الرئيسية / وجهات نظر / المُصالحة روح الثورة
خالد الحدّاد

المُصالحة روح الثورة

كانت الثورة في تونس على قدر كبير من السلميّة وعبّرت عن توق قطاعات واسعة من الشعب والنخبة إلى لحريّة والديمقراطيّة والعدالة.
ونتيجة وعي شعبي عارم وحكمة الكثير من رجالات الدولة والأحزاب وقوى المجتمع المدني لم تنحدر الاوضاع إلى الصدام العنيف والمسلّح ، وهي فرضيّة كانت مُمكنة والدليل ما تعيشهُ أقطار عربيّة مُماثلة من حالات احتراب أهلي دموي.

المزيد: ليس بالكلام الجميل يُحافظ على تونس…


نجت تونس من الفتنة ووقع انتقال سياسي سليم وتخطّت البلاد الفراغ الدستوري بتوافق بين مختلف الفرقاء وتشكّلت لدى العالم بأسره صورة عن تجربة تونسيّة رائدة وفريدة أُسّست للتعايُش واحترام إرادة الشعب الانتخابيّة وهي ماضية بحثا عن أنجع السبل لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعيّة الّتي ثارت من أجلها فئات شعبيّة عريضة عاشت الحرمان والتهميش وغياب التنمية لعقود طويلة.
لكن وعلى الرغم ممّا تحقّق من مكاسب سياسيّة وحضاريّة تاريخيّة أنهت معضلة الصراع على السلطة فإنّ الثورة التونسيّة بقيت مُحتاجة الى روح تنقلها نهائيا بعيدا عن المخاطر والمنزلقات والمخاوف خاصة أنّ أحوال المنطقة ما تزال مليئة بالألغام وأوّلها الارهاب. لم تمتلك القيادات التي توّلت الحكم بعد الثورة الجرأة اللازمة لمُجابهة ملف المصالحة وطي صفحات الماضي المؤلمة وغابت عنها الأساليب الناجعة لعلاج صداع عقود من الظلم والتسلّط والاستبداد وانعدام التوزيع العادل لثمار الثروة الوطنيّة، فقد تأخّر مسار العدالة الانتقاليّة أكثر من اللزوم وباتت ملفات الفساد والتجاوزات السابقة للثورة محلّ مزايدات بين القوى السياسيّة ابتزازا ومساومة رخيصة ممّا عقّد أكثر الوضع الاقتصادي والاجتماعي وغيّب عن البلاد فرصا كانت مُمكنة للاستثمار وخلق مواطن الشغل وتعزيز التنمية في الجهات المنسية والمحرومة. أكثر ما في مبادرة رئيس الجمهورية للمصالحة المالية أو الاقتصادية أنّها كانت جريئة ووضعت الاصبع على مكمن الداء فالعشرات من رجال الاعمال مُعطّلون عن التنمية والاستثمار والمئات من إطارات الدولة وكوادرها في حالة تقييد ومنع وعطالة وهم ممنوعون من افادة البلاد.
المُصالحة تبقى في جوهرها روحا للثورة فلولا التوافقات الكبيرة التي مكّنت من تجاوز الازمات السياسية المتعاقبة منذُ سقوط النظام السابق لما أمكن للبلاد أن يكون لها أفق مستقبلي واضح وأن تعيش ما تعيشهُ اليوم من استقرار وهدوء مقارنة بوضع إقليمي ودولي فيه الكثير من القلاقل والاهتزازات العنيفة.

المزيد: مخاض التأسيس الديمقراطي

مشروع قانون المصالحة المالية او الاقتصادية الّذي سيشرع مجلس النواب قريبا في تدارس أهم فصوله وإجراء ما يلزمهُ من تعديل إضافة أو تنقيصا هو دونما شك ودونما مزايدات خطوة مهمّة على طريق ردم الاحقاد والفتن وتحسين مناخات الاستثمار والتنمية والتشغيل في البلاد وفتح السبيل أمام خطوات أخرى في المستقبل استكمالا لمسار العدالة الانتقاليّة بما فيه من كشف للحقائق ومحاسبة واسترداد للحقوق المسلوبة وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة والنهائيّة والتي بها سيتمّ تأمين المستقبل الأفضل للاجيال القادمة.
المُصالحة هي روح الثورة في اتجاهها لتغيير الوضع نحو الأفضل، وإن فشلت -لا قدّر الله – فقد تؤول الثورة إلى فوضى وخراب ودوّامة مُفزعة، لذا على المتزايدين باسم الدفاع عن الثورة وحمايتها قول كلمة طيّبة والتدافع نحو الحُسنى وإلاّ فإنّهم سيكونون سببا في القضاء على الثورة مرّة واحدة.

*صحفي تونسي/”الشروق”