمن المجتمع وعقيدته وتضامنه، ولعل مما يدل على هذه العناية الفائقة بروز التأليف حول أساليب التربية والتكوين ومناهجهما، فنجد في إفريقية محمد بن سحنون (256 ﻫ) وعلي بن محمد بن خلف المعافري القابسي (324-403 ﻫ) يهتمان بالموضوع ويبسطان فيه القول تنظيراً وتطبيقاً واستيحاء من سنة النبي r وسيرته العطرة، مما يشير إلى سعي دائب للنجاح في التعليم وبلوغ الهدف في تكوين المسلم الصالح المصلح([10]).
وتحفل كتب التراجم بأخبار العلماء العاملين الذين كونوا الأجيال وخرجوا العلماء وقادوا الفكر والمجتمع في تلك المرحلة نذكر منهم:
•   جبلة بن حمود الصدفي (ت. 299 ﻫ) الذي قام في وجه العبيديين وتصدى لأعوانهم ومن ناصرهم، بالعداء والمقاطعة وسار خلفه الناس متبعين ما يشير به([11]).
•     سعيد بن محمد الغساني المشهور بابن الحداد (ت. 302 ﻫ) العالم الزاهد الذي نافح عن العقيدة والدين بمناظراته ورده شبهات المنحرفين وإفحامهم، فكان ذلك سبب تثبيت الناس على عقيدتهم وصبرهم على الأذى والضرر([12]).
•  عبد الملك بن حبيب السلمي الإلبيري (ت. 238 ﻫ) فقيه الأندلس وعالمها، درس عليه الجم الغفير من الطلبة وتخرجوا به([13]).
•   محمد بن وضاح بن بزيع المرواني (287 ﻫ) العالم المحدث المحتسب في نشر العلم، أخذ عنه جمّ غفير من علماء الأندلس وقضاته وفقهائه([14]).
هؤلاء العلماء نماذج لمن أفنوا أعمارهم في التدريس وأخلصوا فيه جهودهم لله فآتت أكلها فصاروا علماء وفقهاء جمعوا بين الفقه والصلاح والتربية والمعرفة، وكانوا سبباً في تسلسل العلم في الأجيال اللاحقة مرفوقاً بالعمل والإصلاح والإحسان فيهما معاً، فبرز علماء آخرون في القرنين الرابع والخامس لا يقلون مكانة  عمن سبقهم، بل أضافوا إلى سلفهم الماجد جداً وجهاداً في التعليم العلمي والإصلاح الاجتماعي المؤسس على رؤية عقدية فقهية حصيفة، نذكر منهم عبد الرحمان بن عبد الله القيرواني وخلف بن عمر الحناط وعلي بن محمد المعافري القابسي ومحمد بن سعدون الباجي وقاسم بن أصبغ البياني ومحمد بن عمر بن لبابة، وغيرهم من العلماء الذين اشتغلوا بالتدريس عقوداً طويلة، وعنهم اخذ علماء الغرب الإسلامي وتأثر بهم فقهاء المغرب وتأثروا خطاهم في إصلاح المجتمع وتوحيد الأمة ونفي الانحراف في العقيدة والشذوذ في المذاهب الفقهية([15]).
اعتمد فقهاء المالكية التعليم والتكوين في حركتهم الإصلاحية سواء لنشر مذهبهم وترسيخ أسسه في المجتمع أو لمحاربة الفرق الضالة مثل الروافض والخوارج وغيرهم، وحينما نأخذ مثال ابن أبي زيد القيرواني وعمله في مجال التعليم بالقيروان، نجده قد خرج مئات من الطلبة نبغ منهم عشرات الفطاحل الكبار الذين انتشروا في بقاع الغرب الإسلامي لترسيخ الإسلام وعقيدته السمحة([16])، فعن ابن أبي زيد أخذ أبو عمران الفاسي([17]) شيخ وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي الذي نقل معارفه إلى طلبته وتلاميذه فوصلت بهم حركة الإصلاح منتهاها بقيام دولة المرابطين على يد عبد الله بن ياسين التمنارتي.

3 – وﮔﺎﮒ بن زلو وحركة الإصلاح المالكي
نشأت التقاليد العلمية الفقهية المالكية بالشرق وانتقلت إلى إفريقية والأندلس حيث تأسست مدرستان عريقتان للفقه المالكي، نبع منهما فقهاء الغرب الإسلامي العظام ونهلوا أسس الإصلاح الاجتماعي المؤسس على العقيدة الصحيحة والاجتهاد الفقهي في ربط المجتمع بالشرع ورد الناس إلى سبيل الحق والوقوف في وجه الظلم والجور، وقد تأثر المغاربة بهاتين المدرستين في تلك المرحلة الصعبة من تاريخهم المتميزة بعدة سمات، نذكر منها:
– الاضطراب السياسي، بسبب الفوضى والانقسام وانعدام سلطة مركزية قوية تحكم البلاد وتصلح أحوالها، فصار مجالاً للصراع بين المذاهب المختلفة وساحة للنِّزَال بين القوة العبيدية في إفريقية والقوة الأموية في الأندلس.
– الفوضى العقدية، فقد تسربت إلى المغرب المذاهب المشرقية المنحرفة وبرز الخوارج والروافض كما نشأت نحل ضالة من أمثال البورغواطيين، وكان لكل مذهب سند شعبي وسياسي يقيم أوده ويناصره.
ولما رأى علماء المغرب ما كانت عليه بلادهم طمحوا إلى إصلاح أوضاعها خاصة بعد انتصار المالكية في إفريقية على العبيديين، واستمرار منهج أهل السنة والجماعة في الأندلس، فعملوا على تنسيق جهودهم والاعتماد على التعليم والتربية لتغيير المجتمع عبر تذكير عامة الناس ووعظهم وتكوين أجيال جديدة من العلماء المستنيرين بسنة النبي r وهديه، ومن هؤلاء العلماء القائمين بهذه الأمانة في هذه المرحلة وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي.

أ – من هو وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي
ينتسب إلى قبيلة لمطة التي كنت مستقرة على وادي نول لمطة في منطقة أيت باعمران الحالية([18])، قال صاحب “الاستبصار”: «ومن بلاد السوس مدينة نول لمطة، وهي مدينة كبيرة في أول الصحراء على نهر كبير يصب في البحر المحيط، ومن مدينة نول إلى وادي درعة نحو 3 مراحل. وإنما سميت نول لمطة لأن قبيلة لمطة يسكنونها وما وراءها وهي آخر بلاد السوس»([19]).
ينتمي الشيخ وﮔﺎﮒ إلى الشرفاء الأدارسة حسب ما يدل على ذلك مشجر أنساب أسرته الوارد في “المعسول”([20])، واسمه محمد([21]) غير أنه اشتهر بلقبه (وﮔﺎﮒ) المكون من واو النسبة وكلمة (أﮔﺎﮒ) ومعناه الفقيه العليم بالقرآن والفقه – حسب ما ورد في معجم شارل دوفوكو([22]) – فيكون معنى لقبه ابن العالم أو ابن الفقيه([23])، ولا نعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاده ولكننا نرجح أن يكون قد ولد فيما بين سنتي 350 و360 للهجرة، وكان والده طبقاً لتفسير لقبه عالماً فقيهاً، فيكون ناشئاً في أسرة علمية مما ساعده على التفرغ للدراسة والتعلم، فحفظ القرآن الكريم ودرس مبادئ العلوم ثم بدأ رحلته العلمية، والغالب أنه درس بمراكز العلم في منطقته، ثم انتقل إلى الحواضر المغربية، فهل يكون درس بفاس وتعرف هناك على أبي عمران الفاسي قبل أن ينفيه منها بنو أبي العافية المكناسيون لَمّا قام فيهم آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟([24]).
رحل وﮔﺎﮒ إلى القيروان وهناك لقي عبد الله بن أبي زيد القيرواني المتوفى سنة  386 ﻫ ودرس عليه كما أشار إلى ذلك صالح بن أبي صالح في كتاب “القبلة”([25])،  ثم لازم تلميذه أبا عمران الفاسي حتى تخرج عليه، ولا يبعد أن يكون درس على علماء آخرين بالقيروان ممن كانوا يملأونها علماً وفضلاً، وبعد أن اكتفى من الأخذ عاد أدراجه إلى المغرب للمشاركة في التربية والتعليم بمعية طائفة من زملائه في الدراسة، وقد توفي مخلفاً ثلاثة من الأبناء الذكور هم: ياسين ويحيى وأبو علي([26])، كما تخرج على يديه جمّ غفير من الطلبة.

ب – شهادة أبي عمران الفاسي في تلميذه وﮔﺎﮒ
لا شك أن إسهام الشيخ وﮔﺎﮒ في إقامة دولة المرابطين بفضل إرسال تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء أسهم في إبراز شخصيته والتعريف بها فكم من العلماء الذين تخرجوا قبله وبعده على شيوخ القيروان والأندلس، قد طواهم النسيان ولم نعد نعرف عنهم شيئاً أو لا تذكر المصادر أسماءهم، وبسبب ارتباط الشيخ وﮔﺎﮒ بدولة المرابطين وصلتنا شهادة أستاذه الفاسي فيه حينما أشار على الأمير الكدالي بأن يقصده في رباطه بواد نفيس ليستشيره في أمر إرسال أحد الفقهاء معه إلى الصحراء، ونص الشهادة كما نقلتها المصادر التاريخية:
«إنني أعرف ببلاد نفيس من أرض المصامدة فقيهاً حاذقاً تقياً ورعاً لقيني وأخذ عني علماً كثيراً، وعرفت ذلك منه، واسمه وﮔﺎﮒ بن زلو اللمطي من أهل السوس الأقصى وهو الآن يتعبد ويدرس العلم ويدعو الناس إلى الخير في رباط هنالك، وله تلامذة جمة يقرؤون عليه العلم»([27]).
وهذه الشهادة تبرز مكانة وﮔﺎﮒ عند شيخه ومقدار تحصيله العلمي، وسماته الْخُلقية، فقد وصفه شيخه الفاسي بـ:
— العلم الكثير: والمقصود به العلوم التي أخذها وﮔﺎﮒ عن شيخه الفاسي، والتي درسها هو كذلك عن شيوخه بالقيروان وبغداد، مثل الفقه والحديث والأصول واللغة العربية، ولا ريب أن الشيخ وﮔﺎﮒ قد حصّل منها ما جعله يوصف بالعلم الكثير.
— الحذق: وهو المهارة وحسن الفهم والتصرف، فالشيخ وﮔﺎﮒ لم يأخذ العلم حفظاً وفهماً فحسب بل أخذه تطبيقاً ومهارة في العمل به، فجمع إلى العلم العمل وإلى حسن فهم النوازل واستنباط الأحكام تَنْزِيل المعرفة على الواقع ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهي كلها صفات تدل على مهارته وفهمه.
— التقوى: وهو الخوف من الله تعالى ومراقبته في كل شيء، وهو أساس التعلم الذي تصح به النية ويستقيم العلم ويصلح العمل وتثمر الجهود.
— الورع: وهو الاحتراز للدين وتوقي الشبهات ومعاملة الناس بالإحسان إليهم الصبر على أذاهم، وتَنْزيه النفس عن الأطماع وتجنب تسخير الدين لنيل الدنيا، ولا أدل على ذلك مما أورده صاحب “التشوف” على لسانه حينما قصده المصامدة يلتمسون دعاءه، قال: «فذهبوا إلى وجاج بن زلو اللمطي وهو بالسوس، فلما وصلوه، قال لهم ما جاء بكم؟ فقالوا له: قحطنا وجئناك لتدعو الله لنا أن يسقينا، فقال لهم: إنما مثلكم كمثل قوم أبصروا جبح نحل فظنوا أن فيه عسلاً، ولكن انزلوا عندي فإنكم أضياف».
— ملازمة العبادة: وهي سمة لازمت فقهاء ذلك العهد فكان الصلاح ملازماً للعلم، والعبادة قرينة التدريس والتربية، ومن يطالع تراجم العلماء بالغرب الإسلامي آنذاك يجدهم مجدين في علمهم وعبادتهم ناصحين ورعين، ساعين إلى تطبيق ما تعلموا وتحقيق النموذج والقدوة الصالحة التي يتأسى بها مجتمعهم([28]).
— تدريس العلم: أي التعليم المتخصص الذي يستهدف نقل المعارف والعلوم اللغوية والشرعية النافعة، إلى الطلبة الشباب الناشئين مسددة بالتربية الخلقية الرامية إلى جعل العلم أساساً للعمل، وبناء الشخصية المسلمة السليمة من آفات النفس وأمراضها.
— دعوة الناس إلى الخير: وهو التعليم العام الذي يقصد حماية عامة الناس ممن لا يملكون المعرفة العلمية الرصينة، من النحل والضلالات والبدع بتعليمهم أسس العقيدة والعبادات وحثهم على التزام المعاملة الحسنة والخلق الحميد، بالوعظ والإرشاد في المساجد والمجاميع والأسواق والملتقيات…
— ملازمة الرباط: بوادي نفيس أولاً ثم بأﮔﻠﻮ ثانياً، والرباط أصلاً مكان للجهاد ومراقبة العدو، يجتمع فيه المقاتلون استعداداً لمجابهة العدو إن هاجمهم أو نزل بأرضهم، وقد توسعت وظيفته فصار مكاناً يخلو به العباد والزهاد ويجتمع فيه طلبة العلم ويقصده عامة الناس للاستفتاء والمشورة الفقهية ولطلب المساعدة الاجتماعية وللتظلم وطلب الحقوق، ويقوم فيه الشيخ العالم بدور الناصح والمعلم والمربي والساعي في الخير بين الناس([29]).
— كثرة الطلبة: حيث وصفهم أبو عمران الفاسي بالجم الغفير، مما يدل على نجاح الشيخ وﮔﺎﮒ في عمله التعليمي، وتوفقه في مساعيه لاستقطاب الطلبة وتكوينهم وتربيتهم، وكذلك مساندة مجتمعه له في مهامه التعليمية بتموين هؤلاء الطلبة والقيام بمعيشتهم، ولا ريب أن ذلك كله مؤسس على ما للشيخ وﮔﺎﮒ من سمعة طيبة وتقوى وورع مما جعله يحظى بالتقدير والاحترام. وكانت النتيجة أن تخرج به طلبة كثيرون انتشروا في بلاد المغرب وجنوبه على وجه الخصوص وعمروا مساجده بالعلم والتربية، ولا تسعفنا المصادر إلا في معرفة أسماء قلة قليلة منهم مثل أبنائه الثلاثة ياسين ويحيى وأبا علي ثم عبد الله بن ياسين التمنارتي وأبا القاسم بن عذري الفقيه، ولا شك أن كثيراً من الفقهاء الذين كان عبد الله بن ياسين يتصل بهم بجبال جزولة فيرسل إليهم أعشار قبائل لمتونة من زملائه في الدراسة بنفيس أو ممن أخذوا بأﮔﻠﻮ.
إن هذه الصفات المجتمعة التي وصف بها الشيخ وﮔﺎﮒ تبرز قدره ومكانته العلمية وسماته النفسية والتربوية، كما تظهر مكانته بين الناس وأنه كان مقبولاً مسموع الكلمة مجاب الدعوة، ولا شك أن قبائل المصامدة التي كانت تزوره وتستقي بدعائه قد خبرت ذلك منه عندما كان عندها بنفيس.

ج – أعماله التعليمية
عاد وﮔﺎﮒ بن زلو إلى المغرب بعد أن امتلأ علماً وفضلاً، ونوى العمل مع زملائه لإصلاح المجتمع المغربي بنشر السنة النبوية ومحاربة النحل الضالة، وقد مر عمله بمرحلتين الاستقرار بنفيس ثم الانتقال إلى أﮔﻠﻮ دون أن نغفل إشارة ابن خلدون إلى أنه كان بسجلماسة([30]):
— الاستقرار بمنطقة نفيس – كما وردت الإشارة إلى ذلك في كلام أبي عمران الفاسي – للتربية والتعليم والإسهام في محاربة البورغواطيين، وقد اختلف المؤرخون في تحديد المقصود من (نفيس) هل هي قرية ملكوس التي ذكرها البكري([31]) أو مدينة نفيس([32])، أو رباط على وادي نفيس في منطقة قليلة العمران([33]). كما اختلفوا في مكان نزوله أولاً هل هو نفيس أم أﮔﻠﻮ التي بها قبره الآن؟ قال محمد المختار السوسي معلقاً على ذلك: «ذكر هناك أن مسكنه في نفيس وقد أثار هذا مشكلاً اليوم. لأن (نفيسا) هو واد مشرف على (مراكش) ومحل قبر وﮔﺎﮒ يوجد في (أﮔﻠﻮ بضواحي (تيزنيت) على سيف البحر. ويؤيد أن مسكنه كان بعيداً من وادي (نفيس) ما في هذه الحكاية من الرحلة إليه([34]). ثم طول الرجوع إلى سكنى الراحلين في (نفيس)»([35]).
وإذا عرضنا الواقع الحالي لوجود قبر وﮔﺎﮒ بن زلو بأﮔﻠﻮ قرب تزنيت وما ورد في المصادر التاريخية عن نزوله بنفيس أمكننا أن نقرر – بناء على ما ذكر من سفر المصامدة لزيارته والاستسقاء به – أن وﮔﺎﮒ نزل أولاً بنفيس قرب أغمات وريكة، ولبث بها مدة طويلة خالط أهلها فعرفوا فضله وعلمه وأخلاقه، ثم انتقل إلى أﮔﻠﻮ لسبب دعاه إلى ذلك، ولم تنقطع صلة المصامدة به بل كانوا يزورونه.
ومما يؤيد هذا أن صاحب كتاب “القبلة”([36]) يذكر اجتماع طلبة ابن أبي زيد القيرواني بمنطقة أغمات وريكة لقتال البورغواطيين، ذاكراً وجود وﮔﺎﮒ بن زلو بينهم، قال: «ثم يلي ذلك المساجد التي بناها تلامذة أبي محمد (يقصد القيرواني) لأنهم جعلهم الله سبباً لإطفاء فتنة برغواطة الذين قاموا بالمغرب نحو ثلاثمائة سنة، لأن أول قيامهم في حدود خمسين ومائة من الهجرة إلى قريب من أربعمائة.. فلما وصل تلامذة أبي محمد أخذوا يقتلون كفار برغواطة وذلك لأنهم أشاروا إلى أبي محمد في ذلك فقال لهم إن كانت لكم بهم مقدرة فجاهدوهم وقدموا منكم أكثركم قبيلة، وقالوا: داود بن إيملول الصنهاجي، ثم يليه يحيى بن ويدفا الصادي من بلاد هسكورة، ثم يعلى بن مصلين الرجراجي، فكانت تلامذته من المصامدة الثلاثة المذكورين مع تونارت بن تيدي الرجراجي والولي بن يرزﻳﮕﻦ المرماري وواجاج بن زلو اللمطي وعبد الله بن أبي تاليلت اﻟژودي ويرزﻳﮕﻦ بن علي اﻟژودي ومحمد بن طاووس الهزميري الرجراجي وآخرين، من أهل أغمات وغيرهم ممن لم تعرف أسماؤهم، فقدموا داود بن يملول حتى قتل، ثم يحيى بن ويدفا حتى قتل، ثم ابنه حتى مات، فقدموا يعلى بن ﻣژلين وهو الذي بنى مسجد شاكر..»([37]).
وقد أشار الأستاذ أحمد توفيق في تحقيق كتاب “التشوف” للزيات إلى أن طلبة ابن أبي زيد القيرواني كانوا تحت إمرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن تايسييت([38])، في حين أن مؤلف كتاب “القبلة” ذكرهم بصفة طلبة أبي محمد فظن المحقق أن المقصود هو أبو محمد بن تيسييت بينما يشير صاحب كتاب “القبلة” على أن المقصود هو أبو محمد بن أبي زيد القيرواني صاحب كتاب “النوادر”، قال: «وإلى تلك الجهة بنى تلاميذ أبي محمد مساجدهم لأنهم حملوا عن أبي محمد ما ذكر في “النوادر..” ثم رجع عنه إلى ما ذكره في كتاب “مجمع الأصول..” إلى أن قال: وذكر أبو الطيب عبد المنعم أن ابن أبي زيد رجع عما ذكر في “النوادر..”»([39]).
فالمقصود إذن أبو محمد القيرواني مؤلف “النوادر” و”مجمع الأصول” وصاحب “الرسالة”، أما ابن تيسييت فيذكره صاحب كتاب “القبلة” ناقلاً عنه تحديد تاريخ بناء بعض مساجد أغمات فحسب، دون إشارة إلى زعامته الجهاد، ورد في النص: «أخبرنا أبو محمد عبد الله بن تيسييت وكاتبه قاضي أغمات وريكة أن مسجد أغمات وريكة بناها أميرها وطاس بن كردوس من بني أمية سنة خمس وأربعين ومائتين»([40]).
لقد اجتمع طلبة أبي محمد القيرواني بمنطقة أغمات التي كانت مجالاً لنفوذ البورغواطيين وقاموا بتنسيق الجهود العلمية التعليمية والعسكرية الجهادية فتوزعوا على رباطات المنطقة لنشر المذهب السني ممثلاً في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، فكان من نصيب وﮔﺎﮒ الاستقرار برباط نفيس متفرغاً للتدريس والتعليم، وهناك زاره يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي سنة  430 ﻫ([41])حاملاً رسالة الشيخ أبي عمران الفاسي التي تأمره بأن يرسل مع الأمير اللمتوني فقيهاً يعلم أهل الصحراء العقيدة السليمة وملازمة السنة النبوية ويردهم إلى طريق الخير والحق رداً جميلاً، ونص كتاب أبي عمران: «أما بعد إذا وصلك حامل كتابي هذا وهو يحيى بن إبراهيم اﻟﮕﺪالي  فابعث معه من طلبتك من تثق بعلمه ودينه وورعه وحسن سياسته ليقرئهم القرآن، ويعلمهم شرائع الإسلام ويفقههم في دين الله، ولك وله الأجر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً»([42]).
ومن هناك انطلق عبد الله بن ياسين التمنارتي([43]) ليؤسس مشروع الإصلاح على أسس اجتماعية وسياسية قوية أنتجت دولة المرابطين.
— الانتقال إلى أﮔﻠﻮ: انتقل الشيخ وﮔﺎﮒ – في تاريخ لا نعرفه بالضبط – إلى منطقة أﮔﻠﻮ الواقعة غرب مدينة تزنيت الحالية على بعد نحو 13 كلم، وهي منطقة ساحلية كانت بها عين ماء ثرارة، وبها مداشر، توجد بأحدها مدرسة وﮔﺎﮒ بن زلو([44]). ولا يبعد أن يكون الشيخ رحل إلى هناك بُعيد سفر تلميذه عبد الله بن ياسين إلى الصحراء سنة 430 ﻫ، وهناك استقر واشتغل بالتعليم والتربية والعبادة ونشر الخير حتى توفي سنة 445 ﻫ([45])، أما أسباب هذا الانتقال فمجهولة، والراجح أن ذلك كان لعدة أسباب، هي:
— مواصلة محاربة المذاهب الضالة بسوس ممثلة في الشيعة البجلية بتارودانت والبورغواطيين بجبال جزولة ومنطقة ماسة([46])، وقد ذكر محمد المختار السوسي أن «البورغواطيين قد امتدوا حيناً إلى تلك الجهة حتى قيل إنهم وصلوا ماسة»([47]). كما ذكر صاحب “بيوتات فاس” أن عبد الهو بن ياسين زحف على بلاد السوس لقتال أهلها من أهل الجبال التابعين لصالح بن طريف البورغواطي، قال: «فانهزم أهل السوس المتمسكون بما التمسه لهم صالح بن طريف، وقسم (يعني المرابطين من أتباعه) فيهم عبد الله بن ياسين سبيهم وأموالهم»([48]).
— متابعة أعمال عبد الله بن ياسين عن قرب فمنطقة أﮔﻠﻮ أقرب إلى الصحراء من وادي نفيس، ومعلوم أنه كانت هناك مراسلات بين التمنارتي وشيخه اللمطي، فكان يستشيره ويرجع إليه في تدبير أموره بين اللمتونيين خاصة لما كثرت شكاواهم منه. بل إن البكري يورد رواية غريبة من أن اللمتونيين لَمّا خالفوا عبد الله بن ياسين طردوه فرجع إلى شيخه وﮔﺎﮒالذي كاتبهم يشنع عليهم فعلهم وأمره بالرجوع إليهم، قال: «فعزلوه عن الرأي والمشورة، وقبضوا منه بيت مالهم، وطردوه وهدموا داره وانتهبوا ما فيها من أثاث وخرثى، فخرج مستخفياً من قبائل صنهاجة إلى أن أتى وجاج بن زلوى فقيه ملكوس، فعاتبهم وجاج على ما كان منهم إلى عبد الله، وأعلمهم أن من خلف أمر عبد الله فقد فارق الجماعة، وأن دمه هدر، وأمر عبد الله بالرجوع إليهم، فرجع..»([49]).
ومهما يكن فإن التواصل بين الشيخ وﮔﺎﮒ وتلميذه الجزولي كان دائماً بالمراسلات وقد احتفظت المصادر التاريخية بواحدة منها تتضمن توضيح التمنارتي موقفه من شن الحروب على القبائل الخارجة عليه وتشدده في الحدود، بعد أن أنكر عليه شيخه ذلك، ورد في الرسالة: «أما إنكارك عليَّ ما فعلت، وندامتك على إرسالي فإنك أرسلتني إلى أمة كانت جاهلية.. وليس دأبهم إلا إغارات بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً لا دية عندهم من الدماء ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقي بينهم في الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم فمنهم من قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما تجاوزت حكم الله ولا تعديته»([50]).
ومن ناحية أخرى يذكر ابن خلدون في “تاريخه” أن وﮔﺎﮒ بن زلو هو الذي استدعى القبائل الصحراوية برئاسة تلميذه ابن ياسين للقدوم للجنوب المغربي وتغيير ما فيه من مناكر، قال: «ثم كتب إليهم وﮔﺎﮒ  اللمطي بما نال المسلمين من العسف والجور من بني وانودين أمراء سجلماسة من مغراوة وحرضهم على تغيير أمرهم فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأربعمائة»([51]).
— عودة الشيخ وﮔﺎﮒ إلى المناطق القريبة من مضارب قبيلته لمطة التي كانت مستقرة بأحواز وادي نون المعروف قديماً بنول لمطة، وهي القبيلة التي استجابت لدعوة المرابطين ودخلت طاعتهم ومكنتهم من ثلث أموالها بلا نزاع ولا حرب، فهل كان لانتماء وﮔﺎﮒ إلى هذه القبيلة علاقة بذلك، خاصة أنه توفي قبل أن يصل تلميذه إلى المنطقة، قال البكري: «ثم نهضوا إلى لمطة وسألوهم ثلث أموالهم ليطيب لهم بذلك الثلثان، وهكذا سن لهم عبد الله في الأموال المختلطة، فأجابوهم إلى ذلك ودخلوا معهم في دعوتهم »([52]).
إن عمل الشيخ وﮔﺎﮒ بن زلو التعليمي والعلمي في رباطه بوادي نفيس ثم بمنطقة أﮔﻠﻮ مكنته من تحقيق الهدف الأساس الذي أسست عليه حركة الإصلاح المذهبي في القيروان والأندلس، وهو القضاء على الانحرافات والنحل الضالة، وتمثل ذلك في أمرين أساسيين:
-معالجة الوضع القائم بالتصدي لهذه المذاهب والنحل من خلال حركة تعليمية اجتماعية ترمي إلى تربية العامة وتفقيههم ودعتهم وتذكيرهم وتثبيتهم على دينهم ومنعهم من الانسياق مع دعوات الانحراف والانقياد لدعاتها.
-إعداد الأجيال الصاعدة وتكوينها على تغيير الواقع المنحرف الذي يعيشه المغرب آنذاك، سواء بالعمل العلمي التعليمي الدائم أو بالقوة العسكرية والدفاع المسلح.
* أستاذ باحث في التراث المغربي