بقلم هيثم شلبي
في أكتوبر المقبل، حين يجتمع مجلس الأمن الدولي لتجديد مهمة المينورسو، لن يكون الأمر مجرد تجديد روتيني لتفويض بعثة مراقبة. ما يجري في الكواليس الدولية يوحي بأن هذه الجلسة قد تكون محطة تحول في مسار نزاع امتد لخمسة عقود. ثلاثة مسارات تتقاطع في هذه اللحظة بالذات: مسار أممي يُعيد رسم إطار الحل، ومسار أفريقي يكشف تغيراً جوهرياً في موازين القوى، ومسار أمريكي قد يُحدث زلزالاً دبلوماسياً لا سابق له.
أكتوبر 2026: ليس تجديداً روتينياً
المغرب قدّم مقترحه المفصل للحكم الذاتي وفق ما طالب به مجلس الأمن في قراره 2797. ممثل الأمين العام سيُقدّم تقريره حول مآلات المفاوضات، والسؤال المطروح ليس هل تُجدَّد المينورسو، بل بأي مهمة وبأي صلاحيات.
المؤشرات واضحة: وفد فرنسي زار العيون في أبريل 2026 لتقييم مهمة المينورسو، وتقارير عديدة تتحدث عن “مرحلة ما بعد المينورسو بوصفها مراقبة وقف إطلاق النار”، في إشارة إلى أن النقاش بات حول تحويل مهمتها من مراقبة الهدنة إلى مواكبة تطبيق الحكم الذاتي. هذا التحول، إن تحقق، يُغيّر طبيعة النزاع من أساسه: يتحول الإطار الأممي من “تصفية استعمار مفتوح النهاية” إلى “إشراف على ترتيب حكم ذاتي تحت السيادة المغربية”.
المغرب لا ينتظر هذه الجلسة بقلق، بل يُهيئ لها بثقة. أما الجزائر والبوليساريو فأمامهما معادلة مستحيلة: إما القبول بإطار التفاوض على الحكم الذاتي، وإما الظهور بمظهر من يرفض الشرعية الدولية التي طالما استندوا إليها دفاعاً عن موقفهم.
المفارقة القاتلة: التفاوض على الحكم الذاتي يعني الاعتراف بالسيادة المغربية
ثمة منطق صارم يتجاهله المدافعون عن البوليساريو. عضوية “جمهورية تندوف الوهمية” في الاتحاد الأفريقي تقوم على ركيزة واحدة: أنها دولة تسعى إلى الاستقلال وفق مبدأ تقرير المصير. هذا هو المبرر القانوني لوجودها في الاتحاد منذ 1984.
حين يُزيل مجلس الأمن الدولي خيار الاستقلال من أدبيات التفاوض، ويجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الوحيد للنقاش، فإنه يُسقط هذه المقدمة القانونية بأكملها. لا يمكن لكيان أن يدّعي كونه “دولة مستقلة” في الاتحاد الأفريقي، وأن يتفاوض في الوقت ذاته على ترتيب داخلي تحت سيادة دولة أخرى. الأمران لا يجتمعان.
قبول التفاوض في إطار الحكم الذاتي يعني الإقرار الضمني بالسيادة المغربية، ورفض التفاوض يعني العزل الدولي التام. مأزق حقيقي لا مخرج منه؛ وهذا بالضبط ما صنعته الدبلوماسية المغربية الصبورة على مدى سنوات.
خريطة الأصوات في الاتحاد الأفريقي: الصورة الحقيقية
الخطاب الجزائري يُصوّر الاتحاد الأفريقي كمعقل للبوليساريو. الأرقام الموثقة تقول عكس ذلك تماماً.
23 دولة أفريقية أنشأت قنصليات في العيون والداخلة، وهو أعلى درجات الاعتراف العملي بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية. 28 دولة وقّعت في قمة 2016 على ملتمس يطالب بمعالجة وضع البوليساريو في الاتحاد. كينيا أعلنت دعم خطة الحكم الذاتي عام 2025، ورواندا تجمعها علاقات حميمة بالرباط تعكس تحولاً حقيقياً في شرق القارة. أنغولا، التي كانت ركيزة المعسكر المقابل بحكم إرث حركات التحرر، تطور علاقتها مع المغرب بوتيرة لافتة لا تخطئها العين.
في المقابل، الكتلة المتمسكة بالبوليساريو لا تتجاوز 10 إلى 12 دولة، تتمحور حول جنوب أفريقيا وامتدادها في جنوب القارة. وحين تتزحزح أنغولا، وقبلها زامبيا واسواتيني ومالاوي- تفقد بريتوريا أهم ورقتها: الادعاء بأنها تتحدث بلسان جنوب القارة الأفريقية بأسرها.
الحسابات العددية الصارمة تقول إن المغرب قريب من النصاب المطلوب لأي تحرك مؤسسي، لكنه يختار استراتيجية أذكى من المواجهة المبكرة: تحويل التفوق العددي إلى ضغط تراكمي يجعل وجود البوليساريو في الاتحاد تناقضاً قائماً بذاته، قبل أن يُحوّله إلى تصويت رسمي قد يُعطي الخاسر زخماً رمزياً لا يستحقه.
الحصار الناعم: حين تُكلّف العضوية الشرفية ثمناً اقتصادياً
ما لا يُقال كثيراً هو أن “جمهورية تندوف الوهمية” باتت مستبعدة من أهم الشراكات التنموية التي تعقدها القارة الأفريقية مع العالم. منتدى التعاون الصيني الأفريقي “فوكاك” لا يُدعى إليه كيان غير معترف به أممياً، والصين هي الشريك الاقتصادي الأول لأفريقيا بفارق كبير. قمم الولايات المتحدة وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية ناهيك عن القمة العربية مع أفريقيا تُطبّق معيار العضوية الأممية بصرامة. الاتحاد الأوروبي يتعامل مع ملف البوليساريو بحساسية متصاعدة تعكس تحولاً حقيقياً في مواقف عواصمه الكبرى.
النتيجة: دول أفريقية ترى أن بقاء البوليساريو في الاتحاد يُكلّفها حصتها من استثمارات أمريكية وصينية وروسية ويابانية وكورية وأوروبية. حين تصبح العضوية الشرفية لكيان وهمي عائقاً أمام تنمية شعوب حقيقية، يتحول السؤال من سياسي إلى وجودي. وهذا بالضبط ما يُزعزع دعم الدول الأفريقية الصغيرة التي لا تملك فكرة صلبة عن الصحراء المغربية لكنها تملك فكرة واضحة عن احتياجات مواطنيها.
الورقة الأمريكية: من الاعتراف بالصحراء إلى تصنيف البوليساريو إرهابية
في أروقة الكونغرس الأمريكي، ثلاثة مشاريع قوانين تنتظر التصويت لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية. مشروعان في مجلس النواب ومشروع في مجلس الشيوخ قدّمه الثلاثي تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت، وهم من أشد صقور السياسة الخارجية الأمريكية نفوذاً في الحقبة الراهنة. الحجة التي يرفعونها: البوليساريو أداة في يد إيران في المنطقة.
هذا الربط بمحور طهران ليس مجرد بلاغة سياسية. في سياق إدارة ترامب 2.0 ومعركتها الشاملة مع ما تسميه “محور المقاومة”، يصبح تصنيف البوليساريو إرهابية قراراً متسقاً مع التوجه العام لا قراراً استثنائياً مثيراً للجدل.
أثر هذا التصنيف إن تحقق سيكون كارثياً وفق أكثر من مستوى: لا حكومة غربية تستطيع الاجتماع بجهة مصنفة إرهابية، التدفقات المالية تُجمّد، ودول أفريقيا الغربية المترددة ستجد تكلفة التزامها بالبوليساريو باهظة في مواجهة واشنطن التي تحتاجها اقتصادياً وأمنياً. أما الجزائر فستجد نفسها أمام خيار مؤلم: إما الانسحاب التدريجي من دعم كيان مصنف إرهابياً، وإما مواجهة تداعيات ذلك على علاقتها بالغرب الذي تعتمد صادراتها النفطية والغازية على أسواقه.
الساحل: الجبهة التي تكشف الفارق بين النموذجين
في الخلفية الإقليمية، الصراع الجزائري المغربي ينتقل من ميدانه التقليدي في الصحراء إلى قلب منطقة الساحل. الجزائر فقدت موطئ قدمها في مالي بعد انهيار اتفاقية 2015، وتحاول استعادة النفوذ عبر مشاريع مع النيجر وتشاد. المغرب يُقدّم نموذجاً مختلفاً: الاستثمار الفعلي، البنوك الحاضرة في ثلاثين دولة أفريقية، الاتصالات، بوابة الوصول إلى الأسواق الدولية.
الفارق بين النموذجين جوهري: الجزائر تُقدّم خطاباً سيادياً يُناسب مرحلة ما بعد فرنسا لكنه يفتقر إلى المضمون الاقتصادي الذي تحتاجه شعوب الساحل. المغرب يُقدّم شراكات اقتصادية حقيقية في قارة تُريد التنمية قبل الخطاب. وفي منطقة طردت فرنسا وتتردد في البدائل، المغرب يقدّم نفسه الشريك الأقل كلفة والأكثر استدامة في أفق قارة تبني مستقبلها.
الخلاصة: معركة متعددة الجبهات تسير نحو الحسم
المشروع الاستراتيجي المغربي لا يسير على مسار واحد، بل على خمسة مسارات متوازية تتآزر دون أن تتصادم: المسار الأممي عبر تضييق أدبيات الاستفتاء والاستقلال في قرارات مجلس الأمن، والمسار الأفريقي عبر تفكيك كتلة البوليساريو صوتاً صوتاً بأدوات اقتصادية ودبلوماسية، والمسار الاقتصادي عبر شراكات الفوسفات والبنوك والبنية التحتية التي تجعل المغرب شريكاً لا غنى عنه، والمسار الدولي عبر استبعاد البوليساريو من القمم الكبرى التي تصنع مستقبل القارة، والمسار الأمريكي عبر مشاريع القوانين التي قد تُغلق الباب أمام البوليساريو في أهم عاصمة عالمية.
كل مسار وحده غير كافٍ. لكنها مجتمعة تُشكّل ضغطاً تراكمياً يُضيّق الخناق على “جمهورية تندوف الوهمية” حتى قبل أي تصويت رسمي. المغرب يُدير هذه المعركة المتعددة الجبهات بصبر استراتيجي نادر، ويفهم درساً لا يُعلَّم في كتب الدبلوماسية: الانتصار الأذكى ليس ذلك الذي تكسبه بتصويت مثير، بل ذلك الذي تجعل فيه خصمك يخسر موقعه قبل أن ينتبه.
أكتوبر 2026 قد لا يكون موعد الحسم النهائي، لكنه بلا شك سيكون محطة لن تخرج منها “جمهورية تندوف الوهمية” كما دخلت.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير