بقلم: هيثم شلبي
تحاول الصحافة الجزائرية، ومنها ما نشرته “الشروق أونلاين” حول الزيارة المرتقبة لرئيس وزراء مالي عبد الله مايغا إلى الجزائر اليوم الإثنين الرابع والعشرين من غشت، تصوير المرحلة الحالية على أنها “تتويج” لمسار تقارب يعيد بناء “علاقة استراتيجية” بين الجزائر وباماكو. القراءة التي قدمتها الصحيفة القريبة من دوائر القرار تستحق التفكيك، لا لأنها خالية من الوقائع، بل لأنها تقفز فوق العقبات البنيوية التي لا تزال تحكم هذه العلاقة، وتقدم استئناف الاتصالات الدبلوماسية وكأنه استعادة كاملة للثقة.
ما تغير فعلا منذ 2024
الأزمة بين الجزائر وباماكو لم تكن خلافا عابرا. في يناير 2024 انسحبت مالي رسميا من اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة الموقع سنة 2015، متهمة الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم حركات متمردة في الشمال، بعد استقبال الجزائر لشخصيات معارضة لباماكو مثل الشيخ محمود ديكو. تلا ذلك تصعيد دبلوماسي حاد وإغلاق للمجال الجوي بين البلدين. إعادة فتح هذا المجال الجوي وعودة السفيرين، وهو ما تحتفي به المقالات الجزائرية، لا يعيد إحياء اتفاق 2015 نفسه، ولا يعني أن باماكو تراجعت عن اتهاماتها. إنه بالأحرى تبريد ظرفي فرضته حاجة مالي إلى تهدئة جبهاتها المتعددة، وليس مصالحة استراتيجية بالمعنى الذي تقدمه الصحيفة الجزائرية.
الجرح الذي لم يندمل: الصحراء المغربية
العقبة الأكبر أمام أي “علاقة استراتيجية” حقيقية هي ملف لا تذكره المقالات الجزائرية بتاتا: في 10 أبريل 2026 سحبت مالي رسميا اعترافها بما يسمى بـ “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” التي تشرف عليها جبهة البوليساريو من الأراضي الجزائرية، وأعلنت دعمها الكامل لمخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره “الأساس الوحيد والجدي وذا المصداقية” لتسوية النزاع. جاء الإعلان في مؤتمر صحافي جمع وزيري خارجية البلدين في باماكو، وتحدث بيان الخارجية المالية عن علاقات “تاريخية ومتينة” مع الرباط. هذا ليس تفصيلا هامشيا يمكن للجزائر تجاوزه بزيارة رئيس وزراء. فالجزائر لا تنظر إلى قضية الصحراء كملف خارجي عادي، بل كركيزة شرعية للنظام نفسه. أن تتخلى مالي عن الموقف الذي التزمت به منذ 1984 وتصطف علنا خلف الطرح المغربي، بينما تتحدث الجزائر في اليوم نفسه تقريبا عن “إعادة بناء علاقة استراتيجية”، يكشف الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي الجزائري وحقيقة موازين القوى على الأرض.
المغرب: من المنافسة الدبلوماسية إلى البديل الجغرافي
قرار باماكو ليس معزولا عن دينامية أوسع تقودها الرباط منذ سنوات في الساحل، ذروتها مبادرة “الأطلسي للساحل” وميناء الداخلة الأطلسي، التي تعرض على دول الساحل الحبيسة، ومالي في مقدمتها، منفذا بحريا بديلا عن الممرات التقليدية عبر السنغال وساحل العاج. هذا عرض تنمية ملموس «طرق، بنية تحتية، استثمار» يصعب على الجزائر منافسته، فالجزائر لا تملك ما تقدمه لمالي كدولة حبيسة سوى حدود طويلة وتاريخ من التوتر الأمني حولها. فحين تقول “الشروق” إن الرهان الجزائري هو بناء “شبكة إقليمية متكاملة” مع موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد تشمل الطاقة والنقل والتجارة، فهو يصف طموحا لم يترجم بعد إلى مشروع منافس فعليا لما يعرضه المغرب، بينما الوقائع على الأرض «سحب الاعتراف، الانحياز للحكم الذاتي» تسير في الاتجاه المعاكس تماما.
روسيا: الشريك الذي لا تريد الجزائر مزاحمته
الفاعل الأمني الفعلي في مالي اليوم ليس الجزائر بل روسيا، عبر “الفيلق الأفريقي” الذي يقاتل إلى جانب الجيش المالي ضد تحالف جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. موسكو لا تعارض تبريد العلاقة بين الجزائر وباماكو، فهي علاقة تاريخية بين حليفتين لروسيا، لكنها بالتأكيد لا تريد أن يتحول الحضور الجزائري إلى نفوذ سياسي مواز يهدد موقعها كضامن أمني أول للمجلس العسكري الحاكم. أي دور جزائري مقبول من موسكو سيبقى محصورا في هامش محدود: الوساطة، وربما المساهمة في ملفات الأسرى والانسحابات الآمنة، كما أشارت تقارير عن مفاوضات جرت بوساطة جزائرية مرجحة بين “الفيلق الأفريقي” والمقاتلين في الشمال. هذا دور مفيد لباماكو، لكنه أبعد ما يكون عن “شراكة استراتيجية”.
فرنسا: مراقب من بعيد، لا شريك مباشر
باريس نفسها لم تعد لاعبا مباشرا في مالي منذ طرد قواتها سنة 2022، وتُدار علاقتها بباماكو اليوم عبر أزمات متقطعة، كان آخرها اعتقال ضابط في الاستخبارات الخارجية الفرنسية «DGSE» في غشت 2025 والإفراج عنه في غشت 2026 بوساطة لعب فيها المغرب دورا مركزيا بحسب صحيفة “لوموند”، وليس الجزائر. هذه التفصيلة وحدها دالة: حين تحتاج مالي وسيطا موثوقا في أزمة حساسة مع فرنسا، تتجه إلى الرباط لا إلى الجزائر. فرنسا، من موقعها كطرف مقصى من الساحة الأمنية المالية، ترى في أي حضور جزائري محدود عاملا يمكن أن يوازن الهيمنة الروسية دون أن يهددها هي مباشرة، وهذا قد يفسر جزءا عدم ممانعتها الضمنية لتبريد الأزمة الجزائرية المالية، لكنه لا يجعلها راعية له.
الإمارات: نفوذ متصاعد لا يخدم الجزائر
الإمارات باتت شريكا اقتصاديا متزايد الأهمية لمالي، عبر تجارة الذهب والاستثمار. المشكلة بالنسبة للجزائر أن علاقتها بأبوظبي تعيش على وقع توتر شبه دائم، بلغ حدّ إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية بين البلدين مطلع 2026. هذا يعني أن الإمارات، خلافا لما قد يتصوره بعض المحللين، ليست جسرا يمكن للجزائر توظيفه لتعزيز نفوذها في باماكو، بل على العكس، هي فاعل ثالث يوسع مساحة الخيارات أمام مالي بمعزل تام عن الحسابات الجزائرية، ويجعل
باماكو أقل حاجة إلى الجزائر لا أكثر.
الأزواد: الورقة الوحيدة التي تملكها الجزائر فعلا
الملف الذي تملك فيه الجزائر نفوذا حقيقيا هو الشمال المالي. فباماكو ترفض رسميا أي حوار مع “الجماعات الإرهابية”، بينما جبهة تحرير أزواد تشترط تغيير النظام العسكري الحاكم كشرط للتفاوض، وهو ما يجعل أي مسار سياسي مسدودا في المدى القريب. الدور الجزائري الممكن هنا تقني وتكتيكي: تسهيل تبادل الأسرى (ولعل الأخبار التي حملت قبل ساعات خبر إطلاق الأزواد لمجموعة من أسرى الجيش المالي لخير دليل على ما نذهب إليه)، فتح قنوات غير معلنة، منع الملف من الانفجار عبر الحدود. هذا الدور مهم لباماكو التي تواجه منذ هجمات 25 أبريل 2026 «التي أودت بحياة وزير الدفاع صاديو كامارا» أخطر اختبار أمني منذ 2021، لكنه يبقى دور “مدير أزمة” لا دور “شريك استراتيجي”، والفارق بين الوصفين هو بالضبط ما تتجاهله القراءة الجزائرية المتفائلة.
خلاصة استشرافية
العلاقة الجزائرية المالية في المرحلة المقبلة ستكون معاملاتية بامتياز: تعاون أمني محدود حول الحدود والأزواد، مقابل غياب أي مكسب جزائري في الملفين اللذين يحددان فعليا موازين القوى الإقليمية، وهما الصحراء المغربية والمنافسة على الممرات الاقتصادية نحو الأطلسي. زيارة عبد الله مايغا، ثم زيارة أسيمي غويتا المرتقبة، تخدمان باماكو التي تحتاج إلى تنويع شركائها الأمنيين في ظرف حرج، لا الجزائر التي تسوّق التطبيع كإنجاز دبلوماسي بينما الاتجاه العام في العمق الإفريقي يتحرك بثبات نحو الرباط. لذا، فمن يقرأ زيارة رئيس الوزراء المالي بمعزل عن قرار 10 أبريل 2026 يقرأ نصف الصورة فقط.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير