الرئيسية / وجهات نظر / السلطة والنخب والتحديث في المغرب
محمد أحمد بنّيس

السلطة والنخب والتحديث في المغرب

بقلم: محمد أحمد بنّيس*

تكاد تجمع الكتابات التي تناولت النظام السياسي المغربي أن الأخير ذو طبيعة تركيبية، بحيث تتفاعل فيه موارد التقليد والحداثة في توليفةٍ قد تصلح عنواناً لـ “الخصوصية المغربية”. فهذا النظام، وإن كان ذا مشروعية دينية وتاريخية صريحة، إلا أنه يجعل من التحديث أفقـاً يسمح له بترسيخ هذه المشروعية وتعزيزها، بمعنى استثمار الموارد التحديثية وتوظيفها لحماية التقليد، وتطويره حتى يواكب المتغيرات المختلفة. ويزداد الإشكال تعقيداً مع غياب سياسات عمومية، منتجة لتحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة. من هنا، شكل تحديث الحقل السياسي أحد انشغالات السلطة في المغرب، خصوصاً في العقدين الأخيرين، مع تزايد الضغوط الخارجية التي مورست عليها من أكثر من جهة. في سياق ذلك، عملت على إدماج نخب جديدة، تنتمي في معظمها إلى اليسار الإصلاحي، وفتحت باب المشاركة السياسية أمام الإسلام السياسي المعتدل، ووسّعت الحريات الفردية والجماعية، وأقرّت العدالة الانتقالية، وقامت بإصلاحات قانونية مهمة، غير أن ذلك كله ظل في حدود معينة، ولم يَرْقَ إلى مستوى اللَّبرلة السياسية الكاملة للسلطة. ومن هذا المنطلق، تتحكم الأخيرة في مختلف المداخل التي تتيح تحديثاً شاملاً للنسيج الاجتماعي. ولذلك، يشكل الاقتصاد والحقل الديني والعمل الأهلي والإعلام أهم هذه المداخل التي تتحكم، اليوم، في بوصلة التحديث المغربية.
تؤكد أدبيات سوسيولوجيا التحديث على الدور الذي تلعبه التنمية الاقتصادية في التحولات المفصلية التي تعرفها المجتمعات. من هنا، يبدو قطاع المال والأعمال في المغرب أحد القطاعات الرئيسية التي تشكل مثار استقطاب الفاعلين المعنيين. ويمكن القول، إن هناك تصورين اثنين يتواجهان في هذا الخصوص؛ تصور، وهو غير مؤثر على أي حال، يؤكد ضرورة تنمية حقل اقتصادي تنافسي أكثر ارتباطاً بالمشروع الوطني، وتصور آخر تعبر عنه النخب الاقتصادية المتنفذة والمرتبطة، بشكل أو بآخر، بالسلطة والمستفيدة من اقتصاد الريع والامتيازات الذي يعوق اللبرلة الاقتصادية التي تنتج بالضرورة امتداداتها السياسية.
تزداد هذه الرهانات تعقيداً، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية التحولات الديموغرافية والثقافية التي يعرفها المغرب، فتزايد عدد سكان المدن وانتشار التعليم والتطلعات السياسية للنخب الحضرية، ذلك كله يضع السلطة أمام تحديات كبرى، فيما يخص إدارة الصراع الاجتماعي وتوجيهه. فهي على الرغم من استمرارها في دعم النخب القروية التي مثلت بالنسبة لها، دائماً، احتياطياً اجتماعياً وسياسياً، إلا أنها تظل منشغلة أكثر بالطبقات الوسطى التي تحولت، في الأعوام الأخيرة، إلى مورد سياسي حاسم للإسلام السياسي الذي يبدو في حاجة أكثر لتوسيع قاعدته الاجتماعية وإغنائها.
وتدرك السلطة جيداً أن الأحزاب التاريخية المتحدرة من الحركة الوطنية غير قادرة على مواجهة المد الإسلامي الجارف، خصوصاً في المدن الكبرى. فهي تعرف أزمة عميقة بسبب إفلاس مرجعياتها الفكرية والسياسية، وعدم تحديث هياكلها وتراجع قوة النقابات المرتبطة بها، كما أن الأحزاب التي تعرف في المغرب بأحزاب الإدارة لم تستطع أن تتحول إلى يمين حقيقي، أو قوة لبرالية وازنة، بسبب لعنة النشأة التي تطاردها وهشاشة هياكلها. لذلك، يبدو الصراع دالاً على هذه المدن بين السلطة والنخب، بمختلف أطيافها.
من هنا، يبدو وجود قطاع محافظ داخل المجتمع أمراً حيوياً بالنسبة للسلطة، فهو حتى، وإن شكّل بالنسبة لها إكراهاً في بعض الأحيان، إلا أن وجوده يظل جزءاً من التوازنات السياسية القائمة. هنا، يتحول الحقل الديني، بكل رمزيته، إلى أداة توظفها هذه السلطة، وتستثمرها عبر قنوات عدة؛ فهناك التأكيد على المركزية الرئيسية والدالة لإمارة المؤمنين في الحقل السياسي، ومراقبةُ انتشار الخطاب الديني وتصريفه، بمختلف تلاوينه الدعوية والمعتدلة والمتشددة داخل النسيج الاجتماعي، ثم العمل على الحد من تأثير القطاع اللبرالي والعلماني، والذي غالباً ما ينتعش في مجالات العمل الأهلي. ويزداد الأمر مفارقةً وتعقيداً، في ظل طرح بعض مكونات الحركة الإسلامية أفكاراً تنسجم مع التحديث، من قبيل نزاهة الانتخابات ومحاربة الفساد واقتصاد الريع واحترام الحقوق والحريات. ولا شك أن الإعلام، بمختلف وسائله، لا يبدو خارج هذه الاستقطابات، إن لم يكن في قلبها، بالنظر إلى تأثيراته الكبيرة بين مختلف الفئات الاجتماعية.
من ناحية أخرى، تسعى السلطة، دائماً، لإدارة وتوجيه المعارك الفكرية والأيديولوجية ذات الطابع الفكري والعقائدي التي تمثل خطراً على وحدة المجتمع. هذه المعارك باعتبارها مثار استقطاب حاد (مثلا قضية المرأة، الإجهاض..) تسمح للملكية بأن تتحول إلى سلطة تحكيم “محايدة”، لا تنخرط في هذا الاستقطاب، بقدر ما توجهه نحو نقطة توازن معينة، تلتقي، أو تتوافق، عندها مختلف المواقف. وقد شهد المغرب، خلال الأعوام الفائتة، محطات عدة أظهرت، من جهة، قدرة الملكية على التحكم في هذه المعارك. ومن جهةٍ أخرى، افتقادَ النخب رؤية متوازنة إزاء قضايا التحديث المعقدة والمركبة. فالطبيعة الهشةُ لهذه النخب، ومساراتُ تشكلها الملتبسة، وثقافتها السياسية التقليدية، وعجزها عن قراءة المتغيرات المجتمعية، كل ذلك يجعل الملكية، دائماً، في موقع الفاعل الرئيسي المنتج لمختلف صيغ تدبير التوتر بين الحداثة والتقليد.
هذا الوضع جعل النخب تفتقد المبادرة والفاعلية، فهي لا تكتفي فقط بالاستفادة من الامتيازات المادية والرمزية للسلطة، بل تساهم، بشكلٍ لا يخلو من مفارقة، في إخراج القضايا الاجتماعية والاقتصادية المصيرية من دائرة الصراع السياسي، والذي يفترض أن يكون البرلمان مكانه الطبيعي، وتحويلها إلى اختصاص المجالس الاستشارية المختلفة، والتي تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى مؤسسات رئيسية لإدماج النخب المحلية والوطنية، على اختلاف انتماءاتها ومجالات تخصصها، ما يمثل، بشكل أو بآخر، تقنيناً ممنهجاً لمسارات التحديث، والحد من تفاعلاته داخل المجتمع.
تؤكد التجربة التاريخية أن التحديث مرتبط، جدلياً، بمسألة العقلنة السياسية، بمختلف مستوياتها. فكلما اتسعت مجالات التحديث كانت السلطة مدعوة أكثر لعقلنة مؤسساتها، وطرائق تدبيرها علاقتها بالمجتمع. لذلك، بقدر ما تحتاج معظم النخب العربية الحاكمة منجزات الحداثة التقنية والاتصالاتية والعلمية لإحكام قبضتها على مجتمعاتها، بقدر ما تخشى التأثيرات الفكرية والسوسيولوجية والسياسية لهذه المنجزات.

* شاعر وكاتب مغربي/”العربي الجديد”