الرئيسية / وجهات نظر / دروس “إنتفاضة الأفراد”..تصويب لمقولة “ماوتسي تونج”!
حسن عصفور

دروس “إنتفاضة الأفراد”..تصويب لمقولة “ماوتسي تونج”!

استخدام مصطلح “إنتفاضة الأفراد” لوصف المشهد الكفاحي الذي دخل اجواء فلسطين التاريخية، في الآونة الأخيرة، هوه التكثيف الأهم لتلخيص الحالة التي تعيشها بلادنا، انتفاضة تحمل توكيلا عاما من الشعب الفلسطيني، ولا غرابة أن تنتقل من “الفردي” الى “العام”، دون جرس إنذار أو تصريح مرور أمني أو سياسي من اي كان، وفي اية لحظة..
“إنتفاضة الأفراد” الفلسطينية هي تطور إبداعي للشكل الكفاحي الفلسطيني، وترسيخ عملي لمقولة أن وسائل الكفاح وأدواته ليس حكرا لشكل وحيد، ويمكن اعتبار الاسهام الثوري الفلسطيني، في شقه الأخير تصحيحا – تطويرا نظريا لمقولة الزعيم الصيني الكبير ماوتسي تونغ، أن “السلطة تنبع من فوهة البندقية”..
أكد الفلسطيني فردا وجماعة، أن المقاومة هي فعل عام بكل ما يمكن أن يتوفر له سبيلا، من السكين فالساطور فالبلطة، الدهس والدعس، “اللكمة” و”البزقة”، اللعنة والكلمة،الحجر والرصاصة، المفاوضة والمقاومة، كلها أدوات واساليب كانت جزءا من انتفاضة شعب بشقيها الجماعي والفردي على طريق الخلاص من الاحتلال نحو تحرر وطني لبناء دولة فلسطينية مستقلة حرة وديمقراطية..
ولأن الفلسطيني الشعب، يدرك تمام الادارك أن ازالة الاحتلال لم تعد رهنا بشكل وحيد، او انتظارا لتحقيق نتيجة من “مساومة لم تعد ممكنة” مع كيان اغتال كل ممكن للفعل السياسي – السلامي..اختار الحرب واستمرار العدوان، بديلا لخيار “السلام التاريخي” الذي اشتقه الخالد ياسرعرفات عندما قام بالتوقيع على اتفاق اوسلو وما تلاه من اتفاقات..لجأ للخيار الذي لم يسقط يوما طريق المقاومة الشعبية الشاملة..
وما حدث في الأشهر الأخيرة قبل الحرب على قطاع غزة، وبعدها وخاصة ما تشهده مدينة القدس يحمل من الرسائل ما يفوق قدرة ادراك حكومة غبية كالتي يرأسها بيبي نتنياهو، وقد يكون بعض من هم في موقع المسؤولية الفلسطينية ايضا، حيث وصل الغضب الى درجة الانفجار، بدأت ملامحه تحضر يوميا بطرق وأساليب لا يمكن لكل أمن الاحتلال، او من يساعده في السيطرة عليها، فهي خارج أجهزة المراقبة والمتابعة الأمنية، ولا تحتاج سوى لقرار ينبع من الإرادة الوطنية ودافع لرفع شأن الكرامة التي ظن من ظن أنه نجح باستهدافها، وتمكن من احتوائها وشرنقتها..
المشهد الراهن، يعلن بوضوح أن لا مكان لهزيمة الروح الفلسطينية، ليس في الضفة والقدس والقطاع، بل في الوطن الفلسطيني التاريخي، وما حدث في أكثر من بلدة جليلية ليس سوى شواهد أولية، ستتعاظم يوما بعد آخر، كلما زادت العنصرية والغطرسة السياسية لفرض “قانون التطاول على الهوية – التاريخ الفلسطيني”، من خلال ما يسمى بـ”قانون القومية”..
فالدرس الأول، اعادة روح التلاحم الوطني في فلسطين التاريخية، بعدما حاول من حاول تقليصها الى حدها الأدنى، او اضاعفها بما يمكن الاضعاف..ولعل هذا الدرس يشكل الرافعة التالية للدرس الثاني، بأن المقاومة الفلسطينية لم تعد حكرا لطرف على آخر، ولا لشكل دون الآخر، بل هي تحولت لفعل متعدد الرؤوس، يفوق عمليا بجبروته كل الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة، كونها مخزون لا ينضب بطاقة متفجرة ومتجددة..
ولأن المقاومة رافعة سياسية فما يحدث في فلسطين التاريخية هو محاولة لاعادة “الوعي السياسي” ليس لحكومة الكيان أو للبعض الفلسطيني المرتعش فحسب، بل هي من فلسطين رسالة الى الجميع ، أن لا مكان لاحتلال فوق ارض فلسطين..وأن الحرية والتحرر ليسا “هبة” أو “منحة وعطاء” من هذا وذاك، بل هي حق وواجب على كل من لا يرغب بأن يدفع ثمن غيابهما..الحرية والتحرر نحو الاستقلال الوطني واقامة الدولة الوطنية لشعب فلسطين، والذي ارتضى أن تكون فوق أقل من ربع الوطن التاريخي، ونصف ما قرره العالم عام 1947، ليس سوى استرداد بعض الدين المطلوب، ودون ذلك الهددف وتحقيقه فلا مكان لمشروع دولة الكيان الفاشي – العنصري في فلسطين، فلا مستقبل دولة الاحتلال على حساب دولة الشعب الفلسطيني..
ذلك هو الدرس الثالث الذي يجب الانتباه له في بداية انطلاقة “إنتفاضة الأفراد” بتوكيل من الشعب نحو الخلاص العام..
والدرس الرابع للمشهد الفلسطيني يفرض تفكيرا استراتيجيا جديدا يستند الى أن “المساومة التالية” قد لا تقتصر على مساومة الماضي التي حدثت عام 1993 بين منظمة التحرير ودولة الكيان باعتبارها “مساومة تاريخية لمصالحة تاريخية”، لم يبق منها وصفا يليق بما كان يفترض أن يكون..بل أن الفاشية الحاكمة في تل أبيب اسقطت كل مضمون لها، ولذا فتطور الحدث التاريخي قد يقود الى تعديل جوهر المساومة نحو حق اقرته الأمم المتحدة، رغم ظلمه التاريخي أيضا، المساومة المقبلة ستكون في حال استمرار الواقع الاحتلالي عودة للمطالبة بتطبيق قرار التقسيم، دولة فلسطينية على 44% من مساحة “فلسطين التاريخية”، أي ضعف المساحة المقرة حاليا لدولة فلسطينية في حدود 22 % من فلسطين التاريخية..
الدرس الخامس، هو أن التطرف والارهاب لدولة الكيان لا يجب أن يقابل بمرونة قد يراها البعض استسلاما سياسيا.. بل برد يستند الى المشروعية الكفاحية وأيضا للحق القانوني وفقا لما أقرته الأمم المتحدة، ولا زال قرار الجمعية العامة 194 حاضرا في أدراجها وهو الذي اشترط الاعتراف بدولة اسرائيل عام 1948 بتنفيذ ذلك القرار، هل تقوم القيادة الفلسطينية بتنشيط ذاكرة الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 194 وما ينص شرطا..
كما أن التفكير الجاد – المسؤول باعادة التصويت في العام القادم على عضوية اسرائيل في الأمم المتحدة، كما كان يحدث سابقا، بات ضرورة سياسية في تصويب “انحراف” استخدام القانون لمعاقبة من لا يقيم له وزن، كما هو حال دولة الكيان.ذلك هو الدرس السادس المشتق من روح “إنتفاضة الأفراد” المعاصرة..
ودرس “انتفاضة الأفراد” السابع، هو مسارعة دولة فلسطين الى تنفيذ كل حقوقها المعلقة في المنظمات الأممية والتوقيع على المعاهدات الدولية وخاصة اتفاقية روما، يصبح الضرورة الأكثر أهمية وقيمة لاشعال روح الانتفاضة الراهنة،
تلك بعض من دروس يجب أن تصبح معلومة اولا للقيادة الفلسطينية عندما تقرر التحرك العام اذا ما أرادت خدمة “انتفاضة الأفراد” بتوكيل شعبي عام، وللجامعة العربية وهي تعمل على صياغة منهجها المستقبلي قبل انعقاد لجنة “مبادرة السلام العربية” نهاية الشهر الحالي..فلا خلاص من احتلال وسياسة كيان عنصري دون تفعيل القوة الشاملة، “ناعمة” و”خشنة” كي يعلم أن هناك ما يمكن أن يخسره حقا!
ملاحظة: كان ملفتا حضور وزير الشؤون المدنية، مسؤول الاتصال مع دولة الكيان، اجتماع الرئيس عباس وقادة الأجهز الأمنية..ألا يطرح ذلك اسئلة متعددة حول الغرض والهدف..المسألة تحتاج توضيحا رئاسيا كي يبقى ظن الناس خيرا!
تنويه خاص: أكيد د. الزهار لا يقصد حقا ما قاله بدعوة الناس لاطلاق النار على رؤوس قادة حماس إن لم تنقل المقاومة الى الضفة..لأنه لو كان صادقا يجب القيام بذلك من أمس وليس الغد..مش هيك يا دوك!

*كاتب فلسطيني