الرئيسية / وجهات نظر / دستور 2011 في عامه الرابع
امحمد المالكي

دستور 2011 في عامه الرابع

سُئل حكيم اليونان القديم وأب الديمقراطية الأثينية «صولون» أو»سولون» Solon مرة، وكان ذلك في القرن السادس قبل الميلاد عن أحسن الدساتير، فأجاب: «لأي شعب؟ وفي أي زمان؟»
والحقيقة أن الدستور ليس فكرة معلقة في الهواء، إنه توافق أو عقد ينسجه الناس في مكان وزمان محددين وموصوفين، وقابلين للملامسة والقياس. وأذكر حين فَتحَ خطابُ 09 مارس 2011 أفق الإصلاح الدستوري، ورَسم خطواته، أُسيل مدادٌ كثير عن مشروع الإصلاح، والمقاصد التي يروم إدراكها، لكن قليلا هم الذين توقفوا عند مكان الإصلاح وزمانه، وفحصوا بعين التمحيص والتدقيق في ممكنات الإصلاح وقدرة الدستور على نقل المغرب من إصلاح الدستور إلى الإصلاح بالدستور والتغيير بفلسفته وأحكامه.
في الفاتح من هذا الشهر يكون قد مرت أربع سنوات على الاستفتاء على دستور 2011، ونهاية الشهر نفسه يكون قد أكمل أربعة أعوام على نشره ودخوله حيز التنفيذ. واليوم، ماذا يقول المغاربة عن دستورهم الجديد، أو على الأقل ماذا تقول نخبتهم عن وثيقة 2011؟ لا تسعفنا معطيات الواقع الإجابة بصيغة قطعية عن هذا السؤال، كما لا يساعدنا البحث الأكاديمي والإمبريقي عن استنتاج خلاصات عن نظرة المغاربة لدستورهم بعد مرور أربع سنوات على ميلاده.. وللقارئ الكريم أن يستنتج ما يريد من شحّ المعلومات وقلة التقييمات حُيال وثيقة دستورية ساند صدورها الجميع، وراهن على آفاقها الكثيرون.
لاشك أن التعاطي الفوري مع إصلاح وثيقة الدستور، والتوسع البارز في دائرة الإصلاح ومحاوره كان لهما الوقع المباشر والأثر الواضح في التفاعل السلس والآمن مع ديناميات الحَراك الذي عمَّ المنطقة العربية، ولم ينجُ منه المغرب. ولاشك أن الوثيقة الدستورية الجديدة فَتحت الكثير من الآفاق، وحَملت العديد من الإمكانيات للإصلاح والتغيير بالدستور..فهي ليست وثيقة من أجل الإصلاح، ولكن وثيقة للإصلاح والتغيير. وللمرء أن يتذكر أن كثيرا ما تردد في الخطاب الرسمي، وفي تصريحات الأحزاب بمختلف ألوانها، مصطلح أو كلمة التأويل الديمقراطي للدستور الجديد.. بل غدا «التأويل الديمقراطي» كلمة السر في المرافعات الرسمية والحزبية حول الوثيقة الدستورية الجديدة.
من الممارسات الشائعة في حياتنا السياسية المغربية في العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة استعمال مفاهيم ومصطلحات كثيرا ما تكون غير مضبوطة لدى أصحابها، وغالبا ما تُوظّف لدى البعض بدون فهم ولا استيعاب، إما بسبب الترويج لها عُنوة، أو لكسل في البحث عن أصولها وسياقات استعمالها..ومنها كلمة «التأويل الديمقراطي» للدستور.
لنتفق على أن التأويل ليس هو التفسير، وأنه لا يستقيم إذا كان النص واضحا.. ولنتفق على أن التأويل مؤسس على الاجتهاد الذي يمكِّن المؤَوِّل من الانفصال عن النص لفحصه، واستجلاء غموضه، ثم معاودة التواصل معه، أي مع النص، لإعادة بناء معناه، وأحيانا بإعادة إنتاجه أي صياغته.. فالتأويل مبني على الحرية التي تعني الاجتهاد بدون قيود مسبقة.. وإذا كان التأويل «ديمقراطيا»، فالمهمة أصعب، والحرية أوسع مما نتصور..فهل مارست نخبتنا السياسية التأويل بهذا المعنى أو بالمعنى الذي يجعل منه تأويلا ديمقراطيا؟
لأعود إلى قولة «صولون»: «أحسن دستور.. لأي شعب؟ وفي أي زمان؟» لأشدد على أن ثقافة المجتمع هي التي تعطي معنى للدستور في الممارسة، وسياقه العام هو الذي يمنح الوثيقة الدستورية روحا متجددة وديمقراطية..وحيث إن للنخبة في أي مجتمع دورا قياديا في توجيه الإصلاح وتحقيق التغيير، فإن مسؤوليتها كبيرة عن المآلات التي قد تتعرض لها الوثيقة الدستورية، إما بالنجاح أو الانتكاس..كما أن للسياق السياسي أساسا دورا مفصليا في إنجاح التغيير بالدستور..ولهذا، حين ننظر إلى التردد الذي يلف النخبة السياسية المغربية في حماية الدستور بحسن تطبيقه، والسياق الذي جعل مفاتيح السلطة محصنة بالدستور نفسه، وغير موزعة بما يكفي من التوازن، نفهم لماذا مرت الذكرى الرابعة للدستور المغربي الجديد بدون تذكر ولا اهتمام ملحوظين.

*كاتب صحفي/”أخبار اليوم”