الرئيسية / وجهات نظر / المؤسسات المالية المانحة وخصخصة الدولة التونسية
توفيق المديني

المؤسسات المالية المانحة وخصخصة الدولة التونسية

كانت الثورة التونسية نتيجة طبيعية لوصول الأنموذج التنموي السابق إلى مأزقه المحتوم بشهادة جميع المؤسسات الدولية الليبرالية من بنك دولي، وصندوق نقد دولي، ووكالات وتصنيف ومنتديات عالمية، أو بصيغة مقتضبة كاملي حارسي المعبد الليبرالي الجديد المسيطر حاليا على الاقتصاد الدولي، وعلى الفكر الليبرالي الدوغمائي، ولا أدل على ذلك إلا التقرير الذي أصدره البنك الدولي المخصص لتونس في عام 2014، والذي أعلن فيه عن موت النموذج السابق وضرورة إيجاد نموذج بديل.
مع بداية عام 2011، وبعد أن أنجزت تونس ثورتها السلمية التي باتت تلقب بقاطرة «ربيع الثورات العربية»، اعتقدت الحكومة التونسية برئاسة السيد الباجي قائد السبسي آنذاك، أن الدول الغربية التي أيدت تطلعات الربيع العربي، ستأتي لنجدتها من خلال تقديم المساعدات المالية الضرورية لخروج من البلاد من أزمتها البنيوية العميقة. هذا ما تضمنه نظرياً على الأقل بيان قمة مجموعة الثماني التي عقد ت في منتجع دوفيل على بحر المانش، شمال فرنسا يومي26و27 مايو 2011، وضمت رؤساء الدول الصناعية الكبرى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، كندا، وروسيا)، وكذلك رئيس الحكومة المصرية الدكتور عصام شرف، والوزير الأول التونسي الباجي قائد السبسي، أطلق زعماء دول مجموعة الثماني شراكة طويلة الأمد مع تونس ومصر.
وجاء في البيان الختامي لقمة مجموعة الثماني حول «الربيع العربي» ما يلي: “لقد أطلقنا شراكة دوفيل، ونحن على استعداد لفتح هذه الشراكة الشاملة والطويلة الأمد لكل دول المنطقة التي تبدأ عملية انتقالية نحو مجتمع حر، وديمقراطي، ومتسامح”.
رغم أن مصر وتونس اللتين حضرتا إلى قمة مجموعة الثماني في دوفيل الفرنسية لم تجدا ذلك الدعم المالي المطلوب، فإن الشراكة التي اقترحتها دول مجموعة الثماني مع «الربيع العربي» رست على تكليف الصناديق المالية الدولية والدول الخليجية العربية بتقديم قروض تبلغ حوالي 40 مليار دولار. وفي هذا السياق، امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن تقديم أي التزامات مالية واضحة لتونس ومصر. وتكفلت البنوك الدولية المتعددة الأطراف، مثل (صندوق النقد الدولي، والبند الدولي، والبنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية) برصد 20 مليار دولار تحت إشراف البنك الدولي، منها 5.3مليار يورو لمصر وتونس من عام 2011 إلى 2013 من مصرف إعادة الإعمار لدعم عملية الإصلاح الجارية. وقال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إنه علاوة على 20 مليار دولار سيقدمها البنك الدولي وجهات إقراض إقليمية أخرى تهيمن عليها القوى الكبرى سيكون هناك مبلغ مماثل من مصادر أخرى عبارة عن 10 مليارات دولار من دول عربية خليجية و10 مليارات من حكومات غربية غنية أخرى.
فيما حمل رئيس الوزراء التونسي الباجي قائد السبسي خطة تنمية اقتصادية واجتماعية تحتاج إلى استثمارات بنحو 125 مليار دولار على مدى خمس سنوات، لإطلاق اقتصاد ما بعد الثورة وتعويض خسائر تونس المتراكمة، حيث إن الجزء الأكبر من هذا المشروع (100 مليار دولار) سوف تتحمل تونس تكاليفه. وقال الباجي قائد السبسي بعد انتهاء قمة دوفيل: نحن نطالب الأسرة الدولية ألا تغطي إلا جزءاً صغيراً من المبلغ، وهو 25 مليار دولار، على امتداد خمس سنوات، بينما ما حصلنا عليه فعليا لا يتجاوز 3.1مليار يورو. علماً أن المبلغ المقدر بنحو 40 مليار دولار، والذي رصد للربيع العربي، سيحدد أمر توزيعه مؤتمر لوزراء اقتصاد الثمانية، وهو المؤتمر الذي لم ير النور منذ تلك القمة.
ومنذ عقد الثمانينيات، وتحديدا عام 1985، أعادت السلطات الحاكمة في تونس التفكير في معتقدات التنمية القويمة، التي سادت خلال العقود التي تلت الاستقلال بعد أن انتهجت استراتيجيات التدخل الحكومي المُكَثف في الحياة الاقتصادية وما صاحبها من قيود إدارية وإجرائية للنظام العام في إطار بسط نفوذه على قطاعات الدولة الاقتصادية، حيث أفرزت تلك الاستراتيجيات سلبيات عديدة كان لها أثرها المباشر في حدوث تغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية في تونس، وفرضت مؤسسات النقد الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، شروطها على البلاد، حيث بدأت بالظهور استراتيجيات الانفتاح الاقتصادي، وبازدهار برامج الإصلاح الهيكلي (PAS) في العام 1986، التي تجسدت فيما يلي: تحول شركات القطاع العام إلى قطاع خاص، وانقلاب في البنى الاجتماعية، الذي يصعب السيطرة عليه، وإفقار شرائح كبيرة من الطبقات الشعبية والطبقات المتوسطة المدنية (معلمون، صناعيون، موظفون من القطاع الثالث، تجارة، خدمات، تأمينات إلخ.. رجال الإدارة والديوان، مهندسون) الذين كانوا تقليديا يعيشون في كنف الدولة المحدثة في تونس.
لقد أحدث برنامج الإصلاح الهيكلي لسنة 1986 نقلة نوعية للاقتصاد التونسي، إذ وضعته تحت رعاية وتوجيه صندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية المانحة على سكة النظام الرأسمالي ولا نقول الاقتصاد الليبرالي، لأنها كانت رأسمالية طفيلية مشوهة وسمها البنك الدولي نفسه بـ«رأسمالية الأصدقاء والأقارب»، وليس ليبرالية حقيقية، هي يمكن لها أن تعيش كما يدل على ذلك اسمها إلا في مجتمع ديمقراطي تسود فيه دولة القانون. وكان من نتائج هذه الرأسمالية الطفيلية أن ضعفت الدولة التونسية، وأصبحت تعاني عجزاً على جميع الأصعدة، مما أفقدها دورها التاريخي، وأفقدها ثقة المواطن وهو الأخطر.
بعد إنجاز الثورة في نهاية سنة 2010 وبداية سنة 2011، حملت المرحلة الانتقالية(أربع سنوات) نحو الديمقراطية في سيرورتها تراجعاً في معدل النمو، الذي بلغ مرحلة المعدل السالب، وهو الآن لا يتجاوز نسبة 2.1في المائة، ذلك أن الثورة التونسية كلفت خسارة للاقتصاد التونسي بنحو 2مليار دولار (أي4.1مليار يورو)، أي ما يعادل 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2011. ولم يتوقف هذا النزيف بعد الثورة، بل زادت وتيرته خلال السنوات الأربع الأخيرة، كما يدل على ذلك:
1-الارتفاع الجنوني للديون الخارجية لتونس، الذي تضاعف في 3سنوات، إذ تقدر ديون تونس الخارجية بنحو 50 مليار دينار، أي ما يعادل 25 مليار دولار، وبنحو 55في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت تونس حصلت على ديون (أجلها 5 سنوات) في ظل حكم الترويكا: ديون سنة 2012= 4.764 مليار دينار، وديون 2013=5.290 مليار دينار، وديون 2014=7.838مليار دينار، أي أن تونس حصلت خلال حكم الترويكا على ما يصل إلى نحو 18 مليار دينار. ومع بداية 2016 تبدأ تونس في تسديد هذه الديون، وحتى 2018، وستعرف البلاد تراكم خلاص الدين بنسق كبير، وتونس تعيش أزمة اقتصادية ومقبلة على إفلاس حقيقي. فكل تونسي أصبح مُداَناً بنحو 5000د.
وكما أوضح البنك الدولي في تقريره«الثورة غير المكتملة»، فإن نهب الدولة لم ينته مع خروج ابن علي، بل تواصلت التجاوزات ولربما تسارعت مع ظهور فكر الغنيمة في عهد الترويكا. ونتيجة إرث الترويكا واستمرارها في تسيير دواليب الدولة والنشاط الاقتصادي والمالي، تواصل تعثر الاقتصاد الوطني خلال سنة 2014. ومع دخول سنة 2015، ترزخ تونس تحت عجز في الموازنة، إذ انتقل هذا العجز من 1في المائة سنة 2010، إلى 7في المائة سنة 2010، كما وصل العجز التجاري الهيكلي والعميق الذي تشكو منه البلاد إلى نحو 22 مليار دينار في سنة 2014، أي نحو 20من الناتج المحلي الإجمالي. وانتقلت مصاريف الدعم من 1500 مليار دينار سنة 2010 إلى 5500 مليار دينار في سنة 2013، وإلى 7000مليار دينار في الوقت الراهن.
وفضلاً عن ذلك، استقرت نسبة التضخم عند حدود 6 في المائة، أما مستوى التهرب الجبائي فقد بلغ نسباً قياسية، وقد كلف خزينة الدولة سنة 2014 ما قدره 10مليارات دينار، وهو ما يمثل 35 في المائة من الإيرادات الإجمالية الجبائية وغيرها للبلاد التونسية برمتها. وأصبح الاقتصاد الموازي يمثل 53 في المائة من التداولات التجارية، ويساهم في إضعاف الإيرادات الجبائية بأكثر من 32في المائة. وللتدليل على أن لتونس قدرات مالية هامة قد تغنيها عن التوجه إلى الاقتراض الخارجي هو أن الاقتصاد الموازي في تونس يمثل نسبة 35 بالمائة من الناتج الداخلي المحلي للبلاد أي أن 35 بالمائة من الثروة التي ينتجها التونسيون متأتية من الاقتصاد الموازي.
كما تفاقم الفقر في تونس، وفي حدّيه الأدنى والأعلى ليصل في المعدل إلى 30 في المائة، وقد اشتدت وطأته أساسا على أطياف كبيرة من التونسيين نتيجة سوء عدالة توزيع الدخل الذي يعادل مؤشره 40 في المائة، مقابل معيار معتمد دولي يساوي 100في المائة. ويعاني الاقتصاد التونسي ولا يزال من مشكلة البطالة، إذ يوجد ما يقارب مليون عاطل عن العمل في تونس، وهو الأمر الذي يتطلب من الحكومة التونسية معالجة مشكل البطالة لامتصاص غضب الأعداد الكبيرة من العاطلين ولاسيَّما أصحاب الشهادات العليا، الذين يزيد عددهم عن 250 ألفا. كما أصبح الاقتصاد التونسي يعاني من تراجع في قطاع السياحة بشكل كبير نحو40 في المائة منذ سقوط الديكتاتورية، علماً أن هذا القطاع يمثل 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر ما يقارب 450000 من الوظائف المباشرة وغير المباشرة.
السيناريو الذي يعبر به عن هذا الواقع المزري للاقتصاد التونسي، هو أن المؤسسات الدولية المانحة بعد أن أوقعت تونس في شرك الديون، وبعد أن قامت تونس بتنفيذ (وصفة) صندوق النقد الدولي (برنامج الإصلاح الهيكلي)، وبعد أن تخلت الدولة عن كل سيطرتها باسم حرية التجارة والدخول في نظام العولمة الليبرالية المتوحشة، وبعد أن بيعت شركات ومؤسسات القطاع العام باسم الخصخصة، بعد كل هذا تهبط الشركات العملاقة العالمية عابرة القارات، لكي تلتهم الأراضي التونسية، وامتيازات التنقيب، وتتحول شركات القطاع العام والخاص إلى ملكية لهذه الشركات العملاقة، ثم تجد السوق التونسية مفتوحة أمامها من دون حواجز جمركية لتصريف منتوجاتها بلا قيود وضرائب تذكر، كما تجد في الشعب التونسي عمالة رخيصة.
وبدلا من أن تتجه الحكومة التونسية المنتخبة إلى إعادة النظر بصورة جذرية في نموذج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الليبرالي، والذي قاد تونس إلى إحداث ثورة اجتماعية، تستمر هذه الحكومة عينها في الطريق ذاته في الطور الراهن والذي سيقود إلى تطبيق ما يسمى بالإصلاحات الموجعة: الاستغناء عن آلاف من العمال والموظفين، واستمرار تخفيض قيمة الدينار التونسي أمام العملات العالمية (1 دولار يساوي في الوقت الحاضر 2 دينار تقريبا)، وخصخصة الدولة التونسية، وفتح أبواب تونس على مصراعيها أمام الشركات عابرة القارات، للقضاء على كل أنواع السيطرة الحكومية على الأجور والأسعار، وإلغاء الدعم للسلع التي يستفيد منها الفقراء.
وتكمن الخطورة، في محاولة علاج الديون بمزيد من الديون، واستبدال بعض الديون ببيع القطاع العام، بمعنى أنه لكي تسدد دولة ما بعض ديونها تضطر إلى التخلي عن ممتلكات الشعب من الأرض والمؤسسات الصناعية والبنوك، أي الذهاب إلى خصخصة الدولة التونسية، حيث تفضل بعض الأحزاب الليبرالية والنخب التونسية المرتبطة بالغرب، أن تحصل على نصيب ما في شراء شركات القطاع العام بأسعار بخسة.

*كاتب ومحلل سياسي/”الشرق” القطرية