الرئيسية / وجهات نظر / مقترح ليون لتسوية الأزمة في ليبيا
خيري عمر

مقترح ليون لتسوية الأزمة في ليبيا

بعد جولات متعددة للحوار الوطني في ليبيا، ظهرت مقترحات “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا”، لتضع تصورها لمعالجة الأزمة السياسية في البلاد، وهو ما تمنته “مسودة اتفاقية الانتقال السياسي في ليبيا”. ولكن، لدى مطالعة الوثيقة المقترحة، تبدو ثمة إشكالات تتعلق بفرص بناء مرحلة انتقالية متوازنة، وتلبي تطلعات كل الأطراف، فالمسألة المهمة، هنا، تكمن في اتخاذ تغيرات واسعة للتخلص من العوامل التي شكلت التنافر والاستقطاب السياسي، خلال الفترات الانتقالية التي مرت بها الدولة منذ أغسطس/آب 2011.
وعلى الرغم من أن مقترحات الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون “تشاورية”، فإنها شكلت المكون الأساسي لمقترحات الحوار، حيث تضمنت إشارات عديدة إلى أنها لا تلبي كل تطلعات الأطراف، وقد فتحت الباب لتلقي الملاحظات، لأنه في ظل تباين المواقف السياسية، سوف تشكل مقترحات ليون المسودة النهائية للحوار، وهي تستفيد في ذلك من التأييد الدولي والإقليمي للتوصل لحل سياسي، وهو ما يضعف فرص الأطراف الليبية في التمسك بمواقفها.

الحكومة التوافقية
قدمت الوثيقة مقترحاً بتشكيل “حكومة وحدة وطنية”، تعمل تحت مجلس رئاسي (رئيس ونائبيْه)، يتشكل من شخصيات مستقلة، لا تنتمي لأي حزب ولا ترتبط بأي مجموعة، وتكون مقبولة من الأطراف ومن جميع الليبيين. لعل تشكيل السلطة التنفيذية يعد أهم المعضلات التي يواجه ترتيبات الفترة الانتقالية المقبلة، فبالنظر إلى معايير اختيار أعضاء الحكومة، لا يبدو أن هناك معايير مجردة وقابلة للقياس، خصوصاً ما يتعلق بقبولها من “جميع الليبيين”، فيما أن اختيارهم يقتصر على المشاركين في الحوار الوطني، ويتوقف على هذه الجزئية نجاح المرحلة الانتقالية، فغموض المعايير وسيولتها سوف يؤديان إلى عدم التعريف الدقيق للمستقلين، ما يسمح بدخول الحزبيين والمسلحين للحكومة تحت مسميات مختلفة.
وباعتبار أن تشكيل السلطة التنفيذية من مقتضيات السياسة التشريعية، وهذا ما يثير الجدل بشأن إمكانية توسيع مظلة الحوار الوطني، ليقوم بتشكيل سلطة تشريعية انتقالية، ذات اختصاصات واسعة، وتختص بإصدار الدستور، ويكون في وسعها إدراج ملفات أخرى، وتعد هذه الصيغة أقل خلافاً من التمديد لمجلس النواب والهيئة التأسيسية، وسبق أن طرح، في جولات الحوار، اقتراح العمل بنظام المجلسين، مع تشكيل حكومة توافق وطني، وهي صيغة تحمل، في ثناياها، عدم إقصاء أي من الأطراف السياسية، واستيعاب أكبر عدد ممكن من الفواعل في السياسة الليبية.

تمديد المؤسسات
ولتجنب ما أسمته الوثيقة المقترحة “الفراغ الدستوري”، فإنها رأت ضرورة التمديد للمؤسسات “الدستورية” لإكمال مهامها، وركزت، خصوصاً، على “مجلس النواب” و”الهيئة التأسيسية”، وبحيث لا تتجاوز فترة التمديد عامين، وهيئة صياغة الدستور، وسوف يتم الاتفاق على آلية للتعاون بين هذه المؤسسات، لتحقيق التوافق عند هذه المرحلة الحيوية.
وقد اعتبر مقترح الأمم المتحدة أن مجلس النواب يعد الجهة التشريعية الوحيدة، ويمثل السلطة الشرعية في الدولة. وفي معالجة هذه النقطة، لا يبدو مقترح ليون متماسكاً، وشابه تناقض كثير، فبينما أشار إلى احترام نتائج انتخابات يونيو/حزيران 2014، فإنه لم يعتد بقرار الدائرة الدستورية إلغاء نتائج الانتخابات، وإلغاء الأساس الدستوري الذي قام عليه مجلس النواب، لكنه لم يضع مبرراً لتجاوز قرار الدائرة الدستورية، سوى بمحاكاة تجارب الدول في التعاون بين المؤسسات السياسية، ركيزة للمرحلة المقبلة، وهي إجراءات سوف تواجه مخاطر عديدة لعدم الاستقرار، بسبب غياب إجراءات بناء الثقة بين الأطراف الليبية، والتأكيد على تمديد المؤسسات، بكل إشكالاتها الدستورية والسياسية.
ولعل اقتراح التمديد لمجلس النواب والهيئة التأسيسية ينقل ميراث التناقضات للفترة الانتقالية الجديدة، فكما يشهد المجلس مشكلة دستورية، فإن الهيئة التأسيسية تعاني من انقسامات منعتها من إنجاز مسودة الدستور في الفترة المقررة دستورياً، والتي تنتهي في أكتوبر/تشرين أول 2015. وبهذا المعنى، يساهم استمرار هاتين المؤسستين في استصحاب عوامل فشل الفترة الانتقالية، فمنذ تشكيلهما، وهما يمثلان عنواناً للاستقطاب والانقسام السياسي بين الأطراف السياسية والعسكرية، وتمثلت نتيجة الاستقطاب، ليس فقط في اندلاع الصراع المسلح، وأنها انعكست أيضاً في مسارعة مجلس النواب إلى إلغاء التشريعات التي أقرها المؤتمر الوطني، ما يهدر الميراث الانتقالي.

المؤسسات الجديدة
وقد تضمنت مناقشات الحوار الوطني تشكيل مؤسسات عديدة، لكنه لا يبدو أنها تستند لنظرية واضحة، حتى الوقت الراهن، سوى أنها تخضع لأطر الحوكمة المؤسسية، لكنه، بالنظر إلى حالة المؤسسات في ليبيا، وما تعانيه من هشاشة، فإن من المتوقع حدوث انحراف في دور المؤسسات الانتقالية، وبحيث لا تلتزم بالإطار السياسي والقانوني المنشئ لها. وهناك سوابق كثيرة في التجارب الانتقالية في ليبيا، خصوصاً ما يتعلق بالصراعات بشأن مصير المؤتمر الوطني وعدم خضوع الحكومة (علي زيدان وعبدالله الثني) للمساءلة التشريعية، ولعل عدم اعتداد الأمم المتحدة وبعثتها بالأحكام القضائية يعد من المؤشرات غير المطمئنة لمستقبل الفترة الانتقالية، وهنا، يصير الحديث عن الحوكمة مسألة ديكورية، لا تتصدى لمكونات الأزمة السياسية.
فقد تضمنت المقترحات تشكيل ثلاث مؤسسات، بجانب الحكومة ومجلس النواب، وهي مجلس أعلى للدولة ومجلس الأمن القومي ومجلس البلديات، وهي تشكل، في مجملها، البنية الأساسية لمؤسسات الدولة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أنها نشأت نتيجة اتفاق سياسي، وليس نتيجة إطار دستوري دائم، أو سلطة منتخبة، يثور التشكك حول الحاجة لهذه النوعية من المؤسسات في دولة تشهد أنواعاً من الصراعات المعقدة؛ السياسية والعسكرية والاجتماعية، وكذلك تثير الجدل حول سياسات تشغيلها، ومن ثم، سوف يحمل تشكيلها، في هذه المرحلة، في طياته، خصائص الصراع بين الأطراف والمكونات الليبية، أهمها الاستبعاد والإقصاء، وكان من الأولى تأجيله إلى ما بعد الانتهاء من حالة الانتقال السياسي، ولعل الإشكالية التي تتعلق بهذه المؤسسات تكمن في مدى قدرتها على تحمل الأعباء السياسية، والاضطلاع بمهام السياسات العامة.

البعد الأمني في الحوار الوطني
وبغض النظر عن الأخبار التي تشير إلى تعرض وفد النواب المقاطعين لمجلس النواب ووفد المؤتمر الوطني لضغوط للموافقة على مقترحات بعثة الأمم المتحدة، يكشف مسار الحوار الوطني عن انتقال سريع لتسليم السلطة لمجلس النواب، وفق تشكيله القائم، والذي كان مثار خلاف سياسي ونزاع دستوري، وهو ما يمثل حلاً غير متوازن للأزمة السياسية في ليبيا، ويمنح الفرصة لاستمرار التوتر، نتيجة غياب مراعاة الواقعَين، السياسي والعسكري، فلدى “فجر ليبيا” تشكك بأن سياسات ليون سارت في اتجاه منح فرص إضافية لعملية الكرامة، للاندماج في مؤسسات الدولة، أو تحقيق انتصارات على الأرض، لكنه على الرغم من قصور “حكومة طبرق” عن فرض سيطرتها، فإنها تجني مكاسب عديدة، من دون جهد سياسي أو عسكري، فمساعي ليون من الحوار الوطني تتطلع إلى تسليم المدن والسلاح والأفراد للجيش الليبي، بقيادة خليفة حفتر، وهو تصور لا يراعي أنه طرف أصيل في الصراع المسلح.
فالرؤية الأمنية والعسكرية للحوار تقوم على استمرار المؤسسات التابعة لمجلس النواب وإعادة هيكلة الجيش ومؤسسات الأمن، وبالتالي، يحتفظ حفتر بموقعه في الجيش، مشرفاً على إعادة البناء، كما تتم عملية تسريح وإعادة دمج التشكيلات المسلحة بشكل فردي، مع تسليم أسلحتها خلال 60 يوماً. وليس هذا التصور جديداً، لكنه يعكس فلسفة مقترحات حفتر والأمم المتحدة لجمع السلاح وإعادة دمج الثوار، وتشير التجربة الليبية إلى تباطؤ الحكومة في الالتزام بدمج الثوار والمسلحين في أجهزة الدولة، وهي تجربة تتوفر فرص تكرارها في المستقبل.
ويكشف الخطاب السياسي للاتحاد الأوربي والولايات المتحدة عن توظيف للحوار السياسي، فمن جهة، يعتبرون الحوار ضرورياً للاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، ووقف الأعمال العسكرية، ومن جهة أخرى، يمارس ضغوطاً على الأطراف التي “تعرقل العمل السياسي”، ويضعها تحت الملاحقة الدولية، ما يؤدي إلى خروج اتفاقيةٍ، لا تراعي المطالب المختلفة، وبطريقة أقرب إلى الإذعان، ما يمهد الطريق إلى إعادة إنتاج الأزمة السياسية، مرات أخرى.
من الواضح أن مشوار الانتقال السياسي في ليبيا ما يزال طويلاً، فالتخطيط للمرحلة الانتقالية الجديدة يسير باتجاه استمرار الدولة في حالة انتقالية، فقد حرص مقترح ليون على إحياء التناقضات السياسية، وتشغيلها لتكون جزءاً رئيسياً في السلطة والمؤسسات الليبية.

* كاتب وباحث مصري/”العربي الجديد”