الرئيسية / وجهات نظر / تونس… هل يشدها العقل أم تجرفها العاطفة؟
NIZAR BOULAHYA

تونس… هل يشدها العقل أم تجرفها العاطفة؟

بشكل سريع ومفاجئ ظهرت قبل أن تختفي في وقت قصير من بعض الشوارع والميادين المعروفة وسط العاصمة تونس، لوحات إشهارية خرجت عن المعتاد. اللوحات حملت مشاهد بؤس وكآبة، كتبت تحتها بالخط العريض توصيفات، مثل الفقر والغلاء والإرهاب والعنف، وحتى الزبالة منسوبة جميعها إلى زمن واحد وهو «المؤقت»، ولم تغفل بالمرة عن الإشارة بوضوح إلى المدة الفاصلة بين العامين 2011 و2014، باعتبارها الزمن المقصود بجميع تلك المساوئ والكوارث المرعبة والمريعة. الجهة التي قامت بوضع اللوحات هي شركة إعلانات يملك صاحبها قناة فضائية تلفزيونية محسوبة على حزب «نداء تونس» وزعيمه الباجي قائد السبسي. أما الهدف المعلن من وراء العملية فكان بحسب ما صرح به أحد مسؤوليها لصحيفة «الشروق» اليومية توجيه «رسالة إلى كل التونسيين مفادها اننا سئمنا من كل الظواهر السلبية المؤقتة، وحان الوقت لمحاربتها». لم تكن النية أو القصد إذن وفقا للتصريحات وعلى عكس ما فهمه معظم التونسيين هو تقديم كشف حساب كارثي وسوداوي لسنوات حكم ائتلاف «الترويكا»، التي انهارت ولم يتبق منها الآن، بعد انسحاب حكومة علي العريض مطلع العام الحالي وانتخابات اكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، سوى رئيس الجمهورية المؤقت الدكتور المنصف المرزوقي. فالقائمون على فكرة اللوحات يصرون على نفي تلك الاستنتاجات تماما ويعتبرونها مجرد تأويل غير دقيق ومجانب للحقيقة، مشددين في المقابل على أن ما أقدموا عليه لم يكن سوى «حملة لتوعية وتشجيع التونسيين على ممارسة حقهم في الانتخاب». لكن لسوء حظهم لم تكن تبريراتهم مقنعة أو مقبولة لدى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي اعتبرت ان اللوحات الدعائية هي إشهار سياسي مقنع لصالح طرف يستعد لخوض الجولة الثانية من السباق الرئاسي، وضد طرف آخر منافس له. وهو ما جعلها تأخذ قرارا فوريا بالإزالة وتتقدم بشكوى رسمية إلى الجهات القضائية المختصة، من أجل ملاحقة الفاعلين، فالهيئة ترى كما يقول أحد اعضائها في تصريحات إعلامية ان «الطريقة التي اعتمد عليها الإشهار طريقة استفزازية يمكن أن تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف، أو ردود فعل تؤثر على سير العملية الانتخابية وتهدد المناخ الانتخابي، ومن هذا المنطلق رأت أنه يجب اتخاذ قرار الإزالة الذي كان بالتشاور مع السلط البلدية والحكومية»..
لكن بعيدا عن القصة الغريبة للوحات الدعائية، لا يبدو أن المراقب لشؤون تونس وتقلباتها، وهي تستعد للدور الثاني من جولة انتخابات الرئاسة، سوف يبذل جهدا خارقا أو استثنائيا حتى يتوصل إلى استنتاج بات معلوما لدى خصوم الدكتور قبل أصدقائه، وهو ان الرئيس المرزوقي صار يتحرك وسط بيئة سياسية وإعلامية ضاغطة، شديدة العداء والرفض لاستمراره على رأس الدولة، وان هناك آلة دعائية ضخمة لا تتوانى بطرق مواربة أحيانا ومكشوفة أحيانا أخرى عن تقديمه في ثوب الفاشل والعاجز، وحتى المجنون الذي لا يمكن ائتمانه على مواصلة الاضطلاع بمهامه العليا على رأس الدولة. ما تقوم به تلك الآلة وما تنتجه على مدار الشهور هو ما يصفه قادة «نداء تونس» ورموزها بالحصيلة، أي كشف حساب السنوات القليلة للمرزوقي في السلطة بطريقة تجعل العثور على أي نقطة بيضاء أو مضيئة في سجلها المعتم الداكن ضربا من الأمنيات الصعبة والبعيدة. المعركة السياسية أو الانتخابية قد تبرر الانحياز أو تضخيم زلات والنفخ فيها، لكن «ما يجري على الساحتين الإعلامية والسياسية من تجاوزات وحملات ضدي تجاوزت الحد الأخلاقي الأدنى»، يقول المرزوقي لأعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات خلال لقاء جمعه بهم بداية الشهر الجاري. ومن جانبها لا تقدم نقابة الصحافيين التونسيين موقفا واضحا أو حاسما، بل تفضل بدلا من ذلك وضع الخصمين معا في سلة واحدة وتهددهما في بيان «بمقاطعة نشاطهما ودعوة الصحافيين إلى مقاطعة حملتيهما الانتخابية في حال تواصل الخطاب التشنجي والمعادي للصحافيين ولمبادئ الديمقراطية من طرف المرشحين».
اذن فلا فضل لأحد على الآخر لا في الحريات ولا في القدرة على الدفاع عن الديمقراطية وحمايتها، سواء تعلق الأمر بحقوقي ناضل طويلا من اجلها، أو رجل دولة خدم سنوات اطول مع انظمة الاستبداد ضدها. هذا مختصر الرسالة وجوهرها فهما يستويان هنا على خط سباق الرئاسة نفسه، رغم ان موازين القوى لا تبدو منصفة أو متكافئة بينهما ساعة الانطلاق. والإشكال الذي يواجه التونسيين هو انه لم يعد باستطاعتهم وسط ضجيج الإعلام وصخبه المتواصل أن يصمدوا طويلا امام روايته للاحداث، مثلما ظل عسيرا وصعبا عليهم قراءة التاريخ واستخلاص عبره من اجل استشراف المستقبل القريب والبعيد. لقد صنع الاستبداد أصناما وأدار حولها القلوب والضمائر، ولم يكن متاحا أو ممكنا للعقل أن يأخذ حصته الطبيعية أو موقعه العادي لا في حياة الناس ولا في تصرفاتهم ومواقفهم. الأمر كان أشبه بحلقات مغلقة ومسترسلة الدوائر جاء بورقيبة في بداياتها ليلعب دور الزعيم والبطل الأوحد طوال ثلاثين عاما قبل ان يرغم على الانسحاب ليخلفه بن علي لأكثر من عقدين كاملين، ثم يذهب بعدها في سفر إلى المنفى لا يعرف إن كان مؤقتا أو نهائيا، وتظل التوازنات والترتيبات القديمة خارج تلك الحلقات على حالها، والأهم من كل ذلك يزداد الطوق المضروب حول العقل إحكاما وتزداد صعوبة التحرر والخروج النهائي من قيود بورقيبة وبن علي، ثم من بعدهما كل من جاء من المغامرين من أجل أن يستنسخ سيرتهما الاولى في نسخ رديئة ومشوهة باسم الحداثة والديمقراطية.
لقد كان الاستبداد يخاطب غرائز الناس ويستميل عواطفهم ويردد أمامهم صباح مساء بأن الأولوية هي في تنمية البلد اولا، وتوفير الرغيف والسكن والعلاج وان الحرية وجميع اشقائها وشقيقاتها يمكنها ان تتمهل وتنتظر لوقت قصير قبل الإذن لها بالدخول في التاريخ المناسب وبالشكل والأسلوب الذي يراه صالحا ومفيدا.
ولا أحد يعرف حتى الان ان كانت كلمات جاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق ايام بن علي حول المعجزة الاقتصادية التونسية قد حركت احدا عدا النظام، وزادت من غروره إذ ان كل ما تعلمه التونسيون في تلك السنوات هو كيف يحصلون بأقل مجهود ممكن على أعلى دخل أو ثروة متاحة، وليس مهما بعد ذلك ان كانت هناك معجزة ام مهزلة داخل بلدهم. مع ذلك الهروب الغامض مساء الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011 ظن الكثيرون أن ساعة الحرية قد ازفت وصارت على مرمى حجر، بل أقرب من أي وقت مضى. لكن هل كانت عجلة الحرية لتقبل ان تدور بلا عقل وبمجرد الوقود البدائي للعواطف؟ ما حصل خلال السنوات التي سميت في تونس بـ»أعوام المؤقت» في اشارة ضمنية إلى ان الدائم والمؤبد هو الاستبداد، يثبت حالة الانفصام في تقبل الحرية ونفض غبار ماض مؤلم عنها. فلم يسارع حكام المؤقت إلى الانتقام ونصب المشانق والتنكيل بالخصوم والأعداء ربما لأن سياسة «الإيدي المرتعشة» هي التي منعتهم من ذلك وربما ايضا لأنهم وفي قرارة أنفسهم لم يكونوا على ثقة من أن هناك ثورة سوف تستمر طويلا في الحياة بالشعارات والأهازيج فقط. لم يفهم الكثيرون ذلك داخل تونس رغم التقدير الخارجي الكبير والواسع. لقد نظروا اليه ببساطة على أنه ضعف وتقصير ووصفه رجال كل العهود قبل وبعد فوزهم في الانتخابات البرلمانية بالفشل الذريع في إدارة شؤون الدولة. ذلك الفشل هو ما حاولت تلك اللوحات الاشهارية تصويره في مشاهد الفقر والإرهاب والعنف وسواها. لكن هل قدم احد للتونسيين لوحات أخرى حول الحرية والديمقراطية، وهل أنهم قادرون فعلا متى تم ذلك على قراءة تلك اللوحات بعقولهم قبل قلوبهم وعواطفهم؟ المشتغلون بالفن يعرفون ان مدرسة الواقع هي أكثر ما يشد اهتمام الناس وان اللوحات التجريدية قلما تجلب العدد الواسع من المتابعين، وربما يصدق ذلك ايضا على الحرية والديمقراطية التي لا يعرفها أو يدركها اصحاب القلوب الضعيفة والمهزوزة وهم كثيرون، للأسف، داخل تونس وخارجها.

٭ كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”