الرئيسية / وجهات نظر / المغرب في قلب إفريقيا
وفاء صندى

المغرب في قلب إفريقيا

بقلم: وفاء صندى*

انتهت قبل أيام قليلة زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس الإفريقية، وهي تندرج ضمن سلسلة من الزيارات المتكررة التي تحمل روحا حقيقية للتضامن والتعاون بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، بعيدا عن أي مزايدات سياسية أو فكر استعماري أو منطق وصاية.
فالبعد الإفريقي في السياسة المغربية قد أملاه الامتداد الطبيعي والاستراتيجي للمغرب في إفريقيا، حيث شبه الملك الراحل الحسن الثاني المغرب بشجرة جذورها المغذية في إفريقيا ومتنفس أغصانها في أوروبا. ولذلك ظل المغرب يشكل جسر تواصل ليس فقط بين الشمال والجنوب، وايضا بين الجنوب جنوب. وهكذا التزم المغرب منذ استقلاله، بجعل التعاون مع إفريقيا خيارا استراتيجيا مبنيا علي تقوية وتعزيز علاقاته متعددة الأطراف مع دول القارة السمراء، بهدف إقامة شراكة حقيقية بمعادلة «رابح رابح»، بما يدعم التعاون ويفتح آفاقا واسعة للتنمية المستدامة والتضامن. الا ان انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية وتوجهه نحو أوروبا قد اثر في علاقاته مع إفريقيا قبل ان تشهد هذه الاخيرة انتعاشة حقيقية وتعاون موسع في عهد الملك محمد السادس.
إفريقيا، باعتبارها اكثر قارات العالم تعرضا للظلم والاستغلال والتهميش، وقعت منذ القرن الـ16 فريسة القراصنة الغربيين الذين كانوا يستولون علي سواحل القارة ويتوغلون في أراضيها ويأسرون كل من يقع في قبضتهم. ووقعت، مرة اخري، فريسة اطماع الاستعمار الاوروبي الذي اشتد صراعه حول الكعكة الإفريقية قبل ان يبادر بعقد مؤتمر برلين 1884، الذي تم فيه تمزيق واقتسام القارة الي دول مستعمرة لاتزال تعاني الي اليوم من ندوب الاستعمار وما خلفه من حروب أهلية. لكن المغرب كان دائما حاضرا فيها داعما، مرة، حركات الاستقلال والتحرر، ومرة اخري، خطط الحفاظ علي الوحدة الترابية وسيادة البلدان الأفريقية، ومشاركا في مختلف قوات حفظ السلام في إفريقيا، بحيث لاتزال القبعات الزرق المغربية تواصل مهامها لفائدة السكان الذين يعانون من الحروب والجوع والأمراض. فعلاقة المغرب بأفريقيا ليست مجرد حسابات او مصالح، إنما هي مواقف ومبادئ.
واذا كانت هوية المغرب الإفريقية حاضرة بقوة في دستور المملكة، فقد جعل العاهل المغربي محمد السادس إفريقيا، باعتبارها بعدا حيويا واستراتيجيا، من أولويات الدبلوماسية الخارجية للمغرب الهادفة الي تقوية العلاقات الاقتصادية والمالية والفلاحية والدينية مع البلدان الإفريقية.. مما مكن المغرب من ان يكون، بشهادة العالم، البلد العربي الوحيد الذي يتوافر علي سياسة إفريقية واضحة ومستمرة ومعرفة دقيقة وعلاقات إنسانية وثقافية ودينية مثمرة مع البلدان الإفريقية.
وبلغة الارقام، يرتبط المغرب مع البلدان الإفريقية بأكثر من 500 اتفاقية للتعاون تشمل مختلف المجالات والقطاعات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والإنسانية. فهو يعتبر ثاني مستثمر إفريقي في إفريقيا وأول مستثمر إفريقي في غرب إفريقيا بقيمة إجمالية 400 مليون دولار امريكي. وتسعي الرباط إلي تعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة التي تشهد تناميا سريعا علي مستوي الاستثمارات لتوفير البني التحتية في مختلف المجالات. وتوجد حاليا مجموعات مغربية كبري في قطاعات البنوك والنقل الجوي والاتصالات والماء والكهرباء والسكن الاجتماعي والتأمين والأشغال العمومية والبناء والموانئ في حوالي 20 بلدا إفريقيا.
ولمواجهة مخاطر التطرف والارهاب، بادر المغرب إلي إرسال تعزيزات عسكرية ضمن الوحدات الأممية لمساعدة البلدان الإفريقية علي استتباب الأمن والاستقرار، وقام بدور مهم في إنهاء الحرب وإرساء عملية السلام في مالي. كما عزز المغرب من حضوره الإفريقي لتحصين المنطقة من خطر الجماعات الجهادية التي تنشط بكثافة في منطقة الساحل والصحراء. في انتظار تفعيل اتحاد المغرب العربي وبلورة افكاره المعطلة الي مشاريع انمائية تشكل حلقة متينة ومتماسكة تمكن القارة السمراء، كما قال الملك محمد السادس، من »التخلص من كل أعبائها والانتصار علي اليأس الأفريقي، من خلال تحرير الطاقات الفكرية والبدنية، للقوي الحية للشعوب الإفريقية”.
إن إفريقيا هي المستقبل، إذا ما علمنا أن نسب النمو المتوقعة في هذه القارة هي الأكبر من نوعها في العالم خلال السنوات المقبلة، وهو ما جعل القارة تصبح قبلة مستحبة لأمريكا وأوروبا والهند والصين وإيران وإسرائيل. وكما اتخذ المغرب خطوات سباقة تجاه عمقه القاري، فلايزال القوس مفتوحا أمام باقي دول شمال إفريقيا ومصر بالتحديد، التي يمكن ان تدخل مع المغرب في تعاون ثلاثي في إفريقيا بحيث تكون هي بوابة للمغرب الي الشرق والوسط، والمغرب بوابة لمصر في غرب القارة، (كما أشار لذلك أحد بنود البيان الختامي لزيارة وزير الخارجية المصرية سامح شكري الي المغرب في يناير الماضي)، من أجل اتخاذ خطوات مماثلة مع دول الجنوب الإفريقي التي تتشارك معه نفس الجغرافيا ونفس التحديات والتهديدات.
بعد أحداث مالي وما شكلته من تهديد امني علي دول الجوار، وبعد أزمة سد إثيوبيا وما شكله من تهديد علي الأمن المائي المصري، يجب ألا ننسي ضرورة تعميق العلاقات مع القارة السمراء، وأهمية الانخراط في العمل الإفريقي الجماعي من أجل بعث روح جديدة للتعاون والتضامن الذي سيكون وحده كفيلا بمواجهة مختلف التحديات وإنهاء العقبات والصعاب التي تعترض سبيل نهوض بلداننا، ووحده سيكون قادرا علي بعث الأمل من جديد في هذه القارة.

*كاتبة مغربية/”الأهرام”