الرئيسية / إضاءات / بنو مزاب: حضارة عمرها أكثر من ألف سنة
بنو مزاب..مشهد عام
بنو مزاب..مشهد عام

بنو مزاب: حضارة عمرها أكثر من ألف سنة

داخل مجتمع غرداية المتماسك في الجزائر، لا يمكن رؤية أي متسول أو لصوص، والآفات الاجتماعية تكاد تكون منعدمة تقع مدينة غرداية أو بالأمازيغية “تاغرايديت” على بعد 600 كلم من العاصمة الجزائرية من الجهة الجنوبية، تلقب هذه المدينة بـ”بوابة الصحراء”، بسبب موقعها الذي يربط بين التل والصحراء الجزائرية الشاسعة.

فما الذي يجعل غرداية مختلفة عن مدن الجزائر؟ يسكن مدينة غرداية عرب وأمازيغ، ولكن ليس العرب من يصنعون الاختلاف عن بقية الجزائريين، إنما الأمازيغيون الملقبون بـ”بني مزاب”.

يقول الباحث في علم الآثار في جامعة تلمسان معروف بلحاج: “أخذت هذه المنطقة اسم أصحابها، وادي مزاب، وهم مجموعة من القبائل استقرت في المنطقة منذ عقود، وكانت على مذهب المعتزلة”.

 ويضيف: “في القرن الخامس الهجري، تعرض الأباضيون لحملة شرسة من الحماديين، فجعلهم هذا يبحثون عن مكان للعيش، فاختاروا منطقة وادي مزاب، التي كانت صحراء قاحلة لا يمكن العيش فيها إلا بشق النفس، واتخذوا منها مكاناً لهم، ونشروا المذهب الأباضي بين سكان المنطقة الأصليين وبقوا عليه”. قصور مدينة غرداية تتألف هذه المدينة من قصور تعود للحضارة الرستمية، أي إلى أكثر من 1000 سنة. ويقول بلحاج: “كانت المدينة عبارة عن قرى صغيرة، لكن بعد نزوح الأباضيين إلى المنطقة والسكن فيها، ومع ازدياد عدد السكان تم تأسيس مدن كثيرة، هي ما نسميها حالياً القصور، لكنها في واقع الأمر مدن”. ويضيف: “أول مدينة شيّدت هي تاجيت، ومؤسسها هو خليفة ابن ابغور، تلاها تأسيس مدن أخرى على بعد 120 كلم، آخرها مدينة قرارة، وبن رياق”. بنيت هذه المدن أو القصور بحسب ما فرضته الطبيعة الصخرية للمنطقة، وتحوي كل ما تحتاجه المدينة من مساجد ومتاجر وأسواق وممرات متاهة ومقابر. وعلى باب كل قصر، دليل لإرشاد السيّاح، يمنع الدخول من دونه، كما يمنع وضع النظارات الشمسية والملابس القصيرة والتدخين داخل أروقة القصور.

بنو مزاب1

البنايات داخل القصور كلها متشابهة في الارتفاع والهندسة. نوافذها صغيرة جداً، فبحسب الدليل السياحي محمد عبد الفتاح: “بنو مزاب لا يستعملون النوافذ الكبيرة، ولا الشرفات، ففي ذلك تعد على حرمة الجار”. بنيت المنازل بشكل يسمح للشمس بالدخول اليها، فهي مغلقة نحو الخارج ومفتوحة نحو الداخل، وهذا من مميزات البيت الإسلامي. يقول معروف بلحاج “البيت بُني ليكون مفتوحاً نحو السماء من أجل الضوء والتهوية وفيه بضعة فضاءات، منها الفضاء المخصص للنساء وهو ما يسمى بالتيزفري، وهو ضروري لكل بيوت بني مزاب”.

مساحة كل بيت لا تتجاوز الـ100 متر مربع تتألف من طابقين وسطح، وطابق أرضي، وأول ما يمكن تمييزه في البيت المزابي هو العتبة، التي يقول بلحاج إنها “عبارة عن درجة صخرية صغيرة توضع عند المدخل، يبلغ ارتفاعها 10 سنتيمترات، وتقي الدار دخول الأتربة الرميلة ومياه المطر والحشرات الضارة، وهناك مدخل ملتوٍ لكل بيت كحاجب يمنع المارة من النظر إلى الداخل”.

 يبقي سكان هذه المدينة باب بيتهم مفتوحاً طوال النهار، لكن لا يمكن رؤية داخله نظراً  لتصميمه، فهو رواق ينتهي بحائط مقابل يشكل مدخلاً منعرجاً. العادات والتقاليد داخل هذا المجتمع المتماسك، لا يمكن رؤية أي متسول أو لصوص، والآفات الاجتماعية تكاد تكون منعدمة. فهو مجتمع يتسم بالتآزر والتآخي والمحافظة على الدين والتعاون، وبقاؤه محافظاً يعود إلى وجود “حلقة العزابة”، التي تمثل السلطة الروحية لكل قصر من قصور غرداية، إذ تتدخل هذه الحلقة في جميع الأمور الدينية والاقتصادية والاجتماعية، وتعنى بالمباني الدينية من مساجد ومصليات ومقابر ومدارس، ويكون المسجد هو مكان اجتماعها.

بنو مزاب2

ويشير بلحاج إلى أن “منشأ حلقة العزابة هو أبو عبد الله محمد أبو بكر الفرسطائي، وسميت العزابة لعزوب هؤلاء الأشخاص عن ملذات الدنيا”.

ويجري تعيين الأعضاء واختيارهم حسب شروط محددة. إذ تتم متابعة الشخص لمدة سنة كاملة لرؤية إن كان أهلاً للانضمام إلى حلقة العزابة أم لا، ويقول الدليل السياحي محمد عبد الفتاح: “تتكون حلقة العزابة من 12 إلى 24 عضواً، منهم الإمام، والشيخ، والمؤذن، ومراقب الأوقاف، والغسالون”.

تقوم حلقة العزابة أيضاً بتحديد المهور، ويوضح بلحاج أنه “يحضر 3 أعضاء من حلقة العزابة كل حفل خطبة في القصر، ويحرصون على عدم وجود تجاوزات في أسعار المهور، كما يسهرون على تنظيم حفل الزفاف الذي تخصص له قاعة في كل قصر من قصور غرداية”. وفي موازاة حلقة العزابة، مجلس آخر يعنى بالشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويسمى مجلس الأعيان، لكن لا يمكنه التدخل في الأمور الدينية، ويتكون من أعضاء ممثلين من حلقة العزابة وممثلي العشائر. لمدن بني مزاب مركزان مميزان هما المسجد والسوق، فالمسجد هو مركز الحياة الروحية، ويتكامل مع السوق، التي تمثل مركز الحياة الاقتصادية والنشاط الدنيوي. ويقول بنعشتار توفيق أحد المزابين لرصيف22: “المساجد عندنا تسمى دار العرش، فيها غرفة نوم مخصصة للرجال، وأخرى مخصصة للنساء، ويتخذ منها مأوى كل مزابي يأتي من بعيد. بالإضافة إلى البيوت التي تتخذ شكلاً مكعباً وتقع بين المسجد والمقابر، يبين التواصل بين الماضي والحاضر”.داخل القصور، يرتدي الرجال زياً واحداً هو سروال عربي وقميص وشاشية. ويقول بلحاج إن “اللباس التقليدي موروث من الأتراك، وكان لباس كل الجزائريين في العهد العثماني، لكن المزابيين احتفظوا به ودأبوا على لبسه”.

نساء مزاب

كذلك يمكن ملاحظة رداء المرأة، وتواريها حين رؤية الغرباء، إذ إن جميع النساء، يختفين وراء أروقة القصور، وزيهن موحد، يسمى الحايك بالعامية الجزائرية، وهو عبارة عن كتان أبيض تلف به المرأة نفسها. ولكن ما يثير الانتباه هو أن المرأة تترك فقط عيناً واحدة ظاهر من جميع أنحاء جسدها، لرؤية الطريق أمامها. أما ما يميز المرأة المتزوجة عن غير المتزوجة، هو أن العازبة تترك كل وجهها ظاهراً. وعن دور المرأة داخل المجتمع المزابي، يشير بلحاج إلى أنها “تقوم بأدوار كبيرة، فهناك حلقة تيمسيرين، التي تقوم بمهمات حلقة العزابة عينه، لكن فقط داخل المجتمع النسائي”. وتجري حلقة تيمسيرين تدريبات للمصليات الجديدات داخل كل قصر خلال 10 أيام، على 3 فترات من السنة. تتعلم خلالها الفتيات طريقة الصلاة وكل ما له علاقة بالدين.

ومن مهماتها أيضاً غسل الموتى من النساء، وتنظيم حفلات الزفاف في القاعة المخصصة للنساء، وعقد اجتماعات “لا إله إلا الله”. ويقول المزابي بنعشتار توفيق: “ساهمت المرأة في 60% من بقاء حضارة بني مزاب، لأنها ربت أولادها على الحشمة والطاعة والدين واحترام الكبير”.

البساطة

البساطة حاضرة في كل نقطة من منطقة بني مزاب، تحكمها قواعد تناقلتها أجيال ولقيت احتراماً كبيراً من الجميع.

كما لهم مدارس خاصة يتم الفصل فيها بين الذكور والإناث، على خلاف كل الجزائريين الآخرين، يدرسون فيها البرنامج الحكومي نفسه بالإضافة إلى القرآن والدين. كذلك يحدد سن زواج المزابيين للفتيات بـ19 سنة والرجال بـ21 سنة، والسبب في ذلك “حماية الشبان من الانحراف”، ولكن يبقى هذا الأمر نسبياً وليس عاماً. ويتمثل نشاط المزابيين في صناعة النسيج وبيعه، ولكل مدينة واحة متفاوتة الاتساع، تحتوي على مجموعة من السدود والآبار ومنشآت الري. ومجموعة مبانٍ تذهب إليها العائلات في الصيف لتمضية العطلة الصيفية. الوادي والواحات هما منطقتان زراعيتان، ويتم استعمال أشجار النخيل للإقامة تحت ظلالها في الصيف احتماءً من الحرارة.