الرئيسية / إضاءات / الإجهاض دراسة فقهية مقاصدية
1269935

الإجهاض دراسة فقهية مقاصدية

توطئة :

من القضايا التي برزت بقوة على الساحة في المجتمعات الإسلامية في السنوات الأخيرة دعاوى الجمعيات النسوية العالمية منها، والمحلية، والتي تدعو إلى إباحة الإجهاض، خاصة إجهاض الحمل الناتج من زنا محارم أو اغتصاب، وبالأخص الفتيات والنساء المغتصبات أثناء الحروب. ومنه بدأ الفقهاء يبحثون في المسألة من جانبها الفقهي، معتمدين في ذلك على الدراسات الطبية التي تركزت حول ماهية الجنين والمراحل التي يمر بها، ثم الاستفادة من خبراتهم في مجال مخاطر وسلبيات الإجهاض عموما، بطريقة مفصلة، شأنها شأن الكثير من النوازل.

ورغم أن الموضوع طرح عند الفقهاء القدامى في أبواب الديات والغرة، والجنايات كما سيأتي ذكره في الحديث عن انفصال الجنين عن أمه بسبب ضربها عمدا من غير قصد التعدي على الجنين، أو بسبب التعدي عليه، إلا أنه في العصر الحديث برزت مسألة الجنين الناتج عن حمل سفاح، أو من اغتصاب، أومن زنا محارم، ومن التعدي الجنسي على الفتيات والنساء أثناء الحروب، وغيرها.

وسيركز البحث تفصيلات الموضوع بالنظر في آراء الفقهاء، والترجيح بينها معتمدا في ذلك على النظر المقاصدي؛ وذلك لأهمية هذا المبدأ عند الاجتهاد في القضايا الجديدة والمستجدات والنوازل.

فإذا كانت مقاصد الشريعة جزءً مهماً في النظر الاجتهادي، فإن الأمر نفسه بالنسبة لسلامة تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع ، وقد أخذت لذلك مثالا في موضوع” الإجهاض” الذي تتباين فيه الرؤى بين مؤيد ومعارض، والقول الفصل في المسألة سيكون لمقاصد الشريعة كما سيتبين في نهاية البحث.

ومن أجل دراسة الموضوع دراسة مفصلة ودقيقة، فإني سأتبع الخطة الآتية:

المبحث الأول: أهمية المقاصد في النظر الاجتهادي.

المبحث الثاني :تعريف الجنين ومراحل تكونه داخل الرحم.

المبحث الثالث: تعريف الإجهاض وأقسامه عند الفقهاء والأطباء.

المبحث الرابع: آراء فقهاء المذاهب الأربعة في حكم الإجهاض.

المبحث الخامس: آراء الفقهاء المعاصرين والأطباء في حكم الإجهاض.

المبحث السادس: مسوغات إباحة الإجهاض وحكم إجهاض الجنين المشوه أوالناتج عن الاغتصاب أو زنا المحارم.

المبحث الأول: أهمية المقاصد في النظر الاجتهادي.

المبحث السابع: الحكم العام للإجهاض في المنظور المقاصدي.

أولا: مفهوم دراسة مقاصدية

الدراسة المقاصدية في هذا البحث تؤخذ بمعنى اعتماد مقاصد الشريعة إطاراً يدرس ضمنه الموضوع، وذلك من خلال النظر إلى الإجهاض بوصفه وسيلة مستحدثة للحفاظ على النسل على أساس أنه كلية من كليات الشريعة الضرورية كما هو معروف في علم مقاصد الشريعة.

ومعنى هذا التوسل من خلال المقاصد إلى ربط الأحكام بغاياتها المصلحية التي يقصدها كل دليل.

والسبيل إلى تحقيق ذلك يكون عبر استخدام مجموعة من المفاهيم الكلية التي لا يستغنى عنها في البحث الفقهي، ولتكون “مرجعاً بينهم – الفقهاء – عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار”[1]، وارتقاءً بالاستدلال الفقهي الظني المختلف فيه بين الفقهاء إلى البحث المقاصدي الذي ينشد تحقيق مقاصد الشارع الحكيم. وهذا بخلاف البحث الفقهي الذي “يعني خطة الدراسة المبنية على قواعد معينة وأصول مرعية لمجموعة من الحقائق بقصد التوصل إلى حكم أو أحكام فقهية جديدة، أو اختيار حكم أو أحكام سبق التوصل إليها وقَوَّتها الأدلة”[2].

وبعبارة أخرى، فإن الدراسة المقاصدية تعمل على تأصيل الأفراد الجزئية وربطها بالكليات، وليس بحثا في أفراد الأحكام للوقائع المتفرقة مما هو شأن الفقه. فالبحث يعمل في مستوى المنهج؛ أي كيف يجتهد المجتهد محكوماً بالمقاصد وموجَّهاً بها، لإيجاد الحلول للوقائع والنوازل، بما يحقق مقاصد الشارع الحكيم ويؤلف بين متفرقات الأحكام.

فللمقاصد دور فعال إلى جانب الاجتهاد، والاجتهاد ذو البعد المقاصدي أوفق وأصوب للفقهاء والمجتهدين، واستحضارها في العملية الاجتهادية أمر مهم وجليل.

فإذا كان الاجتهاد بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية، أو هو المواءمة بين النص الشرعي والواقعة المستجدة على ضوء مقصد الشارع الحكيم، وهو التعريف الذي يبرز خاصية الشريعة في خلود أحكامها، فهو دوره المنوط به؛ لأنه المبدأ الحيوي الذي يقرر قضية خلود الشريعة ودوامها إلى أن ينقطع أصل التكليف؛ فقد يقف العقل البشري أمام نصوص الشريعة عاجزا عن استنباط الجديد من الأحكام لمستجدات الوقائع إذا لم يستشرف مقاصد الشارع المعللة للأحكام .

ومن المفاهيم التي تبين لنا الكيفية التي يتم بها ربط الأحكام بغاياتها المصلحية ما يلي:

1-النظر في كليات الشريعة مع الأدلة الجزئية:

إن الدراسة المقاصدية بالأساس تعتمد على النظر المزدوج في كليات الشريعة وتعليلات الأحكام الجزئية، لأن الجزئيات كما يقول الشاطبي “لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله؛ لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا ضمن الجزئيات”[3]، ولهذا فإن “النظر فيهما معتبر شرعا لئلا يحدث تعارض بين كليات الشريعة وأفرادها الجزئية، وهذا هو جملة الفقه وحقيقته عند تعارض مصلحتين أو توارد مفسدتين على أمر واحد”[4]، فالنظر في الكليات العامة هو بحث مطلق في حقيقة الأحكام الشرعية، واستكشاف مراد الشارع الحكيم من النصوص. أما عند إيقاع هذه الأحكام على أفعال المكلفين وواقعهم، وحتى لا يكون التنـزيل آليا، فإن النظر ينصرف إلى تفاصيل تعليلات الأحكام، فالحكم لا يعرف إلا بدليله الخاص به.

2- التفريق بين المقاصد والوسائل:

إن التفريق بين المقاصد والوسائل يتيح للناظر بيان ما هو المقصد، وما هي الوسيلة إلى المقصد؛ لأن الشريعة، كما اتفق أغلب العلماء، تنقسم إلى: مقاصد ووسائل مفضية إليها. مقاصد حُددت في آي القرآن الكريم وأحاديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم -، فاستُنبِط منها عن طريق الاستقراء ومسالك أخرى تتبعها العلماء، واستخرجوا بعضا منها، مما يعرف بمسالك الكشف عن المقاصد. ثم وسائل أخذت أحكام المقاصد؛ وجوبا، وندبا، وكراهة، وتحريما، بوصفها الطرق المفضية إليها، والمحققة لها، في ضوء الأوامر والنواهي الربانية. فمن هنا تظهر أهمية الوسائل للوصول إلى تحقيق المقاصد المرعية في الشريعة؛ من جهة تنزيلها في واقع المكلفين[5].

وفي هذا المقام يقول العلامة ابن القيم: “التكليف أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة”[6]. ويضيف قائلا: “لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها”[7]. وهو بذلك يقسم أوامر المولى تبارك وتعالى إلى قسمين: إلى ما يقع في مرتبة المقاصد التي يبغي الشارع تحقيقها، ومرتبة الوسائل التي تحقق مقاصد الشارع في واقع الناس بالمحافظة عليها.

وإلى نحوه ذهب الإمام القرافي في قوله إن “موارد الأحكام على قسمين: مقاصد: وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها”[8].

يلاحظ هنا أن الإمامين قد اتفقا على كون الوسائل مثل المقاصد، فهي في الأصل أوامر ونواهٍ، غير أن وجه الخلاف بينهما: كون المقاصد مقصودة لأنفسها، أما الوسائل فهي تتبع المقاصد باعتبارها طرقا ومسالك وأسبابا مفضية إليها.

المبحث الثاني: تعريف الجنين ومراحل تكونه داخل الرحم

أولا: تعريف الجنين لغة

الجنين من فعل جنّ: استتر، والجنين: هو الولد مادام في الرحم. فكلمة الجنين تعد وصفا للولد المستتر في الرحم[9]؛ أي أنه مستتر، أو” المستور في رحم أمه بين ظلمات ثلاث”[10]، لقوله تعالى :{…يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ…} (الزمر: 6).

ثالثا: تعريفه في اصطلاح الفقهاء

يطلق مصطلح الجنين على ما في الرحم، من بدء التكوين بحدوث التلقيح والاستقرار فيه إلى غاية خروجه من بطن أمه[11].

مراحل تكون الجنين في بطن أمه:

يمر الجنين وهو في بطن أمه بمراحل متعددة، ورد ذكرها صراحة في قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون :12-14).

وفي قوله تبارك وتعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى…} (الحج: 5).

هذه المراحل نفسها هي التي وردت في قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح[12].

قال الحافظ بن رجب في شرح الحديث: “فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مئة وعشرين (120) يوما، في ثلاثة أطوار، في كل أربعين منها يكون في طور، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المئة والعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع كلمات”[13].

ومن الآيات والأحاديث يتبين أن أطوار الجنين أربعة، هي:

1-النطفة:

وهي النطفة الأمشاج الخليط بين الحيوان المنوي وبويضة المرأة[14]. وهي ما تسمى “البييضة الملقحة” بتطوراتها العديدة، والتي لاتزال تأخذ شكل قطرة الماء، بالرغم من تضاعف خلاياها أضعافا مضاعفة، ثم تعلق بسماكة بطانة الرحم[15]، لينتهي هذا الدور ويبدأ دور العلقة.

2-العلقة:

في هذه المرحلة يكون الجنين على شكل العلقة[16]، وتكون عالقة في جدار الرحم. والمدة الزمنية لهذا الطور تكون من بداية الأسبوع الثاني حتى نهاية الأسبوع الثالث من التلقيح، وفي هذه المرحلة يبدأ القلب في خفقانه [17].

3-المضغة:

في هذا الطور تظهر الكتل البدنية على هيئة أثر أسنان، وذلك في أواخر الشهر الأول. وداخل المضغة تبدأ الأجهزة الداخلية مثل القلب والرئتين بالظهور، ويتشكل الجهاز العصبي والحويصلان السمعي والبصري، وتظهر مولدات الغضروف والعضلات ووحدات الجهاز البولي التناسلي، حتى يصل الجنين عمر الأربعين يوما، حيث تظهر جميع الأجهزة وقد تخلقت؛ إلا أن أجزاءً لم تتخلق في سطحها مع تكون جميع الأجهزة الداخلية، وهنا تمر المضغة بطورين؛ أولهما المضغة غير المخلقة حيث تتصور الأعضاء دون أن تظهر؛ أي تتمايز مجموعات خلوية مختلفة، وتتخلق معطية الأجهزة والأعضاء، وتلك هي المضغة المخلقة، كما تقدم في قوله تعالى :{…مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ…}[18]. وينتهي هذا الطور قبيل نهاية الأسبوع السادس، حيث يبدأ الطور التالي في التخليق. وخلال هذا الشهر الأول، يزداد وزن الجنين مليون مرة، في كل ثانية 74 مرة. وأما الطول فإنه يكبر من 5ملم إلى 3سم[19].

1-طور العظام واللحم:

وفي هذا الطور تبدأ الكتل البدنية في تكوين العظام، “فخلق المضغة عظاما هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة، وذلك ابتداء تكوين الهيكل الإنساني من عظم ولحم”[20].

وينتهي كساء اللحم في الأسبوع الثامن، “فاللحم كالكسوة للعظام”[21]. وبهذا تنتهي مرحلة ما يسمى “الجنين”، وتبدأ مرحلة “الحميل”.

2-النشأة الأخرى:

وهي آخر طور من الأطوار التي يمر بها الجنين، وتبدأ بعد تكّون اللحم على العظم. ففي الشهر السادس يصبح الإنسان؛ أي الجنين قادرا على الاستقلال عن أمه، لأن الأسناخ الرئوية تكونت، فيكون بعد ذلك دور الرحم دور الحضانة فقط[22]. كما تتميز هذه المرحلة بخصائص منها: تطور أعضاء الجنين وأجهزته ونموها، كما تختص بنفخ الروح فيها[23]؛ وهنا تكمن النشأة الأخرى، فهي مرحلة مغايرة تماما للمراحل الأربع الأولى التي كان فيها الجنين في طور التخلق والتشكل في الصورة الآدمية، يقول الألوسي: “فأنشأناه خلقاً آخر: مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها، حيث جعل حيوانا ناطقا سميعا بصيرا، وقيل الخلق الآخر الروح”[24]؛ فهو هنا قد اكتمل تصويره وتخلقه بأمر المولى تبارك وتعالى، لتأتي مرحلة نفخ الروح فيه، وتبدأ حياته كإنسان كامل، وقد كتب له قدره، كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم -:”ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد“.

المبحث الثالث: تعريف الإجهاض وأقسامه عند الفقهاء والأطباء.

أولا: تعريف الإجهاض:

مصطلح الإجهاض ليس لفظا غريبا في اللغة، فإن أهل اللغة بينوا معناه الذي عرف عند العرب في قولهم: أجهضت الناقة: إذا ألقت الولد لغير تمام[25]. أو إسقاطه ناقص الخلق[26].

والإطلاق اللغوي يصدق سواء كان الإلقاء بفعل فاعل أم تلقائيا[27].

ومنه إجهاض الجنين الآدمي ومعناه: إنزال الجنين قبل أن تكتمل مدة الحمل[28]؛ إما بفعل أمه، أو بفعل غيرها كالطبيب[29].

ويعرف الإجهاض Abortion من الوجهة الطبية بأنه : “سقط الحمل من داخل الرحم قبل أن يصبح قادرا على الحياة بذاته أي قبل الأسبوع الـ 22 أو بلوغه وزن 500 جم أو أكثر”[30].

وعرفه الطبيب محمد علي البار بأنه:” خروج محتويات الحمل قبل 28 أسبوعا تحسب من آخر حيضة حاضتها المرأة”[31].

وعرفه الدكتور اليوت فيليب بأنه:” نهاية الحمل قبل الأسبوع الثامن والعشرين من بداية الحمل”[32].

ويتضح مما سبق أن هناك عدة أنواع من الإجهاض نعرفها في العنصر الموالي:

ثانيا: أنواع الإجهاض:

قبل معرفة موقف الفقهاء من الإجهاض، ينبغي في البداية معرفة أنواعه المنتشرة بين عامة الناس وبين الأطباء ثم الفقهاء، حيث قسّمه كل فريق إلى تقسيمات متعددة بحسب معايير مختلفة؛ والتي تتنوع من تقسيمه لدوافعه ومبرراته أو مسوغاته، وتقسيمه للمراحل التي يتم فيها، أي في أي مرحلة يكون الجنين بحسب الأطوار التي مرت بنا.

  • تقسيم الإجهاض عموما:

لقد قسّم الناس عموما الإجهاض إلى ثلاثة أصناف هي: العفوي، والعلاجي، والاجتماعي (الجنائي)، وهذا التقسيم بحسب دوافعه ومبرراته التي يلجأ إليها الناس، فقالوا:

1-الإجهاض العفوي ( التلقائي- الذاتي): وهو الذي يحصل بغير إرادة المرأة، حيث يعمل الرحم على طرد جنين لا يمكن أن تكتمل له عناصر الحياة، وقد يحدث بسبب خلل في جهاز المرأة التناسلي، أو بسبب خطأ ارتكبته كحمل شيء ثقيل، أو توتر نفسي، أو شربها لدواء مضر بالحمل والجنين …الخ

أي أنه إجهاض طبيعي حدث تلقائيا بدون أي تدخل خارجي بأي صورة من صوره، ومسبباته داخليه محضة تتعلق بأمراض تصيب الأم الحامل أوالجنين[33].

2-الإجهاض الاجتماعي (الإنساني، الجنائي، الإجرامي): وهو الذي يُتعمد فيه إنهاء الحمل بطريقة غير شرعية، والذي يجريه أشخاص غير متخصصين، عن طريق شرب دواء معين، أو إدخال أدوات صلبة في المهبل؛ لهدف واحد وهو التخلص من الجنين لسبب من الأسباب التي يراها أصحابها أنها مبررات إنسانية، كالتستر على الفاحشة (حمل من سفاح، أو زنا، أو زنا محارم، أو اغتصاب)، ومن هنا سمي إجهاضا اجتماعيا على اعتبار أن إجهاض الجنين المتكون من زنا أو اغتصاب أو زنا محارم يعد حلا لمعضلة اجتماعية حساسة، وقد يجرى كذلك في عيادات طبية بإشراف أطباء متخصصين؛ تحت ذريعة إنقاذ فتيات قُصر أو نساء من حمل غير مرغوب فيه، مقابل مبالغ مالية خيالية!

3- الإجهاض العلاجي: وهذا النوع من الإجهاض الذي يستدعي اللجوء إليه ضرورة طبية؛ “فهو الذي يقوم به الطبيب الموثوق في دينه وعلمه، أو يأمر به إنقاذا لحياة الأم عندما تتعرض للخطر بسبب الحمل”[34]. وسيأتي تفصيله لاحقا

تقسيم الإجهاض عند الأطباء:

أما أنواع الإجهاض عند الأطباء فهي أقسام كثيرة، وذلك راجع إلى مرحلة الحمل، إضافة إلى الدافع لذلك.

فقُسم باعتبار المرحلة التي تم فيها والأسباب الطبية لوقوعه إلى:

1-الإجهاض المهدد أو المنذر: ومعناه حدوث نزيف في الرحم خلال مدة الحمل، وبالذات في بدايته (20 أسبوع الأولى)؛ حيث يكون الجنين حيا؛ إلا أن خطرا كبيرا يتهدده بفعل النزيف، فيكون قابلا للسقوط.

2-الإجهاض الحتمي: ومعناه موت الجنين، وخروجه بفعل انقباض الرحم.

3-الإجهاض المفقود: والمقصود به موت الجنين، وبقائه داخل الرحم.

4-الإجهاض المعتاد: وهو الذي يحدث لوجود تشوهات بالرحم، أو أن عنق الرحم فاقد القدرة على بقائه منغلقا.

5-الإجهاض العفن: وهو الناتج بعد حدوث التهابات في الرحم[35].

أما أقسامه باعتبار الكيفية التي يمر بها فهي:

1-التلقائي

2- والجنائي

3- والعلاجي[36]. وهي التي تقدم ذكرها.

والذي يهمنا من تقسيمات الأطباء للإجهاض هي التقسيمات الثلاث الأخيرة؛ لأن تقسيمات الأطباء الأولى هي باعتبار الأسباب الطبية لوقوعه، أما الذي يهمنا فهو الكيفية التي يتم بها، من أجل معرفة متى يجوز ومتى لا يجوز.

 

◄    أنواع الإجهاض عند الفقهاء:

يعتمد الفقهاء المسلمون في نظرتهم وحكمهم على الإجهاض على استقراء الآيات والأحاديث النبوية التي تطرقت للجنين ومراحل تكونه في بطن أمه، وقد سبق التطرق لبعض من هذه الآيات والأحاديث.

وكما رأينا في مبحث مراحل تكون الجنين فإن الفقهاء أعطوا اهتماما بالغا للمراحل والأطوار التي وردت، والتي ميزت بين أدوار (النطفة والعلقة والمضغة وتكوُّن اللحم)، وبين مرحلة (النشأة الأخرى)، والتي أثبتت أن النشأة الأخرى تختلف وتتميز عن سابقاتها من المراحل والأطوار؛ وأما مستند هذا الاعتماد فهو أن ” العلماء المسلمين يرون أن حقيقة الإنسان لم تتحدد بهيكله المخصوص بما يحتوي عليه من عناصر مادية، وما يتكون منها من أعضاء وأجزاء. وإنما تحددت بروحه التي نفخت فيه”[37]. ومن هنا قسم الفقهاء الإجهاض، أو بالأحرى التعدي على الجنين، إلى قسمين:

1-الإجهاض قبل نفخ الروح

2-الإجهاض بعد نفخ الروح

فأصبح” نفخ الروح” هو الاعتبار والأساس في التقسيم، ومنه تحريم أو إباحة الإجهاض في الشريعة الإسلامية؛ إضافة إلى مجموعة من القواعد المكملة، سنعرفها لاحقا، والتي تختلف من مذهب لآخر.

 

والذي يجدر التنبيه إليه أيضا أن المواضع التي تم التطرق فيها لموضوع الإجهاض عند فقهائنا، هي مباحث الديات والجنايات، (فصل “غرة الجنين”)، وكل المسائل دارت حول تعرض الحامل للضرب أو أية جناية مشابهة أدت إلى قتلها وموت الجنين، ففي هذه الحال تثبت الغرة على عاقلة الجاني لا الدية كاملة؛ لأنه لا يمكن تحقق العمد المحض كما قال الفقهاء؛ إذ قال ابن جزي:” ولا يقتل قاتل الجنين في العمد لأن حياته غير معلومة”[38].

وقال النووي : “فالجناية على الجنين قد تكون خطأ محضا بأن يقصد غير الحامل فيصيبها، وقد تكون شبه عمد، بأن يقصد ضربها بما يؤدي إلى الإجهاض غالبا، فتجهض، ولا تكون عمدا محضا؛ لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد، هذا هو الصحيح”[39].

وقد نص على وجوب الغرة حديث النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – أن “امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة[40]. من دون التفريق بين كون الجنين ذكرا أو أنثى، ” لأن السنة لم تفرق بينهما”[41]، كما قال ابن قدامة.

ومن دون التفريق بين كون الجنين تام الخلقة أو ناقصا كما قال المالكية؛ إذ قال ابن جزي:” ودية الجنين عبد أو وليدة، وسواء كان ذكرا أو أنثى، وسواء تم خلقه أو لم يتم إذا خرج من بطن أمه ميتا”[42]. وقال الزرقاني:” حكم في الجنين حال كونه قتل في بطن أمه ذكر أو أنثى، ولو مضغة أو علقة، أو ما يعلم أنه ولد عند مالك بغرة”[43].

 

وهذا حال حدوث جناية على الأم، أما لو كانت الجناية مقصودا بها الجنين نفسه كما نريد أن نبحثه، فماهو الحكم؟ وهل يختلف الحال لو كانت الجناية من الأم نفسها؟

المبحث الرابع: آراء فقهاء المذاهب الأربعة في حكم الإجهاض

أولا: آراء الفقهاء في حكم الإجهاض بعد نفخ الروح

أجمع الفقهاء على أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد المئة والعشرين يوما من الحمل.

ودليلهم في هذا الرأي:

قول النبي – صلى الله عليه وسلم -:{إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح}[44].

فإذا وجدت به الحياة بوجود الروح، وإيجاب الرسول صلى الله عليه وسلم الغرة بقتله؛ فإن ذلك مؤداه اعتبار الجنين بعد الشهر الرابع إنسانا تثبت له كل الحقوق التي تثبت للذي انفصل عن أمه حيا .

وإذا ثبتت الغرة بالجناية على الجنين في بطن أمه على الذي قصد قتلها؛ فمن باب أولى على الأم كذلك إذا قصدت إسقاطه للتخلص منه. إذًا الأصل في الإجهاض بعد نفخ الروح الحظر والتحريم إلا للضرورة الطبية؛ أي أن استمرار الحمل يضر بصحة الأم ويهدد حياتها كما جاء في آراء الفقهاء القدامى والمعاصرين.

 

قال أحمد في امرأة شربت دواء فأسقطت، إن كانت تعمدت فأحب إلي أن تعتق رقبة، وإن سقط حيا ثم مات فالدية على عاقلتها لأبيه… قيل له: فإن شربت عمدا، قال هو شبيه بالعمد، شربت لا تدري يسقط أم لا . عسى لا يسقط. الدية على العاقلة”[45].

وبمثله قال أبو الحسن الماوردي بقوله: “وهكذا لو شربت الحامل دواء فأسقطت جنينا ميتا، روعي حال الدواء. فإن زعم علماء الطب أن مثله قد يسقط الأجنة، ضمنت جنينها، وإن قالوا: مثله لا يسقط الأجنة لم تضمنه، وإن أشكل وجوزوه ضمنته؛ لأن الظاهر من سقوطه أنه من حدوث شربه… كذا لو امتنعت الحامل من الطعام والشراب حتى ألقت جنينها…”[46].

ثانيا: آراء الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح

وأما الجناية على الجنين قبل نفخ الروح فيه؛ أي في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل؛ ففي وجوب الغرة (وهي العقاب الدنيوي)، وإثم الجاني (وهو العقاب الأخروي)، سواء أكانت الجناية من الأم أو غيرها، اختلاف بين الفقهاء، ومرد اختلافهم راجع إلى رأيهم في المراد بـ”تصور الجنين وتخلقه”؛ أي في أي مرحلة يكون الجنين، ثم قول البعض أن الغرة بدل الحياة؛ فحيث لا حياة لا غرة.

وهذه أراء أئمة المذاهب الأربعة وبعض تلاميذتهم، والتي انقسم فيها الفقهاء إلى محرم ومانع للإجهاض في أي مرحلة من مراحل تخلق الجنين، وبين مجيز لذلك في مرحلة المضغة غير المخلقة، وبين مبيح للإسقاط في مرحلة الأربعين يوما، وبين مبيح بإطلاق كما سيأتي:

  • رأي الإمام الغزالي والمالكية:

ومذهب الإمام الغزالي -وهو من الشافعية- التحريم مطلقا، فلا يجوز الجناية على الجنين في أي مرحلة من مراحل نموه، وقد قال” وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا”[47].

وإليه ذهب المالكية في قول الدسوقي: “ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا”[48]، والرأي نفسه يذهب إليه كلٌّ من ابن العربي، والشيخ محمد عليش[49]، ويذهب الإمام ابن العربي إلى أن للولد ثلاثة أحوال “حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل، وحال بعد قبض الرحم على المني فلا يجوز حينئذ لأحد التعرض له بالقطع من التولد. والحالة الثالثة بعد انخلاقه قبل أن تنفخ فيه الروح وهو أشد من الأولين في المنع والتحريم. فأما إذا نفخ فيه الروح فهو نفس بلا خلاف”[50].

” ومعنى ذلك أن المالكية (ومعهم بعض الشافعية) لا يجيزون الإسقاط قبل مضي أربعين يوما على الحمل، ولم يستثنوا حالة العذر”[51].

ويتضح من الأقوال السابقة أن اعتبارات تحريم إسقاط الجنين في أية مرحلة من مراحل نموه هي: إنسانيته وحقه في الحياة، وتحصل له هذه الانسانية باختلاط بويضة المرأة مع نطفة الرجل (النطفة الأمشاج) ثم نفخ الروح.

  • رأي الحنابلة:

وبالتحريم قال الحنابلة أيضا، والتحريم عندهم لا يكون من مرحلة النطفة أو العلقة، بل من مرحلة المضغة، إذا ظهر فيها تخلق. جاء في المغني: “وإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه؛ لأنا لا نعلم أنه جنين… وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة، وإن شهدت أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور، فيه وجهان، أصحها: لا شيء فيه لأنه لم يتصور فلم يجب فيه كالعلقة”[52]. كذلك جاء في الإنصاف عن الحنابلة[53]. فهنا الحنابلة قد فصلوا القول في مراحل الجنين.

فالراجح عند الحنابلة جواز الإسقاط قبل مرحلة المضغة، وهي المرحلة التي يبدأ فيها تخلق الجنين، استنادا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الآتي ذكره، فإن الإجهاض مباح قبل 42 يوما الأولى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال أي ربِّ أذكر أم أنثى}[54]. فاجتمع عند الحنابلة اعتباران لحرمة الإجهاض وإسقاط الجنين لأي عذر أو سبب، هما: تخلق الجنين، ونفخ الروح فيه.

  • رأي الشافعية:

وتفصيل الشافعية للمسألة جاء موافقا لمذهب الحنابلة. فعن الإمام النووي أنه قال: “أن الغرة تجب إذا سقطت بالجناية ما ظهر فيه صورة آدمي، كعين أو أذن أو يد ونحوها، ويكفي الظهور في طرف، ولا يشترط في كلها… وإن قلن (القوابل): ليس فيه صورة خفية لكنه أصل آدمي ولو بقي لتصور، لم تجب الغرة على المذهب”[55]. وقال أيضا “فلو جنت الحامل على نفسها بشرب دواء أو غيره، فلا شيء لها من الغرة المأخوذة من عاقلتها، لأنها قاتلة[56].

ووافقهما الإمام الماوردي فيما يخص المضغة، حيث قال: “وإن المضغة لا يتعلق بها[57] ما سوى الغرة”[58]، ثم قال: “ومحصول هذه الأحوال التي جاءت في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 12-14). يرجع إلى ثلاثة أقسام: مضغة، وما قبلها، وما بعدها”[59]. ومؤدى كلامه أن لتصور الجنين اعتبارًا في جناية الإسقاط، وهو مذهب الحنابلة -كما رأينا- في جواز إسقاط الجنين قبل الاثنين والأربعين (42) يوما الأولى.

◄    رأي الأحناف:

وبمثل القول الأخير للشافعية قال الإمام السرخسي من الأحناف في قوله: “ثم الماء في الرحم ما لم يفسد فهو معد للحياة، فيجعل كالحي في إيجاب الضمان بإتلافه… وجناية الأب أغلظ من جناية الأجنبي لأنه انضم إلى تعمده القتل بغير حق وارتكابه ما هو محظور مع قطيعة الرحم”[60].

وإليه كذلك ذهب صاحب بدائع الصنائع في تعليل وجوب الغرة للجنين بقوله: “ولأن الجنين إذا كان حيا فقد فوت الضارب حياته، وتفويت الحياة قتل؛ وإن لم يكن حيّا فقد منع من حدوث الحياة فيه فيضمن… وسواء استبان خلقه أو بعض خلقه وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا شيء فيه لأنه ليس بجنين إنما هو مضغة[61]. وهو المنقول عن الإمام المرغيناني الحنفي، فقد قال: “والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع الأحكام؛ لأن بهذا القدر يتميز عن العلقة والدم، فكان نفسا، والله أعلم”[62].

إلا أن صاحب تكملة شرح فتح القدير يعارضه في كلامه الأول بقوله: “وليس بسديد؛ فإن تيقن كونه معدا للحياة ممنوع لجواز أن يفسد الماء في الرحم فحينئذ ينتفي استعداده للحياة”[63]. ومقتضى قول صاحب “تكملة شرح فتح القدير” هو جواز الإسقاط قبل نفخ الروح، ما لم يتخلق. وإليه كذلك ذهب ابن عابدين بعد إيراده أقوال الكثير من علماء الأحناف، قال ابن عابدين: “ولا يخفى أنها تأثم لو استبان خلقه ومات بفعلها”[64].

ومما نستخلصه من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة أن:

الإجهاض بعد نفخ الروح لأي عذر من الأعذار محرم تحريم قاطع، سوى عذر علاج الحامل للحفاظ على صحتها.

وأما قبل نفخ الروح فالمسألة فيها تفصيل وأراء بحسب المرحلة التي بها الجنين؛ فإن الإمام الغزالي وأئمة المذهب المالكي متفقون على تحريم الإجهاض مطلقا، أي منذ أن يكون نطفة إلى إلى مرحلة ماقبل نفخ الروح فيه، على أساس أن النطفة مستعدة لقبول الحياة، والجناية عليها ممنوعة بأي حال من الأحوال؛ ففي أجهاض الجنين في مراحله الأولى تعدٍ على إنسانيته وحقه في الحياة، حتى أن الإمام الغزالي وصف إفساد إلتقاء النطفة مع البويضة بالجناية، وإفساد المضغة والعلقة جناية أفحش من سابقتها، وهكذا… وهو القول الذي ذهب إليه بعض أئمة الأحناف، مثل الإمام السرخسي.

أما الحنابلة والشافعية وبعض الفقهاء الحنفية فإنهم ذهبوا إلى أن منع التعدي على الجنين يكون من مرحلة المضغة فقط لا قبلها؛ لأنه لم يتصور بعد، وأما في المرحلة الثانية من المضغة، وإن ظهر تصور قليل فإن الراجح أنه لا يعد تعديا أو جناية، فأساس التعدي هو بدأ تخلق الجنين، وأما قبلها فإن المسألة مباحة، أي جواز إسقاط الجنين قبل الاثني والأربعين يوما، وهي ” المرحلة التي يكون فيها الجنين وسطا بين الوجود الإنساني وخلافه”[65].

والحاصل من مناقشتنا لمختلف الأقوال هو اتفاق المذاهب الثلاثة خلافا للمذهب المالكي والإمام الغزالي في جواز إسقاط الجنين، وعدم وجوب الغرة على الجاني في المرحلة الأولى من مراحل تكون الجنين، حتى مرحلة المضغة، لأنها بداية التخلق، وتَكوُّن صورة الجنين؛ فعندها تحرم الجناية عليه بأي طريق، ولأي عذر؛ فالاعتبار في حرمة الإسقاط يعود إلى ظهور بعض معالم التخلق في الجنين غير الكامل، ثم نفخ الروح في الجنين كامل الخلقة، خلافا للمالكية والإمام الغزالي الذين ذهبوا إلى حرمة فعل الإسقاط بدءا من استقرار الماء في الرحم.

المبحث الخامس: آراء الفقهاء المعاصرين والأطباء في حكم الإجهاض

أولا: آراء الفقهاء المعاصرين:

انقسم الفقهاء المعاصرون إلى فريقين : فريق يذهب إلى جواز الإسقاط في أي مرحلة قبل الـ (120) يوما (قبل نفخ الروح)، وفريق آخر يذهب إلى حرمة الإسقاط حين دخول النطفة الرحم واستقرارها فيه.

ومن أجل مناقشة آراء الفقهاء المعاصرين فإني سأورد أقوال من وجدت لهم كتبا في الموضوع، وإلا فإن آراء الفقهاء المعاصرين كثيرا ما ترد في المؤتمرات والندوات التي تعقد في هذا المجال، ومثال ذلك ندوة “الإنجاب في ضوء الإسلام” التي انعقدت بالكويت، 24/ مارس/ 1983، والتي جاء في توصيتها السابعة في “الإجهاض” قولها: “استعرضت الندوة آراء الفقهاء السابقين وما دلت عليه من فكر ثاقب ونظر سديد… وقد استأنست الندوة بمعطيات الحقائق العلمية الطبية المعاصرة، فخلصت إلى أن الجنين حي من بداية الحمل، وأن حياته محترمة في كافة أدوارها خاصة بعد نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأوا جوازه قبل تمام الأربعين يوما، وخاصة عند وجود الأعذار…”[66].

ومن الفريق غير المجيز للإجهاض قبل الأربعين، الدكتور محمد سلام مدكور الذي قال: “وقد أوردنا وجهة نظرنا من ترجيح القول بمنع الإجهاض قبل نفخ الروح وبعده ما لم يكن هناك عذر يقتضي ذلك”[67]، وإليه ذهب الدكتور وهبة الزحيلي في قوله: “وأرجح أيضا عدم جواز الإجهاض بمجرد بدء الحمل، لثبوت الحياة، وبدء تكون الجنين؛ إلا لضرورة كمرض عضال أو سارٍ؛ كالسل أو السرطان”[68].

وإلى الرأي نفسه ذهب الدكتور جميل بن مبارك، حيث قال: “والذي ينبغي المصير إليه في مسألة الإجهاض – والله أعلم- هو أنه إذا كانت هناك ضرورة تدعو إليه فيرخص فيه وإلا فلا. وهذا الحكم ينبغي أن يسري على المرحلتين معا قبل التخلق وبعده؛ لأن إسقاطه ولو في مرحلة ما قبل التخلق يعتبر تلاعبا وقطعا للطريق أمام الحمل مادام العزل ووسائل منع الحمل الأخرى مباحة”[69].

ومن الذين يجيزون الإجهاض قبل الأربعين، ما يفهم من قرار هيئة كبار علماء المملكة العربية السعودية في تجويزهم تنظيم النسل “تمشيا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين”[70]. وما صرح به د/ البوطي ” أن الحكم الراجح في مسألة الإجهاض هو جواز إسقاط المرأة حملها إذا لم يكن قد مضى على الحمل أربعون يوما”[71].

وما ورد عن عبد الكريم زيدان تعليقا على آراء فقهاء المذهب الحنفي قوله” وواضح من هذا أن الإجهاض قبل مضي أربعة أشهر على الحمل لضرورات العلاج يعتبر إجهاضا بعذر مشروع”[72]؛ أي أنه قرن بين إباحة الإجهاض وبين حالة العلاج للمرأة الحامل المريضة، فيعتبر المرض من الأعذار المبيحة للإجهاض قبل نفخ الروح.

ثانيا: آراء بعض الأطباء المسلمين في الإجهاض:

الذي يفهم من أقوال بعض الفقهاء عموما أن الإجهاض يجوز قبل تخلق الجنين؛ أي ما قبل مرحلة المضغة، وتفهم هذه الإباحة من عدم إيجاب الغرة على الجاني أو الحامل التي تعمدت إسقاط جنينها. إلا أن الأطباء المسلمين ورغم هذه الإباحة، لا يرون أي مسوغ يدعو الحامل للتخلص من جنينها لأي سبب تراه، بحجة أن الروح لم تنفخ فيه بعد، أو أن خلقه لم يظهر.

وفي هذا يقول الطبيب زياد التميمي: “يحمل عدد غير قليل من العامة وعدد لا بأس به من المثقفين فكرة لا أصل لها ولا يؤيدها منطق، وهي أن الجنين لا روح له ولا أهمية لحياته قبل ثلاثة أو أربعة أشهر، وقد يشتط البعض في فكرته إلى درجة الاعتقاد أن لا إثم ولا بأس من إسقاط الجنين خلال هذه الفترة أو قبلها! ونقول عن هذا الفهم أنه خاطئ لأسباب؛ منها أن الروح التي هي أساس الحياة موجودة في هذا المخلوق منذ تكونت النطفة الأمشاج…فإذا حرم من حق الحياة وأُنهيت حياته التي منحه الله إياها، فإن ذلك اعتداء على حياة، واعتداء على حق الخالق الذي يعطي ويأخذ”[73].

وفي المسألة نفسها نقل د/ القرضاوي رأيا لأحد الأطباء تعليقا على أقوال من أجاز من الفقهاء إسقاط الجنين قبل نفخ الروح: إن هذا الحكم من هؤلاء العلماء مبني على معارف زمانهم. ولو عرف هؤلاء ما عرفنا من حقائق علم الأجنة اليوم عن هذا الكائن الحي المتميز، الذي يحمل خصائص أبويه وأسرته وفصيلته ونوعه، لغيروا حكمهم وفتواهم، تبعا لتغير العلة، فإن الحكم يدور علته وجودا وعدما”[74].

ويذهب د/ محمد علي البار إلى أنه ” ينبغي على من يعملون بالمهنة الطبية أن ينتبهوا إلى هذه النقطة وعليهم إذا اضطروا لإجراء الإجهاض أن يحرصوا على أن يكون في الفترة التي تسبق نفخ الروح (120 يوما ) إلا في حالة واحدة وهي تعرض حياة الأم للخطر”[75]، وهو ما سنناقشه بالتفصيل لاحقا.

المبحث السادس:

مسوغات إباحة الإجهاض وحكم إجهاض الجنين المشوه أوالناتج عن الاغتصاب أو زنا المحارم

أولا: مسوغات الإجهاض عند الفقهاء والأطباء والناس عموما:

1-مسوغات الإباحة قبل نفخ الروح:

بعد التطرق سابقا لآراء الفقهاء القدامى والمعاصرين، وجدنا أن رأي الفريق المبيح للإجهاض قبل الأربعين يوما، تسوغه أعذار ومبررات، مثل :

  • الخوف على صحة الأم.
  • ضيق ذات اليد عن النفقات التي تستتبعها الولادة وتربية الولد.
  • الحاجة إلى سفر ضروري يكون فيه نمو الحمل ثم الولادة عائقا، كما لو كان لأجل دراسة أو لأعمال تستدعي تنقل الزوجين[76]. كما يذهب لذلك الشيخ الزرقا- رحمه الله-
  • الأم الحامل المصابة بعدوى الإيدز[77].كما ترى الندوة الفقهية الطبية السابعة.

غير أن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والفتاوى ترى أنه :” لا يجوز إسقاط الحمل للخشية من الإصابة بالإيدز؛ لأن احتمال إصابته بعدوى فيروس الإيدز لايسوغ إسقاطه”[78].

وهو الرأي نفسه الذي يذهب إليه الطبيب: أحمدكنعان استشاري طب الأسرة والمجتمع ، إذ يقول:” بما أن احتمال إصابة الجنين بالعدوى من أمه المصابة بالأيدز لا يزيد عن 30% ؛لأن تعاطي الحامل لبعض الأدوية المضادة يقلل من احتمال إصابة جنينها،ولأن بعض الأطفال الذين كانوا إيجابيين يتحولون إلى سلبيين فيما بعد، فإننا لا نرى مبررا شرعيا لإجهاض الطفل الذي لديه إيجابية للايدز”[79].

  • أما فتاوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، رقم 140 وتاريخ 20/6/1407هـ فإنها فصّلت ضوابط هذه المبررات بما يأتي:” إن كان الحمل في الطور الأول وهي مدة الأربعين، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر متوقع، جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية أولاد أو خوفا من العجز عن تكاليف معيشتهم أو تعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد فغير جائز”[80].

ومما تقدم يطرح سؤال مفاده :

ماحكم إجهاض الجنين المشوه في وقتنا الحاضر؟

وهل يجوز الإجهاض قبل الأربعين أيضا للفتيات الحوامل من زنا المحارم أو المغتصبات خاصة في أوقات الحروب ؟ وهل يجوز للزانية أن تستفيد من الرخصة في إجهاض حملها قبل مرور أربعين يوما؟ وهل لمسألة الإباحة قبل الأربعين يوما شروطٌ معتبرة مضبوطة، أو أنها إباحة مطلقة تكون حجة للزانيات اللواتي يحملن من سفاح، أو النساء المتزوجات اللاتي لا يرغبن في الحمل الذي ظهر، فتكون أقوال الفقهاء حجة لهن، في إسقاط الحمل في الشهر الأول بعد ظهور بوادر الحمل؟‍‍

أليس الأولى أن يغلق هذا الباب سدا لذريعة انتشار الفساد والسفاح والزنا، وسهولة قتل وإجهاض الجنين الذي نسل من طريق الفاحشة؟ “فإن إباحة الإجهاض سوف تكون ذريعة لنشر الفساد، وما أكثر ما يستغل غير أصحاب المروءات والدين هذه الثغرة”[81].

أولا: حكم إجهاض الجنين المشوه:

اختلف الفقهاء وقبلهم الأطباء في إباحة إسقاط حمل شابه الاحتمال في أنه يحمل تشوها خلقيا ، أو إصابة بمرض وراثي قاتل، وهذه بعض آرائهم:

  • في هذا الأمر يؤكد الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر السابق، عليه رحمة الله، أنه “بهذا الاعتبار، ومتى أخذ الجنين خصائص الإنسان وصار نفسا من الأنفس التي حرم الله قتلها، حرم قتله بالإجهاض بأية وسيلة من الوسائل المؤدية إلى نزوله من بطن أمه، فلم تكن العيوب التي تكتشف بالجنين مبررا شرعيا لإجهاضه أيا كانت درجة هذه العيوب”[82] .
  • غير أن الأمر فيه تفصيل من قبل باحثين وفقهاء آخرين؛ حيث إن “الإجهاض قبل استكمال الجنين مئة وعشرين يوما رحميا يجوز عند الضرورة التي عبر عنها الفقهاء بالعذر… والمعيار هنا أن يثبت علميا وواقعيا خطورة ما بالجنين من عيوب وراثية، وأن هذه العيوب تدخل في النطاق المرضي الذي لا شفاء منه، وأنها تنتقل منه إلى الذرية.. أما العيوب الجسدية والتي من الممكن أن تتلاءم معها الحياة العادية، فلا تعتبر عذرا شرعيا مبيحا للإجهاض”[83].
  • فيجوز الإجهاض قبل الأربعين عند ثبوت أن الجنين مصاب بتشوهات خلقية، إذ أفتى المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته (12) سنة1410هـ/ 1990م، بجواز إجهاض الجنين المشوه تشويها شديدا، بشرط أن يكون ذلك بقرار لجنة من الأطباء المختصين، وأن يكون قبل مرور(120) يوما، وهو أيضا رأي الشيخ القرضاوي[84].
  • في حين أن الدكتور شبير، واستنادا لآراء الأطباء الذين استشارهم، يرى أن الأمراض الوراثية في الجنين لا تعتبر عذرا شرعيا للإجهاض قبل نفخ الروح؛ لأنه لا يمكن اكتشافها، والتعرف عليها لا يكون قبل الأسبوع الثامن من العلوق[85].
  • كما يؤكد البعض الآخر من الأطباء أن الجنين إذا كان به شذوذ صبغي (كروموزومي) فإنه سيسقط من تلقاء نفسه، إذ يقول الدكتور حسن حسن أن :” 30% من حالات الحمل تنتهي بالإسقاط، والأسباب متعددة، وأهمها وأكثرها شيوعا الشذوذ لدى الجنين، يليه العلوق غير المناسب”[86]. ويقول في موضع آخر” ففي بعض الحالات يعود السبب إلى حادث صبغي (جيني، موروثي) يسبب خللا لدى الجنين”[87].
  • وتروي الطبيبة سامية محمد عبد الرحمن العمودي، استشارية نساء وتوليد وعقم وأطفال أنابيب قصة تقول فيها :” أورد مثالا حقيقيا لقصة عايشنا أحداثها مع أحد الأساتذة الأفاضل.. لسيدة حامل سبق وأن حملت مرتين، وفي كل مرة ينتهي الحمل بولادة طفل مصاب بتشوه خلقي “استسقاء بالدماغ” أو Hydrocephalus وتتطلب ولادتها إجراء عملية قيصرية نظرا لوضع الجنين وكبر حجم الرأس… ومعروف طبيا أن ولادة طفل سابق بهذا التشوه تزيد احتمالات ولادة جنين مصاب بنفس التشوه مرة أخرى.. السيدة هذه فكرت في الإجهاض كحل لمشكلتها…لكن حديث الطبيب إليها عن الاحتساب وعظم الأجر والثواب مقابل هذا الابتلاء أثار في قلبها وقلب زوجها نوازع إيمانية لطلب الأجر عنده تعالى فعدلت عن قرارها، ورفضت حتى أن تقوم بمتابعة تطورات حالة الجنين بجهاز الأمواج الفوق الصوتيه حتى لا تمر بالمعاناة ذاتها كما سبق…وعند قيامهم بإجراء القيصرية في هذه المرة فوجيء الطبيب وكل من حضر العملية بولادة طفل سليم مكتمل خال من أي تشوهات.. مما يجعلنا نرى قبسا من رحمة الله وسعة فضله.. {…إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}…وهل هناك أعظم من زوج وزوجة أخذا أجر الاحتساب في الآخرة وزادهما الله من فضله بنعمة البنين في الحياة الدنيا!”[88].

ثانيا: حكم الإجهاض في حالة الزنا

الحقيقة أن الفقهاء لم يهتموا بالتفاصيل المتعلقة بالحمل أثناء تطرقهم للمسألة، فلم يفرقوا بين الحمل الناشئ من زواج صحيح، والحمل الناشئ من زنا، إلا أن كثيرا من الدلائل التي أوردتها تحرم الإجهاض الناشئ من زنا، سواء نفخت فيه الروح أو لم تنفخ؛ وذلك لاعتبارات كثيرة أهمها:

أن الزنا عموما، هو علاقة تجمع بين الرجل والمرأة يتحقق بها قضاء الشهوة من دون اللجوء إلى عقد أو إشهاد أو وجوب حضور ولي. فيُلجأ إليه قضاء للشهوة، ورغبة في الابتعاد عن إنجاب نسل وولد يبحث عمن ينتسب له، وهو الأمر الذي حرمّه الشارع الحكيم، ناهيك عما قد تبادر الزانية إلى فعله بحملها، وهو ثمرة جريمة الزنا؛ فقد تجهضه وتسقطه وهو جنين، وقد لا تتوانى بعد أن تركته يخرج للحياة بقتله أمام ناظريها، وهو وليد، أو خاتمة المخارج إلقاؤها به في العراء خوف الفضيحة، وهربا من تهمة الفاحشة.

وفي كل الأحوال، فإن كل مخرج هو قتل بعينه. فليس القتل الأول بأهون من الثاني ، ولا القتل الثالث أيسر على الجنين من الثاني وهكذا. وهذا هو القتل المادي، وهو الغالب الحدوث مع الزانية؛ حيث لا تراعي مطلقا حق الوليد في الحياة، بل إن في محاولتها قتله رغبة في التخلص من جريمة الزنا وثمرتها، ولكن هذا الاعتقاد تبطله الشريعة الإسلامية بقوله تعالى :{…وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى…} (الإسراء: 16).

كما أن الشريعة الإسلامية قضت بأمر آخر، في حرصها على حياة الوليد الذي لم يجن أية جناية حتى نبيح قتله أو إجهاضه؛ بل إن أمه هي الجانية وعليها يقام الحد، ولكن ترجأ إقامة الحد على الأم وهي الزانية، لا لأجلها بل لأجل حملها، إذ قال النبي – صلى الله عليه وسلم – للغامدية بعد أن ثبت في حقها الحد:”اذهبي حتى تضعي، فلما وضعته جاءته، فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اذهبي حتى ترضعيه، فلما أرضعته جاءته فقال اذهبي فاستودعيه، فاستودعته ثم جاءت فأمر بها فرُجمت[89].

والإسلام في تحريمه للزنا، وتشديده العقوبة فيها بين حدّ وتعزير[90]، يبتغي تهذيب النفس الإنسانية بأن يسير بها في طريق الفضيلة والعفة، مراعيا في الوقت نفسه الفطرة البشرية في قضاء شهواتها؛ بأن نظمها داخل إطار الزواج، فإذا كان الزوجان لا يريدان الولد فبإمكانهما استعمال موانع الحمل لا الإجهاض وسيلة للتخلص من الحمل، فما بالك إذا كان لإجهاض جنين متخلق من واقعة زنا!

ثالثا: حكم الإجهاض في حالة الاغتصاب وزنا المحارم

يختلف الاغتصاب عن الزنا في أنه مواقعة رجل لامرأة دون رضاها خارج إطار الزواج، باستعمال القوة والعنف ووسائل التهديد، والخداع، وكل ما لا يمكن مقاومته من طرف المرأة[91].

كما أن زنا المحارم في حقيقته اغتصاب لأنه يقع دون رضا البنت أو تحت إكراه أحد أقربائها من المحارم، وبالتالي فإن حكمه من حكم الاغتصاب.

ونقطة الخلاف بين الزنا وزنا المحارم أوالاغتصاب تكمن في عدم إقامة الحد على المرأة أو البنت المكرهة،كما يرى عامة الفقهاء؛ حيث أنهم فصلوا القول في عدم إيقاع الحد على المرأة المكرهة بخلاف موُقع الإكراه (الزاني)، وإيجاب المهر عليه على خلاف بين الفقهاء[92].

أما الولد أو الحمل الذي تحمله المكرهة فهو ابن سفاح مثله مثل ابن الزنا، كما ورد عند ابن قدامة في قوله: “ولا يلحق نسبه بالواطئ، لأنه من زنا”[93].

وفي الحقيقة إن مسألتي الاغتصاب وزنا المحارم من المسائل النادرة في ظل المجتمع الإسلامي، أما في العصر الحاضر وفي ظل تعسر طرق الزواج، فإنهما أصبحتا منتشرتين، وقلما تخلو منهما صفحات الجرائم والأحداث في الجرائد اليومية، وهذا أيضا يمكن التسليم به على مضض.

وأما الذي يحدث في الدول المسلمة المحتلة فإن الخطب فيها أعظم؛ حيث إن اغتصاب النساء المسلمات في البوسنة مثلا، والشيشان، وكوسوفا، والعراق، وأفغانستان، وغيرها من هذه البلاد، يكون جماعيا؛ “فقد أشارت التقارير الواردة عن الأمم المتحدة أنه ينتظر خلال الفترة المقبلة ولادة ما يقارب عشرة آلاف طفل سفاح في كوسوفا”[94]، ومعنى هذا أن العدد يمكن مضاعفته عشرات المرات للحالات غير المسجلة.

وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها بقوة، وهي:

من سيقوم برعاية كل هؤلاء اللقطاء؟ وكيف يمكن لدول أن تقوم مستقبلا على جيل سفاح؟

وهل الأولى إباحة إسقاط وإجهاض الجنين الناشئ من الاغتصاب وزنا المحارم حتى لا يكثر اللقطاء، ولا تبقى ثمرة الجناية تؤرق أمه المغتصبة طوال حياتها لذنب لم تجنه هي أو هو ؟!

وهل يمكن لامرأة أن تربي ابنها من أخيها أو أبيها أو عمها؟!

وكيف سيكون الوضع الأسري تجاه هذه الحادثة التي تبقى ثمرتها شاهدا عليها طوال الحياة؟

وهل يمكن الاستفادة من نقطة الخلاف أيضا في إباحة إجهاض المرأة المغتصبة للجنين التي تحمله ثمرة اغتصاب أو زنا محرم ، وثمرة جريمة لم ترتكبها هي؟ وهي المسألة التي لم يناقشها فقهاؤنا الأجلاء .

أفتى المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر[95]، والدكتور رواس قلعة جي[96]، بأنه :” يترجح أن إباحة إجهاض جنين الاغتصاب أو زنا محرم في مرحلة ما قبل نفخ الروح يعد من المسوغات المعتبرة، بشرط أن يتم التحقق من حالة الاغتصاب، وذلك بتسجيلها لدى الشرطة أو أية جهة معنية؛ وحتى لا تتخذ الزانية هذه الإباحة عذرا وتدعي أنها مغتصبة”.

وإلى الرأي نفسه ذهب الدكتور يوسف القرضاوي في قوله:

” كلما كان العذر أقوى كانت الرخصة أظهر، وكلما كان ذلك قبل الأربعين الأولى كان أقرب إلى الرخصة. ولا ريب أن الاغتصاب من عدو كافر فاجر، معتد أثيم لمسلمة عذراء طاهرة، عذر قوي لدى المسلمة ولدى أهلها، وهي تكره هذا الجنين – ثمرة الاعتداء الغشوم – وتريد التخلص منه.فهذه رخصة يفتى بها للضرورة التي تقدر بقدرها.
ومن ثم تكون الرخصة مقيدة بحالة العذر المعتبر الذي يقدره أهل الرأي من الشرعيين والأطباء، والعقلاء من الناس، وما عدا ذلك يبقى على أصل المنع.
على أن من حق المسلمة التي ابتليت بهذه المصيبة في نفسها، أن تحتفظ بهذا الجنين، ولا حرج عليها شرعًا، كما ذكرت، ولا تجبر على إسقاطه”[97].

مسوغات إباحة الإجهاض بعد نفخ الروح:

اختلف الفقهاء والأطباء في مسألة تجويز الإجهاض بعد نفخ الروح بين فريق مانع بإطلاق وبين فريق مجيز عند توفر دواعٍ ومبررات، استنادا لقواعد وشروط ” الضرورة”، فحقيقة أن “الضرورات تبيح المحظورات”، ولكن في الوقت نفسه” الضرورة تقدر بقدرها“، ومنه كذلك إعمال قواعد” الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف”، و“يختار أهون الشرين”؛ و”يدفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما”. وأيضا قاعدة: “إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما”.

وأما شروط اعتبار أمر ما ضرورة فهي :

المسائل التي يجب التأكد من تحققها ووقوعها، لا التوهم بذلك فقط، فلا عبرة للتوهم في الفقه الإسلامي، والتي تظهر في الآتي:

1-أن تكون أسباب الضرورة قائمة أو على وشك الوقوع، أي أن غالب الظن وقوعها.

2-أن تكون نتائج الضرورة أيضا يقينية.

3-أن تكون المصلحة المستفادة من إباحة المحظور بسبب هذه الضرورة أعظم أهمية في ميزان الشرع من المصلحة المستفادة من تجنب المحظور.

4-أن يتعين أن هذا المحظور هو الوسيلة الوحيدة التي يندفع بها الضرر[98].

وأغلب الباحثين رأوا أن الضرورة القصوى هنا هي علاج الأم الحامل، أو الحفاظ على حياة الأم من الحمل لأنه يسبب لها خطرا، ومنهم من أضاف لها إصابة الجنين بتشوهات خطيرة، لا يمكن معها أن يعيش المولود حياة طبيعية بل حياة عذاب!؟

فهل حقيقة تتحقق عناصر الضرورة وشروطها المشار إليها؟ وللإجابة عن هذا السؤال نستعرض آراء بعض الفقهاء في المسألة ونوضح المقصود:

1-     قال شيخ الأزهر السابق شلتوت:” إذا ثبت من طريق موثوق به أن بقاء الجنين بعد تحقق حياته يؤدي لا محالة إلى موت الأم، فإن الشريعة بقواعدها العامة تأمرنا بارتكاب أخف الضررين، فإن في بقائه موت الأم، وكان لا منقذ لها سوى إسقاطه في تلك الحالة متعينا، ولا يضحى بها في سبيل إنقاذه؛ لأنها أصله وقد استقرت حياتها”.

2-     وفي مسألة الجنين المتوقع أن يكون مشوها، يقول الشيخ القرضاوي:” والراجح أن الجنين بعد استكمال أربعة أشهر إنسان حي كامل، فالجناية عليه كالجناية على طفل مولود. ومن لطف الله أن الجنين المصاب بتشوهات خطيرة لا يعيش بعد الولادة، في العادة، كما هو مشاهد، وكما قال أهل الاختصاص أنفسهم”[99].

3-     ويقول الشيخ شبير:” فلا يجوز الإجهاض بعد الأربعين إلا في حالة الضرورة القصوى: ومثل الفقهاء لذلك بأن تتعرض حياة الأم للخطر بسبب استمرار الحمل، كما في حالة تسمم الجنين”[100]؛ وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار[101].

4-     وترى اللجنة العلمية للموسوعة الفقهية التي أصدرتها وزارة الأوقاف في الكويت أن ” الحفاظ على حياة الأم إذا كان في بقاء الجنين في بطنها خطر عليها أولى بالاعتبار؛ لأنها الأصل وحياتها ثابتة بيقين”[102].

وأما في رأي الأطباء ومع واحد منهم وهو الدكتور محمد علي البار يضربالذي مثالا لهذه الحالة، رغم أنه ينفي وبشدة الضرورة العلاجية التي تبيح الإجهاض بعد نفخ الروح؛ لأنها حالات نادرة في ظل التقدم الطبي، فيقول:” ولا أعلم أن هناك من الأمراض ما يجعل هلاك الأم محققا إذا استمرت في الحمل… إلا حالة واحدة هي تسمم الحمل… ونتيجة للتقدم الطبي الهائل فإن قتل الجنين لإنقاذ الأم يصبح لغوا لا حاجة له في أغلب الحالات المرضية”[103].

وهنا يجب التنبه إلى نقطة خطيرة ومهمة، وهي أن الحالات المرضية المعنية أصبحت قليلة جدا.. ففي السنوات الماضية تطور الطب العلاجي وأصبح بالإمكان علاج كثير من الأمراض المستعصية، والتي كانت تؤدي إلى الوفاة…ومثال على ذلك إصابة المرأة الحامل بداء القلب …وكانت أمراض القلب من أسباب وفيات الأمهات، وبتقدم العلم و الطب أصبح بالإمكان إجراء بعض التدخلات الجراحية أثناء فترة الحمل مثل جراحات القلب المفتوح وتوسيع الصمامات، إلا أن هناك حالات معينه يصعب علاجها، ومعروف أنها تحمل معدل وفيات عالٍ بين الأمهات؛ وعلى سبيل المثال، ارتفاع الضغط الرئوي الأولي Primary Pulmonary Hypertension[104].

كما أن الدكتور البار قد نقل أيضا الرأي نفسه لباحثين غربيين هما: Hawkins & Elders في كتابهما” Human Fertility Medicine ” قولهما:” إن إنقاذ حياة الحامل بواسطة الإجهاض أمر شديد الندرة.. وإذا كانت الأم راغبة في إتمام الحمل فلا يكاد يوجد مرض واحد يوجب الإجهاض من أجل إنقاذ حياتها”[105].

المبحث السابع: الحكم العام للإجهاض في المنظورالمقاصدي:

يتردد حكم الإجهاض عند الفقهاء – كما سبق تفصيله- بين التحريم المطلق، وبين الإباحة حتى مرحلة نفخ الروح، آخذين بعين الاعتبار مسألتي : بدء التخلق، ونفخ الروح. وهنا يوجه سؤال للفريق المبيح: أي مقصد يحققه الإجهاض؟ وما الداعي لذلك؟ وباستثناء الضرورة العلاجية، ألا يعد الإجهاض ذريعة لهدم إحدى مقاصد الشريعة الخمس، ألا وهي كلية النسل، هذه الكلية ذات الصلة الوثقى بالحفاظ على الجنس البشري وبقاء نوعه بالتناسل والتكاثر، وهو أمر لامناص منه لاستمرار النوع البشري وبقاء الإنسان وذريته، وقيامهم بالوظيفة المنوطة بهم في تحقيق الاستخلاف، فلا ينقطع لهم نسل ولا ينقرض لهم نوع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وينقطع التكليف.

وهل الإجهاض وسيلة يُحفظ بها النسل في حال كون الحمل غير مرغوب فيه؟ أم أنه وسيلة لحفظ النسل حال التيقن من تشوه الجنين فقط؟ وهل يمكن أن نعده أحد وسائل حفظ كلية النسل عموما؟

وبين هذا وذاك، أليس الإجهاض تعدٍ على حق الجنين في الحياة التي أكرمه بها الخالق البارئ؟ أليس هذا تعدٍ على حق الله تعالى وعلى أوامره ونواهيه؟

أيمكن لمقاصد المكلف أن تطغى على مقاصد الشارع، والأصل أن “قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع”[106]؟

بين هذا السؤال وذاك يجدر أن يُعالج موضوع” الإجهاض” في الإطار المقاصدي، بغرض معرفة موقع “الإجهاض” بأنواعه، بين حفظ مقاصد الشارع الحكيم وحفظ مقاصد المكلف، وأيهما أولى بالاعتبار:

أولا: الإجهاض التلقائي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف

جاء في حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: “إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه[107]؛ أي أن إثم الخطأ والنسيان والإكراه مرفوع عن المكلف في كل الأفعال، والإجهاض التلقائي هو الذي يقع دون إرادة أي فاعل؛ فهو إجهاض عفوي، يحدث للمرأة دون أي تدخل منها كما عرفنا. فلا حرج ولا إثم فيه، لأنه لا نية للمرأة، وهي المكلف، في معارضة قصد الشارع سبحانه وتعالى في منع اكتمال الحمل أو إسقاطه .

ثانيا: الإجهاض العلاجي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف:

رأينا أن الإجهاض العلاجي محكوم بقاعدة الضرورة وتوابعها[108]، عندما نريد إجراء إجهاض لإنقاذ الأم من خطر يهدد حياتها أو صحتها. ومحكوم أيضا بقاعدة الترجيح بين المقاصد الشرعية الضرورية؛ فيدخل في مرتبة الترجيح بين حفظ النفس وحفظ النسل وأيهما يقدم على الآخر. وباعتبار أن الأم هي الأصل والجنين فرع منها؛ فإن الراجح هو اعتبار حياة الأصل، وتهدر حياة الفرع مقابلها. وهو القول الذي ذهب إليه الفقهاء في استنادهم على آراء الأطباء، كما سبق ذكره[109].

وهو الأمر نفسه مع الإجهاض المراد إيقاعه على الجنين المشوه، أو المريض مرضا وراثيا قاتلا، فهنا تطبق قاعدة الترجيح بين حفظ النفس ، وحفظ النسل، وأيهما يقدم؟

هل يقدم مقصد حفظ نفس ( الجنين ) مهما كان مرضه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول:{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ…} ( الإسراء: 33)، “ومفاد ذلك أنه إذا حرم الاعتداء على الإنسان، حرم الاعتداء على أصله وهو الجنين، في كافة مراحل تكوينه”[110]، لحرمة القتل بغير حق عدا حق القصاص وغيره.

أم يقدم مقصد حفظ النسل لأن عدم إجهاضه يحقق إيجاد نسل مشوه لا فائدة ترجى من شفائه، ولا فائدة من وجود هذا النسل الذي لا يتحقق به المقصد الكلي؟

والأصل في هذا الترجيح أنه واقع بين مقصد كلي وهو كلية النسل،ِّ ووسيلة مرسلة هي الإجهاض، فلم يرد في النصوص الشرعية أنه وسيلة يراد بها حفظ النسل من جانب الوجود أو العدم.

والمقصد أيضا هو حفظ النفس من الاعتداء عليها، والوسيلة هي الإجهاض، وهي وسيلة أريد بها حفظ نفس ونسل، غير أن الحفظ بهذه الوسيلة محتمل الإفضاء للمقصد المتعين، ومن ثم فإن القول بأن الإجهاض وسيلة مشروعة لمجرد الاحتمال ليس بالأمر السهل. وإذا كان الإجهاض وسيلة لحفظ النسل عند التيقن من تشوه الجنين وعدم حياته بسبب هذا التشوه، فإنه وفي الوقت نفسه وسيلة هادمة لمقصد حفظ النفس. وبين النفس والنسل تترجح كلية النفس في الحفظ على النسل، وفي حالة ثبوت مرض الجنين، فإنه لا يجوز إسقاطه؛ لأن الإجهاض يأخذ حكم قتل الجنين، وفي قتله يأس من رحمة الله، وذلك يأخذ حكم “قتل الرحمة” أو “تيسير الموت” غير الجائز في الشريعة الإسلامية أصالة (وهذا بحث آخر ليس هنا مجاله).

ثالثا:الإجهاض الجنائي بين حفظ مقاصد الشارع ومقاصد المكلف

وأما الإجهاض الجنائي الذي يقع بدوافع الفقر أو الجاه، فإنه خارج عن نطاقي الخطأ والضرورة. ويضاف له من الأسباب الحادثة التخلص من ثمرة الزنا أو الاغتصاب، والتخلص من الجنين الأنثى بعدما أمكن للطب تحديد جنس الجنين. ولذلك فهو مخالف لقصد الشارع؛ ذلك بأن قصد المكلف هنا قصد غير شرعي، إضافة إلى أنه يؤدي إلى القضاء على النسل، وهو أحد مقاصد الشريعة المعتبرة.

ولهذا فإن ما يمكن أن نختم به هذه الورقة هو أن الإجهاض أصالةً وسيلة غير شرعية- إلا في حالات الضرورة السابقة الذكر- ولا يمكن التوسل به لحفظ مقصد شرعي في الحفاظ على كلية النسل، بل هو ذريعة يتوسل بها إلى مقصود محرم وهو قتل نفس بشرية، والتعدي على منحة الحياة التي منحها المولى تبارك وتعالى للجنين، وهذا في حدّ ذاته تعدٍ على المولى تبارك وتعالى .

والنتيجة الأخيرة أنه لا يمكن قبول الإجهاض إلا تحت قاعدتي الخطأ والضرورة، بشروطهما المحققة من قبل الفقهاء والأطباء الموثوق بهم.

نتائج البحث:

إنه من الشكر لله تعالى أن وفق إلى إتمام هذا البحث، والذي تناول موضوع “الإجهاض” من الجانب الفقهي المقاصدي.

ومما خلص إليه البحث نقطيتين أساسيتين تتفرع عنهما مجموعة من النقاط الأخرى التي يتمحور حولها الموضوع:

  • النقطة الأساسية الأولى: وهي أهمية رأي الخبير الطبي الموثوق من علمه في تحديد ماهية الإجهاض وأنواعه، ومنه تحديد مواضع الخطورة من عدمها.

2- أما النقطة الأساسية الثانية: فهي إتباع المنهج أو المنظور ” الفقهي المقاصدي” في تحليل عناصر الموضوع.

ومن هذين الأساسين تتفرع مجموعة من النتائج كما يلي:

3- يقسم الأطباء الإجهاض إلى ثلاثة أنواع هي: الإجهاض التلقائي، وهذا لا إثم فيه؛ والثاني: الإجهاض الجنائي ( للحمل الناتج من زنا أو زنا محارم أو اغتصاب)، وهو الإجهاض الذي يثير التساؤلات، والذي عليه مدار البحث كله، وأخيرا الإجهاض الطبي ( حال كون الجنين مشوها)، و العلاجي (للأم الحامل)، وهو الذي يقرره الطبيب المسلم الموثوق في دينه وخبرته.

1- إن تقسيم الفقهاء للإجهاض ينبني على قاعدة “نفخ الروح”؛ فأقسام الإجهاض اثنان؛ هما: الإجهاض قبل نفخ الروح، والإجهاض بعد نفخ الروح. وعلى هذا الأساس يكون تحريم أو إباحة الإجهاض.

2- إجهاض الجنين بعد نفخ الروح؛ أي بعد (120) يوما من الحمل يعد قتلا عمدا لإنسان كامل الحقوق، ومن ثمة تثبت في حقه الغرة.

3-أما الإجهاض قبل نفخ الروح للحالات العادية، ففيها أقوال متعددة للفقهاء والأطباء أيضا.

4-والراجح عند الإمام الغزالي وأئمة المذهب المالكي أن اعتبارات تحريم الإجهاض هي: إنسانية الجنين (بدءًا من استقرار الماء في الرحم)، ثم نفخ الروح فيه.

5-أما المذهب الحنبلي والشافعي والحنفي فالاتفاق بينهم حاصل على الأخذ بقاعدتي: تخلق الجنين، ونفخ الروح فيه.

6-أما في حالات الحمل الناتج من زنا أو زنا محارم أو من اغتصاب، فللفقهاء آراء ومذاهب.

7- ومن الأطباء من يحرم الإجهاض تحريما قاطعا قبل نفخ الروح فيه، ولا يرون أي مسوغ يدعو للتخلص من الجنين بحجة أن الروح لم تنفخ فيه.

8-إن الإجهاض العلاجي يجب أن تحكمه قاعدة” الضرورة” وتوابعها، ثم الأخذ بقاعدة الترجيح بين المقاصد الخمسة ( بين حفظ النفس والنسل) مثلا.

9-أما الإجهاض الجنائي فهو مخالف لقصد الشارع الحكيم، ولا يدل على استحسانه دليل شرعي.

وأخيرا يمكن القول أن الإجهاض عدا في الحالة الضرورية- الخوف على حياة الأم وصحتها- وسيلة غير شرعية، ولا يمكن التوسل بها لحفظ مقصد شرعي هو مقصد حفظ النسل.

ملخص البحث باللغة العربية

كلمات مفتاحية: إجهاض، فقه، مقاصد، طب، جنين

تركز هذه الدراسة على معالجة موضوع “الإجهاض” من الناحية الشرعية وبالضبط ” الفقهية”و”المقاصدية”؛ إذ أن “المنظور الفقهي المقاصدي” كان هو المنهج المتبع في تحليل عناصر الموضوع، ومن ثمة بيان الحكم الشرعي. ولم تنس الباحثة المنظور الطبي؛ لأن رأي الخبير” الطبيب” مهم في تحديد أنواع الإجهاض، ومراحله، ومن ثمة تحديد مواضع الخطورة من عدمها، وهو مما يسهل الأمر على الفقيه في معرفة العوامل والظروف المحيطة بالمسألة. فقد عرف الإجهاض أقساما كثيرة أشهرها الإجهاض التلقائي، والإجهاض العلاجي، والإجهاض الجنائي الذي ترتكز أهم أسبابه في أن الحمل ناتج من الزنا أو الاغتصاب وزنا المحارم أو أن الجنين مشوه، والأنواع الثلاثة الأخيرة هي التي اختلف في جوازها الأطباء أنفسهم، وقبلهم الفقهاء (الأقدمون والمعاصرون)؛ فمنهم من جوزّوها قبل الأربعين يوما، ومنهم من قال بجوازها بعد الأربعين لكن قبل نفخ الروح، مراعين في ذلك مسألة نفخ الروح، فهي المؤشر عندهم على إنسانية الجنين، وقد اخذ بعين الاعتبار أيضا المرأة الحامل لجنين مشوه، والمرأة المغتصبة . في حين أن بعضا من الأطباء والفقهاء رأوا حرمة الإجهاض أبدا سواء قبل الأربعين أو قبل نفخ الروح، وهو الرأي الذي ذهبت إليه الباحثة معتبرة أن الإجهاض عدا الحلات العلاجية الضرورية يعتبر حراما وغير جائز مراعاة لحق الجنين في الحياة التي أكرمه الله بها، فالإجهاض وسيلة غير شرعية، ولا يمكن التوسل به لحفظ مقصد شرعي؛ بل هو ذريعة يتوسل بها إلى مقصود محرم وهو قتل نفس بشرية.

الهوامش والمراجع

[1]– ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص5.

[2] -عبد العال، إسماعيل سالم: البحث الفقهي طبيعته وخصائصه وأصوله، ط1، (مكتبة الزهراء، 1992م)، ص10.

[3] – الشاطبي، الموافقات، ج2/ ص60.

[4] – زوزو، فريدة صادق: البعد المقاصدي في فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأثره في المذهب المالكي، رسالة ماجستير غير منشورة، (الجزائر، المعهد الوطني العالي للعلوم الإسلامية باتنة، 1997)، ص173.

[5] – زوزو، فريدة صادق، النسل: دارسة مقاصدية في وسائل حفظه على ضوء تحديات الفقه المعاصر، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية العالمية، 2002م، ص57.

[6] – ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر: إعلام الموقعين، ترتيب: محمد عبد السلام إبراهيم، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991م)، ج3/ ص126.

[7]– ابن القيم، إعلام الموقعين، ج3/ ص108، 130.

[8]– القرافي، شهاب الدين: الفروق، (بيروت: عالم الكتب)، ج2/ ص33؛ القرافي، شهاب الدين: شرح تنقيح الفصول، ط2، (مصر: دار عطوة للطباعة، 1992م)، ص439.

[9] – الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، صيدا: المكتبة العصرية، ط2، 1418هـ/ 1997م، ص62.

[10] – الخولي، محمد عبد الوهاب، المسؤولية الجنائية للأطباء عن استخدام الأساليب المستحدثة في الطب والجراحة،دراسة مقارنة، ط1/ 1997م، ص106.

[11] – الخولي، ، المسؤولية الجنائية للأطباء، ص106.

[12] – رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب:6، رقم:3208،صحيح الباري مع فتح الباري، ج6/ ص 365.

[13] – ابن رجب، جامع العلوم والحكم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، بيروت: مؤسسة الرسالة ناشرون، ط7/ 1422هـ- 2001م، ج1/ ص 156.

[14] – الزنداني، عبد المجيد، أطوار الجنين ونفخ الروح،الإسلام اليوم :19/5/ 2002. ص2http://islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=37&catid=74&artid=942

[15] – الصاوي ، أطوار الجنين ونفخ الروح، الإسلام اليوم:19/5/ 2002. ص3. http://islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=37&catid=74&artid=942 ؛ البار، الوجيز في علم الأجنة القرآني، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط1/ 1985م، ص10.

[16] – العلقة: دودة تعيش في الماء، وتتغذى على دماء الحيوانات التي ترد البرك للشرب، فتعلق في حلقها.

[17] – البار، الوجيز، ص 29؛ الصاوي ، أطوار الجنين ونفخ الروح، ص3؛ الجاعوني، تاج الدين محمود، الإنسان هذا الكائن العجيب، ط1/ 1993م، ج1/ ص131.

[18] – الصاوي ، أطوار الجنين ونفخ الروح، ص4؛ البار، الوجيز، ص37؛ الجاعوني، الإنسان، ج1/ ص132؛ السباعي، الإجهاض بين الفقه والطب والقانون، ص 37.

[19] Hassan Hathout, Induced Abortion,V2, P313. (Islam & Family Planning)

[20] – ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1997م، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، ج18/ ص24.

[21] – المصدرنفسه والصفحة نفسها.

[22] – الزنداني، أطوار الجنين ونفخ الروح، ص3؛ البار، الوجيز، ص134.

[23] – الصاوي، أطوار الجنين ونفخ الروح، ص5

[24] – الألولسي، شهاب الدين، روح المعاني، ط4، 1405هـ/ 1985م، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج18/ص14-15.

[25] – إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، استانبول: دار الدعوة ج1/ 143. مادة : جهض.

[26] – الفيومي، المصباح المنير، ص62.

[27]الموسوعة الفقهية، ص 56، مادة: إجهاض.

[28] – الصمعاني، يوسف بن عبد الله، “الإجهاض حكمه، وعلاقته بنفخ الروح“، الإسلام اليوم، 19-5- 2002م. http://islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=37&catid=74&artid=1073

[29] – شبير، محمد عثمان، موقف الإسلام من الأمراض الوراثية، بحث في كتاب” دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة”، ط1/ 2001م، عمان: دار النفائس، ج1/ ص341.

[30] – http://www.muslimdoctor.org/article.php?op=Print&sid=31

[31]خلق الإنسان بين الطب والقرآن، ط11/ 1420هـ- 1999م، جدة: الدار السعودية للنشر والتوزيع، ص425.

[32] – اليوت فيليب، العقم: أسبابه وطرق علاجه، ترجمة: د/ الفاضل العبيد عمر، ط3، 1403هـ/ 1989م، ص165.

[33] http://www.muslimdoctor.org/article.php?op=Print&sid=31

[34] – التميمي، زياد (رئيس قسم الأطفال بمستشفى الرس- السعودية ): “الأجنة البريئة … لا روح فيها فكرة خاطئة“، المجتمع، العدد 1150، 23-5-1995، ص 62؛ البار، محمد علي، مشكلة الإجهاض دراسة طبية فقهية، ط1، (جدة: الدار السعودية للنشر، 1985م)، ص 12 وما بعدها؛ السباعي، الطبيب محمد سيف الدين: الإجهاض بين الفقه والطب والقانون، ط1، ( بيروت/ دمشق: دار الكتب العربية، 1977)، ص 69 وما بعدها؛ اليوت فيليب، العقم، ص 169.

[35] – Marjory Spray Car (Editor): Stedman’s Medical Dictionary, 26th Edition, (Baltimore: Williams &Wilkins, 1995), p. 4; Richard J. Wagman: The New Complete Medical and Health Encyclopedia, (Chicago: J. G Ferguson Publishing Company, 1990), V1/pp. 246-249. البار، خلق الإنسان، ص 430-436

[36] – المراجع السابقة نفسها.

[37] – ياسين، محمد نعيم، أبحاث في قضايا طبية معاصرة، عمان: دار النفائس، ط3/ 1421هـ- 2000م، ص 57.

[38] – ابن جزي، القوانين الفقهية، ط1، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1409هـ/1989م)، ص341 .

[39] – النووي، يحي بن شرف: روضة الطالبين، إشراف: زهير الشاويش، ط3، ( بيروت: المكتب الإسلامي، 1991)، ج9/ص377؛ وبمثله قال الخطيب الشربيني، انظر: الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، تحقيق: علي محمد عوض وعادل أحمد عبد الموجود، ط1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1994م)، ج5/ ص372.

[40] – أخرجه البخاري، في كتاب الديات، باب: جنين المرأة، رقم 6904، انظر: البخاري، صحيح البخاري بشرح فتح الباري، (بيروت: دار المعرفة)، ج12/ص 247؛ وأخرجه مسلم في كتاب الديات، باب: دية الجنين، رقم 1681، انظر: مسلم، صحيح مسلم مع شرح النووي، ط2، ( بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ)، ج11/ص 187.

[41] -ابن قدامة، المغني، 1401هـ/1981م، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، ج7/ ص800.

[42] ابن جزي، قوانين الأحكام الشرعية، ط1، 1405هـ/1985م، القاهرة: عالم الفكر.

[43]شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، 1398هـ/1978م، بيروت: دار المعرفة، ج4/ ص182.

[44] – أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب: 1، رقم 6594، انظر: البخاري، صحيح البخاري بشرح فتح الباري، ج11/ص477؛ وأخرجه مسلم في باب: القدر، رقم: 2643، انظر: مسلم، صحيح مسلم مع شرح النووي، ج16/ ص190.

[45] – ابن رجب الحنبلي، القواعد، (بيروت: دار الكتب العلمية)، القاعدة: 84، ص 177.

[46] – الماوردي، الحاوي الكبير، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، (بيروت: دار النهضة العربية، 1999م)، ج12/ ص405.

[47] – الغزالي، إحياء علوم الدين، (مصر: المكتبة التجارية الكبرى، د.ت)، ج2/ ص51.

[48] – الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (مكتبة زهران)، ، ج2 / ص266-267؛ عليش، التقريرات علىالشرح الكبير، (مكتبة زهران، د.ت)، ج2/ 267.

[49] – عليش، محمد أحمد: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، (بيروت: دار المعرفة)، ج1/ ج399.

[50] – ابن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، ط1، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989م)، ، ج2/ص 763.

[51] – زيدان، ص122.

[52] – ابن قدامة، المغني، (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت)، ج7/ ص802؛ انظر أيضا: البهوتي، منصور بن يونس: كشاف القناع عن متن الإقناع، (بيروت: دار الفكر، 1982)،ج6/ ص24؛ ابن الجوزي، أحكام النساء، (القاهرة : مكتبة التراث الإسلامي)، ص109.

[53] – المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد، تحقيق: محمد حامد الفقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي،1957)،ج10/ ص69.

[54] – أخرجه مسلم، في باب: القدر، رقم 2645، انظر: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج16/ ص193.

[55] – النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج9/ ص370.

[56] – المصدر نفسه، ج9/ ص377.

[57] – فالإمام الماوردي يرى أن الجنين تتعلق به ثلاثة أحكام هي: وجوب الغرة ، وأن تصير به الأمة أم الولد ، وأن تنقضي به العدة”. انظر: الماوردي، الحاوي الكبير، ج12/ص386.

[58] – الماوردي، الحاوي الكبير، ج12/ ص387.

[59] – المرجع نفسه، ج12/ص 387.

[60] – السرخسي، المبسوط، (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، 1987م)، ج2 / ص87-90.

[61] – الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1982م)، ج7/ ص 326.

[62] – المرغيناني، الهداية ، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت)، ج 4/ ص472.

[63] – قاضي زاده، نتائج الأفكار ( تكملة شرح فتح القدير)، (بيروت: دار الفكر، د.ت)، ج10/ ص300.

[64] – ابن عابدين، حاشية رد المحتار، (دار الفكر، 1399هـ/ 1979م)، ج6/ ص591؛ أنظر أيضا: المرجع نفسه: في مطلب ( أحوال السِّقط وأحكامه)، ج1/ص302، ج3/ ص176.

[65] – الخولي، المسؤولية الجنائية للأطباء، ص 113.

[66] – أعمال ندوة “الإنجاب في ضوء الإسلام”، ص351، نقلا عن: محمد عبد الجواد، بحوث في الشريعة الإسلامية والقانون في الطب الإسلامي، (الإسكندرية: منشأة المعارف، د.ت)، ص 58.

[67] – قادري، الإسلام وضرورات الحياة، ط2، (جدة: دار المجتمع للنشر والتوزيع، 1990م)، ص 83 ، نقلا عن:محمد سلام مدكور، الجنين والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي، ص305، وإلى الرأي نفسه ذهب د/ قادري حيث قال ” والذي يظهر أن هذا هو الصواب، لأن النطفة بعد أن استقرت في قرارها المكين، لا يجوز الاعتداء عليها بدون عذر شرعي، وبهذا يظهر حرص الإسلام على حفظ النسل وعدم الاعتداء عليه”، ص 83.

[68] – الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ط3، (دمشق: دار الفكر، 1989م)، ج3/ ص557.

[69] – ابن مبارك، نظرية الضرورة الشرعية، ط1، (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر، 1988م)، ص 427.

[70] – هيئة كبار العلماء، أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، ط1، (الرياض: الرئاسة العامة لإدراة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1988م)، ج2/ص443.

[71] – البوطي، مسألة تحديد النسل، ص 89.

[72] – زيدان، عبد الكريم، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1/ 1413هـ – 1993م، ج 3/ ص121.

[73] – التميمي، الأجنة البريئة، ص 62-63.

[74]– http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=108706

[75] – البار، مشكلة الإجهاض، ص 45.

[76] – الزرقا، مصطفى، فتاوى مصطفى الزرقا، دمشق: دار القلم، ط1/ 1420هـ- 1999م، ص 285.

[77] -الأشقر، محمد سليمان، أبحاث اجتهادية في الفقه الطبي، ط1/ 1422هـ-2001م، ص45.

[78]فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدرويشي، ط4، 1424هـ/2003م، القاهرة: أولي النهى للإنتاج الإعلامي، مج19/ ص332.

[79]http://www.muslimdoctor.org/article.php?op=Print&sid=119د/ أحمد كنعان، الأحكام الفقهية لمرضى الإيدز

[80] – http: // www. Islamonline.net/

[81] – جاد، الحسيني، وثيقة مؤتمر السكان والتنمية : رؤية شرعية، ط1، (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1996م)، ص4119.

[82]– جاد الحق، الفتاوى الإسلامية، مج 9/ص 3105- 3107.

[83] – جاد الحق، الفتاوى الإسلامية، مج 9/ص 3105- 3107؛ جمعية العلوم الطبية الإسلامية، قضايا طبية معاصرة، مج1/ص 314؛ البار، الجنين المشوه والأمراض الوراثية، ص 372 وما بعدها- ص432 وما بعدها؛ عارف، “الاختبار الجيني والوقاية من الأمراض الوراثية من منظور إسلامي”، ص 129 .

[84]http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=7912 . http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=1522

[85] – شبير، موقف الإسلام من الأمراض الوراثية، ص 345.

[86] – حسن حسن، 114 سؤال وجواب عن العقم، ط1، 1421هـ/ 2001م، بيروت: دار المؤلف، ص61.

[87]114 سؤال وجواب عن العقم، ص52.

[88] -http://www.muslimdoctor.org/article.php?op=Print&sid=31

[89] – الحديث أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الرجم، رقم 5. انظر: مالك، الموطأ، ص 712؛ وفي مسلم رواية قريبة من هذه رواها في كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، انظر: مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، ج11/ 213.

[90] – يكون مجال التعزير في جريمة الزنا إذا كان فعل الزنا غير تام، “فللزنا الموجب للحد شروط يجب توفرها حتى يقام الحد. فإذا انعدم أحدها أو اختل سقط الحد؛ ومن هذه الشروط ألا تكون هناك شبهة تدرأ الحد، وأن يكون الفعل من رجل… فإذا قامت شبهة درء بسببها الحد، لكن مع ذلك فإن الجاني قد ارتكب معصية تستوجب التعزير”. عامر، التعزير في الشريعة الإسلامية، ص178؛ وانظر أيضا: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج5/ ص 262؛ السعدي، العلاقات الجنسية غير المشروعة، ج2/ ص 344.

[91] – المصطلح لم يكن معروفا عند الفقهاء، بل ما عرف عندهم هو الإكراه على الزنا. وشاع استعمال هذا المصطلح في أدبيات القوانين الوضعية. فينص القانون الجنائي المغربي في الفصل 486 على أن “الاغتصاب هو مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها”. انظر: فاضل، جريمة الفساد، ص54؛ وجاء التعريف نفسه في قانون العقوبات المصري، في المادة 1/267.انظر: عبد العزيز، جرائم الاعتداء على العرض، ص93.

[92] – للتفصيل في الجزئيات الفقهية انظر: ابن قدامة، المغني، ج8/ ص186؛ ابن جزي، القوانين الفقهية، ص347؛ الدسوقي، حاشية الدسوقي، ج4/ ص319؛ ابن تيمية، فتاوى ابن تيمية، ج32/ ص114؛ الموسوعة الفقهية، ج6/ ص 98-101 مادة إكراه؛ الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج6/ ص37؛ ابن الهمام، فتح القدير، ج5/ ص272.

[93] – ابن قدا مة، المغني، ج5/ ص267.

[94] “مسلمات كوسوفا…حمل مؤلم…وولادة مخزية”، ص34.

[95] – ” لا إجهاض إلا برأي طبيب”، جريدة” الخبر”، 7مايو2001م/ 13صفر1422هـ، ص 12-13.

[96] – الموسوعة الفقهية الميسرة، ط1، بيروت: دار النفائس، 1421هـ/2000م، ج1/ ص62.

[97] http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=1534، القرضاوي، فتاوى معاصرة، بيروت: دار النهى، ج2/ ص 609-612.

[98] – شبير، موقف الإسلام من الأمراض الوراثية، ص344؛ البوطي، مسألة تحديد النسل، ص 93؛

[99] -http://www.islamonline.net/fatwa/arabic/FatwaDisplay.asp?hFatwaID=108706

[100] – شبير، موقف الإسلام من الأمراض الوراثية، ص343؛ زيدان، المفصل في أحكام المرأة، ج3/ ص127.

[101] – أحمد محمد كنعان، بنك الفتاوى: http: www.islamonline

[102] الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط2، الكويت، 1407هـ/1987م، ج2/ ص57، (الهامش 1). في هذه المسألة يراجع تفصيل مهم وعميق للأستاذين: البوطي، مسألة تحديد النسل، ص91-107؛ ونعيم ياسين، أبحاث فقهية، ص194-197.

[103] – البار، خلق الإنسان، ص 433.

[104] ttp://www.muslimdoctor.org/article.php?op=Print&sid=31 البار، خلق الإنسان، ص 433 (الهامش 1)؛

[105] – البار، خلق الإنسان، ص 433.

[106] – الشاطبي، الموافقات، ج2/ ص331.

[107] – أخرجه ابن ماجه في أبواب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم 2053. انظر: ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج1/ص377.

[108] – من أمثلة القواعد التي تدخل تحت ( نظرية الضرورة): الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف؛ يختار أهون الشرين؛ الضرورات تبيح المحظورات، وغيرها. انظر: الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ط1، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983م)، ص 179 وما بعدها.

[109] – انظر تفصيلا أكثر في: البوطي، مسألة تحديد النسل، ص 91 وما بعدها؛ ياسين،محمد نعيم، أبحاث فقهية في قضايا طبية، ص 211-223؛ دار الإفتاء المصرية، الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، (مصر: وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1983م)، مج9/ ج 26/ ص 3099؛ جاد الحق، جاد الحق علي، بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة، ط1، (الأزهر الشريف: الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية، 1994م)، ج2/ ص408؛ وغيرهم مما ورد ذكرهم داخل البحث بالتفصيل.

[110] – جاد، وثيقة مؤتمر السكان، ص 117.