نكتة مكافحة الفساد

لا يختلف جزائريان في أن الفساد قد استشرى بالبلد في العقود الثلاثة الأخيرة، وأصبح ينخر الاقتصاد ويبدّد الثروات الوطنية، ويوسّع الهوة أكثر بين الشعب ونظامه، ويسيء إلى سمعة الدولة في الخارج…
الجزائر مصنّفة في المرتبة الـ94 في قائمة منظمة “شفافية دولية” عام 2014، ما يعني أنها تحتل “مرتبة متقدّمة” في قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم. ومع ذلك، لا تزال التدابير المتخذة لمكافحته دون المستوى المأمول، حتى وإن كثُرت قضايا الفساد المُحالة هذه الأيام إلى القضاء، ويكفي للتدليل على ذلك، النظر إلى مدى “ثقل” المسؤولين المتهمين في مختلف القضايا، فلا نرى بينهم وزيراً ولا مسؤولاً سامياً. شكيب خليل لم يمثل أمام القضاء الجزائري بعدُ لأسبابٍ غامضة، وأحد المتهمين في قضية الطريق السيار يوجّه تهمة إلى غول بتقاضي عمولة قدرها 20 بالمائة من قيمة أحد المشاريع، دون أن يُعلَن عن فتح تحقيق في هذا الاتهام الخطير، والأمر نفسه ينطبق على وزيرة الثقافة التي وجهت لها لويزة حنون تهما ثقيلة بإبرام صفقات مشبوهة دون أن يُفتح تحقيقٌ قضائي إلى الآن.
في عام 1996، قرر الرئيس الأسبق اليامين زروال فتح جبهة ضد الفساد لإعادة المصداقية للنظام الذي وصفه في أحد خطاباته بـ”المتعفن”، وشنّ حملة سماها “الأيدي البيضاء” انتهت باتهام نحو ألفيْ مسؤول في الشركات العمومية بالفساد والزجّ بهم في السجن، ولكن الحملة اقتصرت على هذا المستوى، ولم يُتهم مسؤولٌ سام واحد، ولذلك فشلت الحملة بعد أن تبيّن أنها اكتفت بتقديم هؤلاء المسؤولين الصغار ككباش فداء للتغطية على فساد مسؤولين أكبر منهم ساهموا بفسادهم في إفلاس آلاف الشركات العمومية ودفع مئات الآلاف من العمال إلى الشارع.
واليوم تشنّ السلطة حملة مشابهة لـ”الأيدي البيضاء” في التسعينات، ويُقدّم مسؤولون صغار إلى المحاكمة في قضايا الخليفة والطريق السيار وغيرهما، ولم يُقدّم مسؤولٌ كبير واحد إلى المحاكمة وكأن الخليفة كان قادراً على تنفيذ “احتيال القرن” لولا توفر رعاية حقيقية من مسؤولين أعلى مرتبة بكثير من الذين قُدّموا إلى القضاء.
في الغرب، يُقدّم رؤساءُ الدول والحكومات والوزراء إلى المحاكمة دون أيّ مشكلة أو عقبات، لأن القانون هناك فوق الجميع فعلاً وليس مجرد شعار أجوف، ويقام الحدّ على الشريف والوضيع معاً إذا سرقا، أما في الجزائر، فقد مرّ أكثر من 700 وزير على شتى الوزارات منذ الاستقلال، ولم نسمع أبداً بتقديم أي منهم إلى القضاء بتهمة الفساد، وكأنهم جميعاً ملائكة معصومون من الخطأ ولا وجود لفاسد بينهم قطّ، ولا يُحاسَب ويحاكَم سوى مسؤولين صغار يقدَّمون عادة ككباش فداء.
وحينما نتأمل قائمة شفافية دولية، نلاحظ بسهولة أن الدول الاستبدادية هي الأكثر فساداً في العالم، ما يعني أن لبّ مشكلة الفساد في الجزائر والعالم العربي والإسلامي كله، يتمثل في غياب الديمقراطية الحقيقية التي تعني عدالة مستقلة وقوية، ومؤسسات رقابية صارمة للمال العام، نابعة من الإرادة الشعبية. وفي ظل غياب هذا العامل الرئيس، تبدو مكافحة الفساد مجرد نكتة، ولكنها نكتة سمجة لا تضحك أحداً.

*صحفي جزائري/”الشروق”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

5

ربيع القاطي يجسد شخصية السلطان الحسن الأول في مشروع “نوستالجيا”

أعلن الفنان المغربي ربيع القاطي عن أحدث أدواره التاريخية، حيث كشف عبر حساباته الرسمية عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *