الرئيسية / ثقافة ومعرفة / الصراع داخل “نداء تونس” وتأثيراته على العملية السياسية
الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي
الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي

الصراع داخل “نداء تونس” وتأثيراته على العملية السياسية

تعصف بحزب نداء تونس أزمة خانقة في ظل الصراع بين أمينه العام (محسن مرزوق) ونائب رئيسه (حافظ قائد السبسي) من أجل السيطرة على المواقع القيادية الحساسة وتكييف الخط السياسي للحزب بما يخدم مصلحة كل طرف قبل انعقاد المؤتمر التأسيسي الذي طال انتظاره. وفي ظل الانقسام الذي شهده الحزب في الآونة الأخيرة إلى شقين متناحرين، تزايدت المخاوف من تمدد الفوضى التي أحدثها صراع الإخوة الأعداء إلى كيان الحكومة التي ينتمي أغلب أعضائها إلى حزب نداء تونس. كما أن الأداء الضعيف والمرتبك لهذه الحكومة على مدى تسعة أشهر قد يُعجِّل برحيلها. ويرجِّح ملاحظون أن يتم تغيير الفريق الحكومي في مستهل السنة الإدارية القادمة إذا لم يتم اتخاذ قرارات وإجراءات جدية لوقف تدهور الاقتصاد الذي دخل في حالة انكماش في ظل الهشاشة السياسية والأمنية التي لم تتعافَ منها البلاد رغم كل المجهودات التي بُذلت من أجل تنشيط الاقتصاد وبسط الأمن وتحقيق الاستقرار السياسي إثر تخطي مرحلة الانتقال الديمقراطي بسلام.

مقدمة

قد يكون من المفارقات المؤرِّقة في فلسفة السياسة ومنطق الحكم أن ينشأ حزب سياسي في مرحلة انتقالية محفوفة بمخاطر الاحتقان والانفلات ويتنامى تأثيره بسرعة فائقة فيفوز في الانتخابات التشريعية ثم في الانتخابات الرئاسية ويتحمل مسؤولية حكم البلاد قبل أن يعقد مؤتمره التأسيسي. وهذه حالة نادرة في الممارسة السياسية رغم أنها لا تحدث لأول مرة. لكن ما يثير حفيظة المهتمين بالشأن العام في تونس على وجه التخصيص، هو هذه الفوضى التي عمَّت في الآونة الأخيرة داخل بيت نداء تونس بسبب تفجر الصراعات السياسية والأيديولوجية والذرائعية داخله، وما أعقبها من تصدع وانشقاق باتا ينذران بتداعيات خطيرة على أداء الحكومة.
وحيث إن معظم وزراء الحكومة الحالية (حكومة الحبيب الصيد) منخرطون في الصراع الدائر داخل حزب النداء فإن ولاءاتهم المتضاربة لأحد الشِّقَّيْن المتصارعين (شقِّ الأمين العام للحزب، محسن مرزوق، وشِقِّ نائب رئيس الحزب، حافظ قائد السبسي) ستلقي بظلالها ليس فقط على أداء الحكومة وإنما أيضًا على تماسكها في غياب روح التضامن الحكومي. ولذلك ارتفعت في الآونة الأخيرة نداءات الاستغاثة من قبل أطراف سياسية ومدنية وإعلامية عديدة داعية إلى ضرورة إنقاذ الحزب الحاكم (نداء تونس) من التفكك والتفتُّت وتغليب منطق الحكمة والغيرية على منطق المناكفة والمصلحية الضيقة حفاظًا على مصلحة البلاد العليا التي لم تعد تحتمل المزيد من الاحتقان السياسي والاجتماعي. كما أن بقايا “جبهة الإنقاذ” المنحلة باتت تخشى من عودة النهضة إلى الحكم أو على الأقل إلى تصدر المشهد السياسي والبرلماني باعتبارها أصبحت تتوفر على أكبر كتلة نيابية بعد إعلان أكثر من ثلاثين نائبًا من نوَّاب نداء تونس عزمهم المضي قدمًا في تشكيل كتلة نيابية جديدة مستقلة أو كيان سياسي جديد، إثر استقالتهم الجماعية يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 احتجاجًا على ما اعتبروه محاولة للهيمنة على الحزب بطريقة غير شرعية من قبل فئة قليلة تدفع باتجاه توريث نجل رئيس الجمهورية منصبَ أبيه السابقَ في الحزب.

مسيرة الرئيس وتعثرات الحزب

في أواخر سنة 2011، وبالتحديد يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، شهدت تونس تنظيم انتخابات تاريخية لأعضاء المجلس التأسيسي الذي سيتولى إعداد دستور جديد للبلاد يرسم ملامح “الجمهورية الثانية” بعد أن تم تعطيل العمل بدستور سنة 1959 غداةَ “ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول-14 يناير/كانون الثاني”. في تلك الآونة، كان رئيس الحكومة المؤقَّت، الباجي قائد السبسي، يستعد لمغادرة قصر الحكومة بالقصبة ويرنو إلى أن يُدعى إلى تولي رئاسة البلاد في ما تبقى من المرحلة الانتقالية تثمينًا لمساهمته في تحقيق الانتقال الديمقراطي السلس. ومع أن أكبر أحزاب الترويكا (الثلاثي الحاكم من 2012 إلى 2013) لم يمانع في ذلك حينما طُرحت هذه الفكرة، من منطلق توسيع قاعدة الحكم وتحقيق التوافق بين القوى والشخصيات المؤثِّرة في المشهد السياسي التونسي، إلا أن حُمَّى التموقع القيادي التاريخي حالت دون ذلك. وهكذا، خرج السبسي من قصر القصبة ونفسه تهفو إلى دخول قصر قرطاج من بابه الكبير والإقامة حيث أقام رئيس الجمهورية الأولى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وإذ كوَّن لنفسه رصيد ثقة محترمًا بعد نجاح انتخابات 2011 وإفرازها طبقة حاكمة جديدة ومتنوعة المرجعيات، فقد بادر قائد السبسي ببعث حزب جديد أراده نداءً لكل التونسيين حتى يلتحقوا بسفينة “الإنقاذ” التي ستعيد إلى الدولة التونسية هيبتها وتنقذ اقتصادها المتآكل وتحل مشكلاتها الاجتماعية المتراكمة والمزمنة. عندها تَنَادَى بعض الدستوريين (سليلي الحزب الاشتراكي الدستوري ووريثه التجمع الدستوري الديمقراطي) وبعض النقابيين وثُلَّة من الوجوه السياسية اليسارية المخضرمة وقرَّروا العمل على تصدر المشهد السياسي، في المستقبل القريب، بعد أن باتت حركة النهضة ذات الخلفية الإسلامية اللاعب الأول فيه إثر فوزها الكاسح في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2011، وحصولها على ما يقارب الأربعين في المائة من مقاعد المجلس التأسيسي (البرلمان المؤقت).
لكنَّ هذا الحزب الوليد الذي كان محوره رئيسه ومؤسسه الباجي قائد السبسي ظلَّ يؤجل مؤتمره التأسيسي لما يزيد عن ثلاث سنوات خوفًا من تفجر الصراعات المدمرة بين مكوناته غير المتجانسة. وكلما ظهرت بوادر أزمة تهدد وحدته، كان الرئيس المؤسِّس لها بالمرصاد بفضل قدرته على الحسم والروح الزعامية التي يتمتع بها، فضلًا عن سِنِّه وتجربته الطويلة في الحكم وفي العمل السياسي حيث واكب كل التجارب السياسية التي شهدتها تونس بعد الاستقلال وشارك فيها. لكن الأمر سيختلف بعد أن انتقل السبسي إلى قصر قرطاج ودخله واستقرَّ له الأمر فيه بعد أن “عيَّن” رئيس حكومة قريبًا منه ومن حزبه ما فتئ يتصرف كأنه وزير أول لدى رئيس الدولة. وهكذا، انصرف الرئيس المنتخب إلى المزاوجة بين حياة القصر والقيام بأعباء الحكم بعد أن أصبح الرجل الأول في دولة تعاني الهشاشة في جميع دواليبها وشؤونها وإن لم تتردَّ في مهاوي الصراعات المدمرة على الحُكم كما حصل في بقية دول الربيع العربي.
وحالما استلم السبسي مقاليد رئاسة الجمهورية وصار رئيسًا لكل التونسيين، استقال من رئاسة حزب نداء تونس، امتثالًا لما ينصُّ عليه القانون، فنشأ فراغ في منصب رئاسة الحزب لم يملأه الرئيس الجديد، محمد الناصر، رفيق دربه القديم الذي عيَّنه بنفسه. كما أن الرئيس الجديد غير متفرغ لإدارة هذا الحزب المتعدد الروافد والأقطاب حيث إنه يشغل خطة رئيس مجلس نواب الشعب، وهذه مهمة ليست بالهينة وتتطلب هي الأخرى حضورًا شبه دائم وجاهزية عالية لإدارة المجلس التشريعي ولاسيما بالنظر إلى مشاريع القوانين المهمة التي تنتظر المصادقة و/أو الحسم على غرار قانون إحداث المجلس الأعلى للقضاء وقانون إحداث المحكمة الدستورية وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فضلًا عن قوانين المالية المتلاحقة (الميزانية النظامية والميزانية التكميلية). وهكذا، كثُر القادة في غياب القائد المؤسس واختلفت أجنداتهم وتحالفاتهم ولوبيَّاتهم. وسرعان ما تفجرت صراعاتهم من أجل السيطرة على “حزب الرئيس” ومن أجل تحقيق المكاسب والمغانم ذات الصلة. وباقتراب موعد المؤتمر التأسيسي المرتقب (أواخر سنة 2015)، باتت الصراعات سافرة وتصدَّعَ الحزب الذي طالما رفع مؤسِّسه شعار “الوحدة الصمَّاء” اقتداء بمعلمه الزعيم الحبيب بورقيبة.

أزمة حزب نداء تونس: أسبابها وأطرافها

تعود الأسباب الأولى والأصلية للأزمة الراهنة التي يعيشها حزب نداء تونس إلى مرحلة تأسيسه، حيث إن رئيسه المؤسِّس السِّبسي حاول أن يجمع تنظيميًّا كيانات وفعاليات سياسية ونقابية غير متجانسة هيكليًّا وغير متناغمة أيديولوجيًّا. لقد حاول الرئيس تعبئة تلك الأطراف الباحثة عن التموقع داخل مشهد سياسي في طور التشكل حول فكرة براقة هي “الحداثة” التي قيل: إنها أصبحت مهدَّدة كنمط عيش توافَقَ عليه التونسيون بطريقة تلقائية ودأبوا على تبنِّيه منذ أيام الرئيس الأسبق الزعيم الحبيب بورقيبة “المجاهد الأكبر، محرِّر المرأة وباني تونس الجديدة”.
لقد كان أكثر ما يجمع بين تلك العناصر غير المتجانسة عداؤها للإسلام السياسي ومن ثمَّة لحركة النهضة التي كانت تتزعم حينئذٍ الائتلاف الثلاثي الحاكم (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات). وحيث سعى كل طرف من تلك المكونات (الدستوريون والتجمُّعيون، والنقابيون، واليساريون الذرائعيون) إلى تعزيز وجوده داخل هذا الحزب الناشئ واستقطاب ما أمكن من العناصر التي تشترك معه في الخلفية السياسية و/أو الفكرية، استعدادًا للاستحقاقات التي تنتظر الحزب وعلى رأسها مؤتمره التأسيسي والانتخابات التشريعية والرئاسية التي أنهت المرحلة الانتقالية، فقد بدأت بوادر الصراع على المواقع والمناصب تظهر منذ أن بدأ الاستعداد لخوض الانتخابات وبدأت تظهر معها ملامح اللوبيات الجديدة وسلطة أصحاب المال والأعمال الذين وجدوا في هذا الحزب الجديد طوق نجاة من تحرشات القوى الثورية بهم، ودعوات فعالياتها الحية (على غرار روابط حماية الثورة) إلى محاسبتهم في وقت شهد فيه مشروع قانون العدالة الانتقالية جدلًا واسعًا وتأجَّلت عملية عرضه على أنظار الجلسة العامة للمجلس التأسيسي لمناقشته والمصادقة عليه عدة مرات.
وقد تفجرت تلك الصراعات بشكل واضح حينما بدأت الترشيحات للدوائر الانتخابية، حيث نشطت الولاءات القديمة وتحرك المال السياسي. في تلك الأجواء المفعمة بالتنافس على رئاسة القائمات الانتخابية، تم تداول اسم نجل الرئيس المؤسس، حافظ قائد السبسي، لرئاسة قائمة بدائرة انتخابية نوعية بالعاصمة، فثارت ثائرة بعض الأعضاء المؤسسين الذين احتجوا على هذه الحركة التي رأوا فيها “ممارسة غير ديمقراطية” تُشتَمُّ منها رائحة التزكية الوالدية التي قد تتطور لاحقًا فتصبح شكلًا من أشكال “التوريث السياسي العائلي” الذي يتناقض تمامًا مع منطق الصراع الديمقراطي الذي أبدت كل روافد الحزب إيمانها به (ولو ظاهريًّا) وتوافقت عليه. لكن الرئيس المؤسس تدخل بسرعة قبل أن يتفاقم الوضع وحسم الأمر على حساب رغبة ابنه ومسانديه، فهدأت خواطر المحتجين وانصرف الجميع إلى إنجاح الحملتين الانتخابيتين (التشريعية والرئاسية). ولم يكن هذا الحسم الموجع الذي أقدم عليه الباجي قائد السبسي بدون مقابل، وهو من هو في الحزب، فقد أمكن له “فرض” وجوه تجمعية قديمة مستهلَكة وضعيفة المصداقية من بين أصحاب المال النافذين في الجهات (المناطق الداخلية)، كما أمكن له تعزيز موقعه القيادي المحوري في الحزب وتعبئة كل الروافد والقواعد الحزبية حول فكرة نصرة “الرئيس المنقذ” مستهدفًا العنصر النسائي بشكل خاص ومراهنًا على أصواته.
وبعد أن فاز نداء تونس بالمركز الأول في الانتخابات التشريعية وفاز رئيسه في الانتخابات الرئاسية، بدأت نذر أزمة جديدة تلوح في الأفق حينما احتدم الصراع على الحقائب الوزارية وعلى الخطط السامية في القصر. واستطاع رئيس حملة قائد السبسي الانتخابية، محسن مرزوق، اليساري القديم الذي ركب موجة الليبرالية الجديدة مستفيدًا من عطائها المجزي وعلاقاتها الرفيعة، أن يقتنص منصب مستشار الرئيس بقصر قرطاج لكنه سرعان ما اصطدم بجموح قيادي آخر كان يومًا ما من رجالات الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (كاتب دولة وقيادي بحزب التجمع المنحل) هو رضا بالحاج الذي بات يشغل خطة مدير الديوان الرئاسي، أي إنه صار أمين سرِّ الرئيس ومدير مكتبه.
وحيث لاحظ الرئيس المؤسِّس تفاقم “صراع الديكة المحموم” في قصره، فقد أوعز إلى محسن مرزوق بشغل الأمانة العامة للحزب مصيبًا بحجر واحد عصفورين اثنين: إبعاد محسن مرزوق عن القصر وإعادة الاستقرار إلى حزبه الذي بدأ يفقد تماسكه إثر سلسلة من المماحكات الداخلية أفضت إلى انتخاب مكتب سياسي حلَّ بديلًا عن الهيئة التأسيسية وكُلِّف بالإعداد لتنظيم المؤتمر التأسيسي للحزب في أواخر شهر يونيو/حزيران 2015 (هكذا كان يُفترض). لكن الصراعات “بالوكالة” بين الرجلين (مرزوق وبالحاج) تفاقمت واتخذت شكل الحشد والتعبئة لقواعد الحزب حول خيارين متنافرين. وقد زاد الصراع تأجُّجًا انقسامُ أطر الحزب واصطفافها مع أحد قطبين متصارعين: قطب يمثِّل التيار “المحافظ” يقوده كل من رضا بالحاج مدير الديوان الرئاسي وحافظ قائد السبسي نجل الرئيس، وقطب يمثل التيار “التقدمي” بقيادة محسن مرزوق وبوجمعة الرميلي وكلاهما من العائلة اليسارية.
لقد تعددت الاجتماعات التعبوية في الآونة الأخيرة في مسعى محموم للسيطرة على قيادة الحزب من قبل كلا الشقين المتصارعين وإقصاء الخصوم الداخليين الذين كانوا بالأمس القريب أعضادًا. واللافت هذه المرة أن الرئيس المؤسِّس لم يُبدِ أي حزم في معالجة هذا الوضع المتأزم الذي عصف بوحدة الحزب الذي أنشأه بنفسه ولوَّنه بشيء من روحه. وإزاء هذه “اللامبالاة الجميلة” بما يجري داخل النداء صرَّح عديد من الوجوه الندائية الرافضة لشخص نجل الرئيس (مثل: لزهر العكرمي ومنذر الحاج علي والطاهر بن حسين) بأن أباه يسعى إلى توريثه قيادة الحزب وأن هذا الأمر مرفوض ولن يمرَّ. أمَّا الشق الآخر الموالي لنجل الرئيس فيعتبر أن المكتب السياسي صار عديم الصلاحية بعد عجزه عن تنظيم المؤتمر التأسيسي للحزب وأنه من الضروري الاحتكام إلى الهيكل الشرعي الأصلي في الحزب وهو الهيئة التأسيسية مطالبًا إياها بتحديد موعد باتٍّ للمؤتمر، وببعث لجنة مستقلة لتنظيمه والسهر على إنجازه قبل نهاية السنة الحالية حتى يتم إنقاذ الحزب من التفكك والانهيار.

التداعيات المحتملة لأزمة نداء تونس على الحكومة ومستقبل العملية السياسية

رغم أن الباجي قائد السبسي، ومن ورائه حزب نداء تونس، كان في “صدام سياسي” مع حركة النهضة قبل الانتخابات الأخيرة، إلا أنه آثر ألا تكون هذه الحركة ذات القاعدة الشعبية العريضة في المعارضة فتعطِّل كل “المشاريع الإصلاحية” التي تقترحها الحكومة أو رئاسة الجمهورية (على غرار مشروع قانون المصالحة الاقتصادية). لذلك، بادر من منطلق الذرائعية السياسية، إلى دعوة هذه الحركة إلى المشاركة في الحكومة، مبرِّرًا ذلك لأنصاره ولمن انتخبوه وانتخبوا حزبه تحت عنوان “الانتخاب المفيد” أو “الانتخاب العقابي” بأنه يحترم خيار الشعب التونسي الذي وضع حركة النهضة في المرتبة الثانية. ولقد قبلت حركة النهضة بمشاركة رمزية في الحكومة أخرجتها من نطاق هدف “النيران الندائية” التي انهالت عليها قبل الانتخابات ولاسيما عبر وسائل الإعلام التي انحاز بعضها بشكل سافر إلى جانب النداء في السرَّاء والضرَّاء.
كما أنها بمشاركتها تلك أحرجت أحزاب “الجبهة الشعبية” التي كانت تشترط للمشاركة في الحكومة استبعاد حركة النهضة منها. وفي المقابل، استطاع نداء تونس أن يغري حزبي “آفاق تونس” و”الاتحاد الوطني الحر” بالمشاركة في ائتلاف حكومي رباعي يضم حركة النهضة التي لا تختلف في برامجها كثيرًا عن بقية أحزاب هذا الائتلاف الذي كان لحزب نداء تونس نصيب الأسد فيه من حيث عدد الحقائب الوزارية. لكن هذا المكسب صار اليوم عبئًا على النداء بعد أن ظهرت تصدعاته وانقسم إلى شقَّين متناحرين. ورغم أن معظم الوزراء الندائيين في حكومة الحبيب الصيد يؤيدون شِقَّ حافظ قائد السبسي ورضا بالحاج (على الأقل من باب الحرص على الحفاظ على مناصبهم السامية)، إلا أن التصدع طال الفريق الحكومي على أية حال وصار مصدر قلق لدى الوزراء الذين باتوا يخشون إقالتهم أو استقالة رئيس الحكومة بإيعاز من رئيس الجمهورية إذا ما انفرط عقد النداء نهائيًّا و/أو استمرت الحكومة الحالية في التخبط والعجز عن اتخاذ القرارات الجريئة والبدء بالإصلاحات الموجعة.
وحيث إن أداء الحكومة الحالية موسوم بالضعف في مجمله وبالركون إلى سلطة رئيس الجمهورية، فقد رجَّح عديد من الملاحظين إمكانية “إعفائها” وإحلال حكومة كفاءات محلها، قد يتولى تشكيلها رئيس الحكومة السابق، مهدي جمعة، الذي أظهرت استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة صعود شعبيته وسطوع نجمه إلى درجة أصبحت تثير مخاوف العديد من السياسيين من إمكانية عودته إلى تصدر المشهد السياسي رئيسًا للحكومة أو زعيم رأي لا يعدم المصداقية في عيون التونسيين. كما تظل إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية موسعة واردة، ولاسيما إذا عاد الأمر إلى حركة النهضة وأصبحت رسميًّا الكتلة الأولى عدديًّا في مجلس نواب الشعب. عندها، قد تطالب بحقها في اقتراح رئيس حكومة قريب منها وفي مشاركة في تلك الحكومة تكون متناسبة مع حجمها البرلماني. وفي مطلق الأحوال، يكاد العمر الافتراضي للحكومة الحالية ينتهي في ظل الارتجال الذي أدارت به الشأن العام على مدى تسعة أشهر. وقد تستمر في الحكم إلى أوائل السنة الإدارية القادمة، لكنها لن تظل بنفس التركيبة الحالية إذا ما كتب لها الاستمرار في الحكم.

مبادرات الساعة الأخيرة ومآلات الأزمة الندائية

توالت في الآونة الأخيرة المبادرات الرامية إلى رأب الصدع الذي أصاب البيت الندائي ومحاصرة الأزمة القائمة قبل أن تصل نقطة اللاعودة، وذلك من أجل عقد مصالحات و/أو وساطات مشرِّفة تعيد الأطراف المتنازعة إلى طاولة الحوار وتنزع فتيل الفتنة قبل فوات الأوان. ومن الواضح أن أكثر تلك المبادرات جدية وأهمية هي مبادرة رئيس حزب نداء تونس، محمد الناصر، الذي دعا القيادات الندائية، ولا سيما أطراف النزاع القائم، إلى المشاركة في اجتماع المكتب التنفيذي الذي سيُعقد يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وسيكون الفرصة الأخيرة لإيجاد تسوية مشرِّفة للخلاف الذي قسم الحزب أو كاد. كما دعا محمد الناصر النواب الذين أعلنوا استقالتهم من كتلة الحزب بالبرلمان إلى العدول عن هذا القرار أو تعليقه إلى حين انعقاد هذا الاجتماع الحاسم.
ومع أن القيادات المتنازعة لا تزال من خلال تصريحاتها متمسكة بمواقفها القديمة، إلا أنها أبدت بالمقابل رغبتها -ولو ظاهريًّا- في الحوار. وقد يُفهم موقفها ذاك على أنه محاولة لتحسين شروط التفاوض أو مناورة من أجل ربح بعض الوقت وترتيب أوراق اللعبة من جديد. ومهما يكن من أمر، فإن قرار الهيئة التأسيسية المنعقدة يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، تعليقَ مهام الأمين العام للحزب محسن مرزوق وتكليف وزيرة السياحة الحالية، سلمى اللومي الرقيق، بالتسيير الإداري والمالي للحزب بصفة مؤقتة سيلقي بظلاله على الاجتماع المرتقب للمكتب التنفيذي.
كما أن تمسك شِقِّ حافظ قائد السبسي بالهيئة التأسيسية واعتبارها السلطة الأصلية والهيئة الشرعية الأولى داخل الحزب، مقابل تمسك شق محسن مرزوق بالمكتب السياسي واعتباره السلطة الأولى المخوَّلة بإدارة الحزب والإعداد لمؤتمره بتفويض من الهيئة التأسيسية نفسها، سيجعلان المواقف متباعدة والرؤى متناقضة والمسارات متنافرة. ففي حين يدعو شق قائد السبسي الابن إلى عقد مؤتمر تأسيسي توافقي يعيِّن قيادة جماعية تعد للمؤتمر الانتخابي الأول وتنظمه بعد إعادة الاستقرار للحزب وهياكله وروافده، يدعو أنصار مرزوق إلى تنظيم مؤتمر انتخابي يفرز قيادة موحدة تتمتع بشرعية صندوق الاقتراع ويُنهي الجدل حول المسائل الترتيبية ذات العلاقة بهيكلة الحزب وخطه السياسي والفكري.
وأمام هذا التعارض الواضح لمشروعين سياسيين وفكريين غير متجانسين، يبدو من الصعب إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم والتوافق حول صيغة مشرِّفة لجميع الفرقاء ولاسيما بعد أن ظهر “خط ثالث” داخل حزب نداء تونس يزعم أنه يشترك مع حركة النهضة في “جدٍّ موحِّد” هو الزعيم والمصلح الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي أسس الحزب الحر الدستوري وجمع فيه قيادات دينية (زيتونية) وأخرى علمانية. فهل يتدخل مرة أخرى الأب المؤسس لنداء تونس ويفرض تنازلات مؤلمة على جميع الأطراف المتماحكة حتى تذعن لحل وسط يجنِّب الحزب التفتت ويعيد زمام المبادرة إلى الدولة في مواجهة الإرهاب الذي طال المدنيين في الآونة الأخيرة، بعد أن أصبح الهاجس الأول لجميع التونسيين هو مصير نداء تونس ومصير حكومته المرتبكة أصلًا؟

خاتمة

قد تسقط حكومة الحبيب الصيد من تلقاء نفسها، ولاسيما في ظل المؤشرات والإسقاطات غير المُرضية التي انطوى عليها مشروع الميزانية لسنة 2016. وقد يُحدث الانقسام الحاصل في صلب نداء تونس شرخًا في كيان الحكومة، فضلًا عمَّا قد يسبِّبه من عودة للاستقطاب الثنائي بين “تيار الهوية” و”التيارات الحداثية” إذا لم يجد الندائيون السبيل إلى إعادة بناء حزبهم و/أو توحيده ومن ثم الاتجاه نحو إيجاد صيغة توافقية للائتلاف أو للتحالف مع النهضويين من أجل تشكيل حكومة جديدة في مستهل السنة القادمة ثم خوض الانتخابات البلدية في أواخر نفس السنة، في قائمات مشتركة واستقطاب كفاءات وطنية و/أو محلية مستقلة يعززون بها صفوفهم.

* مركز الجزيرة للدراسات