الرئيسية / وجهات نظر / عن الاستوزار: تكليف أثقل وتشريف أقل؟
7fd8400c27493954595647bddf7d3d9f

عن الاستوزار: تكليف أثقل وتشريف أقل؟

التكليف الذي تُسلب منه أسباب الهيبة والحرمة يضحو حملا لوزر، يثقل أكثر فأكثر كاهل الموزر، الذي يكون عليه أمام تحديات أطر وتجاوزاتهم أن يثبت ويستميت في ما ندب له نفسه: إنجاز الإصلاح أو بعضه؛ فيقبل، إذا كانت صحته سليمة، باحتمال تعرضها لمخاطر…
*
إني أنافح عن بيضة الوزراء، كلِّ الوزراء، وأذود عن حماهم، ذلك لأنهم ككل البشر غير معصومين من الخطأ ولأن، بوجه خاص، ضمنهم من لا شعار لهم إلا أن تنتهي خدمتهم بسلام، فيمرون هكذا منطفئين، لا حسَّ ولا حسيس، تراهم يتجنبون المشاكل بتعليقها وقضاء الحاجات بتركها.
لو أن الذين شغلوا مناصب عليا، كالوزارية مثلا، يُقْدمون على كتابة -وإن بالتفويض- عن تجاربهم معها ومعيشهم فيها، إذن لأفادوا من زواياهم ومقارباتهم تاريخ المغرب الحديث سياسيا واقتصاديا أو في مجالي الاجتماع والثقافة. والشرط الأوكد في ذلك هو قول حقائق والإدلاء بالشهادة ما استطاعوا، متجنبين اللسان المخشب وخطاب المداراة والمختالة. وهذا الجنس من الكتابة له تقليد في البلدان الديمقراطية المتقدمة، من جديد قطوفه كتاب La r’cr’ation لوزير الثقافة الفرنسي الأسبق فريدريك ميتران.
في مقال قصير كهذا، سأكتفي بملامسة وجه واحد له صلة مخصوصة بوضع منصب الوزارية عندنا، وذلك على خلفية ما حصل مؤخرا للسيد وزير الصحة حسين الوردي من اعتداء سافر بالسب والقذف من طرف بعض الصيادلة تسربوا إلى داخل البرلمان للقيام بعملهم المشين. ومـما يسُّرُ ويثلج الصدر أن جلالة الملك عبر عن استيائه وشجبه لذلك في مجلس الوزراء قبل الأخير. وهي إشارة ملكية سامية تُغبط عليها الحكومة الحالية.
غير أني، مع ذلك، أريد بـهذه السطور إظهار أن الحدث المذكور ليس معزولا واستثنائيا أو غير ذي سوابق. فلقد عرفنا من قبل حوادث محزنة تعرض لها وزراء في الحكومة السابقة المنقوصة الولاية؛ حوادث كنت فيها شاهد عيان وكان أغلبها حريا بأن يصل إلى القضاء لينظر فيها ويحكم. فهذا وزير اعتدت عليه أسبوعية فرنكفونية (احتجبت) وصورته ملء إحدى صفحاتها شيطانا يتنافس الحجاج على رجمه بالجمار؛ واكتفي المعني بالكاريكاتور الشنيع بعرضها على أنظار زملائه في مجلس حكومة معبرا عن غضبه وتذمره، وكان بالمناسبة قد ترأس الوفد الرسمي إلى الحج. وهذه وزيرة تخبر المجلس ذاته بتعرض مكتبها أكثر من مرة لاحتلال من طرف معوقين من طالبي الشغل؛ وهذا وزير آخر ينبئ المجلس الموقر بمعاناته الممضة مع كتاب الضبط في قطاعه، إذ يعاودون حركاتهم الإضرابية حتى بعد تلبية مطالبهم قدر المستطاع، فيعرقلون عمل القضاء ويوقفونه. وحدث له مرة أن وجه له أحد هؤلاء سبة منكرة، متخفيا بين لفيف من زملائه المتواطئين. وكان المشتكي من هذا الوضع المقلق المزري يعبر عن مشاعر إزاءه بخاطر كسير وقلب مكلوم. وهذه وزيرة عانت الأمرين هي بدورها مع لوبيات قطاع الصحة ومشاكله المتعاظمة المتناسلة، علاوة على جريدة ألحقت أكبر الأذى بشخصها وبكرامة أسرتها الصغيرة…
أما في قطاع التعليم ذي الميزانية الأولى والأضخم والصعوبات الشائكة والعقبات الكأداء فحدث ولا حرج، شأنها في ذاك، مع وجود فوارق وتنويعات، شأن الوزارات ذات العنصر البشري الكثيف والمندوبيات والمديريات على امتداد التراب الوطني. وحين يتم إخطار الوزير الأول بتلك المعاملات السيئة الجارحة، يقول إنه هو نفسه لم يسلم منها وهذا صحيح- فينصح بالترفع والتعالي، فلا ممارسة للحق في الرد تُتاح، ولا متابعة قضائية تُباح! وقد تكون للمكلف بالحقيبة طاقة صبر أيوبية لتحمل المكاره، لكن السكوت عن ذلك إنما يزيد في الطين بلة، إذ من مضاعفاته الوخيمة تشجيع بعض أهل الإعلام على الإمعان في سلوكاتهم العدوانية والاستهتارية، بعيدا عن أخلاقيات مهنة وقيمها.
العقدة الصلبة في حالتنا السياسية الخصوصية هي أن أي وزير جديد يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ، إذ كلاهما قاسٍ عصيب: الأول يقضي حيال جسامة مأمورية الإصلاح بترك الحبال على الغوارب ودار لقمان على حالها والاكتفاء بالحد الأدنى من الترقيعات والطلاءات، التي لا تغني ولا تسمن من جوع؛ أما الثاني فإنه يكمن في محاولة قبض الثور من قرنيه والسير، حسب نهج مضبوط وأجندا محددة، على طريق الإصلاح، مع بذل قصارى الجهود، والتحلي بالجراءة والإقدام…
الخيار الأول: إنه إجمالا خيار ينشد الاستقرار و’السلامة’ من تصريف الأعمال العادية وتزجية الوقت بالمهادنة والجمود على المجود، وبإرضاء الخواطر ولو بالوعود العرقوبية الموكولة إلى النسيان وفعل الزمان المحوي؛ غير أن صاحب هذا النهج، يخاطر بـالتعرض لتنقيط سيئ من طرف الراصدين والمراقبين.
والخيار الثاني هو أن يتخذ له متبنيه مسلّمة هي أن وجوده في هذا المنصب السامي لا يبرره قانونا وعقلا إلا السعي الحثيث إلى الإصلاح كركن ركين، هو بمثابة أعز ما يرتجى ويطلب، أي إلى تأسيس لدينامية بناءة من شأنها تحفيز هذا القطاع أو ذاك على إعطاء أحسن ما يستطيعه لهذا البلد من أجل ترقيته وتحسين صورته. لكن المتبني -وهنا يكمن بيت الداء والعقبة الشاقة (وما أدراك منها!)- ما إن يجدّ ويكد في السير قدما إلى الأهداف المرسومة والنتائج الملموسة المتوخاة حتى تبرز له فئتان: كل واحدة تروم تسويد صحيفة الأخرى في عينيه، مسخرة كل الأساليب والسهام لفضح فسادها وولاءاتها الخفية الملتبسة، وكل هذا لنيل ميله وعطفه والاستفراد بهما دون الفئة الأخرى. وفي الغالب الأعم يكون الصراع بين الكاتب العام ومدير المالية وأعوانهما والمأذون بالصرف، وبين مدير الديوان ومستشارين ومدراء مركزين… وفي هذه الحلبة التي هي في آخر التحليل عبارة عن مصطدم الأهواء والمواقع والمصالح، على الوزير أن يتدبر أمره وخطته، متجنبا الإنحياز لفريق ضد آخر، ويظل كذلك حتى إذا تبين له الحابل من النابل والمنافق من الصادق، ولو بعد مدة تلتهم من زمن ولايته، أعلن رؤيته الإصلاحية مرفقة بسياسة وروزمانة للإنجاز والتحقيق. وعندها يتحرك في الظل والخفاء كل من لا تخدمه إرادته الإصلاح والتقويم، فيقاومونه بشتى العُدات والوسائل التي لهم في إدارتها وتدبيرها حيل كثيرة ومهارات…
ولعلي في هذا المقام أشير ضمنيا إلى قطاع أشرفت عليه وخبرته قرابة ثلاثين شهرا، وقد أعود مستقبلا إلى سرد تجربتي فيه؛ إنما عناصر تقاطعه وتماهيه مع قطاعات حددتها أعلاه توجد فعلا بنحو أو آخر، كما يشهد به زملاء عرفتهم وعاشرتهم، وبعضهم إن لم أقل أغلبهم كانوا من المخلصين لقسمهم، المتفانين في أداء مهمتهم بصدق وأمانة، هذا ولو على حساب صحتهم ونصبهم من النوم والراحة. ومن ثم تصبح حالة القلق وحتى الأرق ملازمة لهم، فيدبرونها ما استطاعوا بتناول المهدئات والمنومات، غير مكثرتين بما قد يكون لها من مضاعفات جانبية. فالمناصب التي يشغلونها تشريف لهم بقدر ما هو تكليف. وتمضي الأيام مصرفة بين المجالس والغرفتين والاجتماعات والملفات والاستقبالات والسفريات الضرورية، وبين مواجهة قضايا ومشاكل على الصعيد المركزي والإقليمي والجهوي. ولا مناص للمضطلعين من تجاوز قدراتهم الذاتية ومغالبة التعب والإرهاق، وذلك لأن الرهان يكمن أساسا في أن يكونوا عند حسن الظن ويتوفقوا – ولو بمقدار في أداء المهمة المناطة بهم.
لكن ما القول لـمّا يتعرض التشريف الملازم للمنصب إلى النهش والقذف من داخل القطاع ومن خارجه، فلا يبقى إزاءه إلا التكليف ومتاعبه؟ التكليف الذي تُسلب منه أسباب الهيبة والحرمة يضحو حملا لوزر، يثقل أكثر فأكثر كاهل الموزر، الذي يكون عليه أمام تحديات أطر وتجاوزاتهم أن يثبت ويستميت في ما ندب له نفسه: إنجاز الإصلاح أو بعضه، فيقبل، إذا كانت صحته سليمة، باحتمال تعرضها لمخاطر، أي مثلا أن تنجم عن قلبه ‘الحار’ وقريحته ‘الحارة’ إصابات، كضغط الدم والقرحة وأعراض أخرى، ولحاملي الحقائب بقوة الجد والعزيمة ما يعترفون به أو يسرونه في هذا الباب.
وتمثيلا بحالتي الشخصية وقت وجدت وزارة عبارة عن حقل أنقاض وألغام: ما العمل حيال ميزانية هزيلة وكثرة الأذرع المكسورة؟ ما العمل أمام مديريات ومؤسسات يعمل القيمون عليها باستقلالية تامة عن الوزارة التي ينتمون إليها تنظيميا وقانونيا؟ ما العمل أمام معاهد ذات طابع تعليمي صرف، عوض أن تتبع وزارة التعليم تُلحق على نحو شاذ بوزارة الثقافة التي ليست مؤهلة ولا قادرة على توظيف أفواج المتخرجين، الذين يأتون للتظاهر أمامها مطالبين بالتوظيف في القطاع العمومي حصريا؟ ما العمل مع جمعيات تطالب بالدعوم (اتحاد الكتاب، بيت الشعر) وتـحصل عليها بشتى الضغوطات وبالرغم من كونها توجد في وضعية غير قانونية؟ وما العمل مع أخرى تمتنع عن تقديم تقارير أدبية ومالية غير عابئة بوجود مؤسسة اسمها المجلس الأعلى للحسابات؟ ما العمل مع فنانين من ذوي الحاجات وغيرهم صارت علاقتهم مع الوزارة تسولية وما شابه؟ ما العمل مع أفراد من مرضى العقول والقلوب يسلطون على الوزير مراصدهم وشبكاتهم الإلكترونية ولم يمض على تسلمه الحقيبة أكثر من أسبوع؟ ما العمل مع موظفين يراكمون وظيفتين أو أكثر، واحدة في الوزارة وأخرى في القطاع الخاص كمهندسين أو مستشارين؟ ما العمل مع موظفين أشباح لا يؤدون مقابل رواتب الوزارة وخدماتها أي دور ولو صغر زمنه وحجمه؟ وهلم جرا.
ولو كان الحيز يسمح لاسترسلت في عنونة الاختلالات والخروقات من صنف التي لا يحل قانونا ولا يصح عقلا السكوت عنها والإمساك عن مباشرتها ومحاولة علاجها. وهنا أيضا ما إن يشرع حامل حقيبة المتاعب في إنجاز ما لا بد منه، بعد مشاورة بعض الخبراء والنصحاء الثقات، حتى ترى أصحاب المواقع والمصالح ومحترفي الريع والإبتزاز ينتفضون ضد مريد الإصلاح الذي هو عندهم إفساد، فيجردون الأقلام بأسماء مستعارة أو مأجورة وبالرسائل المجهولة، وذلك للإجهاز عليه بالأكاذيب وبمساءات القذف والتشهير البالغة العنف والشناعة، شاهرين ثم مطبقين خيار المقاطعات والوقفات، بل مطالبة الدوائر العليا بمخاطب جديد. وقد ذهب العرائضي ‘اللابي’ (هكذا ينطق به فرنكوفونيا) إلى حث السلطات على إقالة كاتب هذه السطور، جريا على هذياناته المعهودة، وباحثا عن تصفية حسابات ذاتية خسيسة وعن خدمةِ مسخريه. هذا وما لم أقله في الموضوع وتفاريعه أسوأ وأعتم.
في أواخر السنة الماضية، كم تعاطفت مع وزير العدل الأستاذ مصطفى الرميد، لما سمعت أنه اشتكى أمام النواب من المصاعب الجمة التي يلاقيها في تدبير شؤون قطاعه، حتى إنه ذرف بعض الدمع، وقال باحتمال التحاقه بسلفيه المحمدين بوزبع والناصري، طيب الله ثراهما.
رجائي أن لا يفهم من كلامي أني أنافح عن بيضة الوزراء، كلِّ الوزراء، وأذود عن حماهم، ذلك لأنهم ككل البشر غير معصومين من الخطأ ولأن، بوجه خاص، ضمنهم من لا شعار لهم إلا أن تنتهي خدمتهم بسلام، فيمرون هكذا منطفئين، لا حسَّ ولا حسيس، تراهم يتجنبون المشاكل بتعليقها وقضاء الحاجات بتركها، وبشراء الذمم وغض الطرف عن ممارسي التجاوزات والخروقات، وذلك كله للحفاظ من جهة على صحتهم من ‘الستريس′ المتصل وعواقبه الوخيمة، وتسترا، من جهة أخرى، على كونهم ما وصلوا إلى الوزارية إلا بفعل أخطاء في ‘الكاستينغ’ وامحاء مرجعية السيرة الذاتية في غمرة المحسوبية والزبونية داخل أحزابهم المشاركة في الحكومات المختلطة… وللموضوع عودة.
“القدس العربي”