الرئيسية / وجهات نظر / أحداث “غرداية” تضع الرئيس الجزائري بوتفليقة على المحك؟
b5ccc39ec5ae6f9605f45f1946821ab4

أحداث “غرداية” تضع الرئيس الجزائري بوتفليقة على المحك؟

بينما تجري فصول صراع  سياسي غامض، في أعلى هرم الدولة الجزائرية، بين المتحمسين لإعادة ترشيح الرئيس بوتفليقة، لما تسميه  صحافة البلد “عهدة  رئاسية رابعة” لم تسارع  السلطات الأمنية والسياسة وهيئات المجتمع المدني،  بل لم تنجح في إخماد نار  الحرائق  التي اشتعلت منذ أواخر  شهر ديسمبر  الماضي بمدينة “غرداية” (600 كلم جنوب شرق العاصمة) وتجددت في الأيام الأخيرة.
وكانت الاشتباكات العنيفة ذات المنحى الطائفي والعرقي، قد هدأت  نسبيا،عقب المساعي والزيارات  الميدانية التي قام بها مسؤولون إلى المدينة بينهم رئيس  الحكومة،عبد الملك  سلال، ومحاولتهم  تهدئة النفوس الهائجة والصلح بين الأطراف المتصارعة في المدينة.
ويتساءل  مراقبين متابعين، كيف أن أحداث غرداية التي يشتد أوزارها بين يوم وآخر، ليست كافية  لإقناع المتصارعين في  ذروة السلطة، لكي يعملوا، فرادى ومتكتلين ، على احتواء الاحتقان غير المسبوق في المدينة، قبل انتقال شرارته إلى أماكن ومناطق أخرى  بالنظر إلى البعد العرقي الذي  طبع الأحداث (الصراع بين العرب والبرير) خاصة وقد سافر  الصراع إلى  خارج الجزائر  وانعكس على الجالية الجزائرية المقينة في فرنسا.
و يذهب محللون إلى حد  القول إن أحداث “غرداية” في دلالتها الرمزية  أخطر، بشكل من الأشكال،  من الحرب الأهلية التي عانت الجزائر من ويلاتها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، على اعتبار ان الأولى،  اتخذت طابع الصراع السياسي  بين  الجبهة الإسلامية للأنفاذ والقوات المسلحة التي  عارضت  بشدة وصول الإسلاميين إلى الحكم، أي ان الحرب  كانت محصورة بين معسكرين واضحين.
وعلى مدى الحرب الضروس التي جرت بين الجيش الجزائري وقوات الأمن، ومقاتلي الجماعات الإسلامية المتشددة، فإنها  لم تنزلق نحو منحدر عرقي  وطائفي ومذهبي،  بين العر ب والأمازيغ، خلافا  لما تتحدث عنه التقارير القادمة من “غرداية” ففيها  رفعت أعلام ذات شعارات هوياتية منذرة  بأسوأ الاحتمالات.
لقد نجح الرئيس بوتفليقة، بشهادة الخصوم  والمؤيدين في اقناع المجتمع الجزائري، بما سماه “الوئام الوطني” ووضعت أوزار  الحرب الأهلية على مراحل؛ لكن الرئيس المريض عاجز  الآن عن القضاء على شغب بسيط  في مدينة نائية عن العاصمة، فكيف يمكنه أن يخوض غمار معركة الرئاسة التي تتطلب  أجواء سياسية هادئة في البلد  وعقلنة المشهد السياسي، عكس ما يلاحظ من سباق محموم، لدرجة مضحكة، على الترشح للرئاسة وكأن الأمر يتعلق  بالمشاركة في “ماراتون” للعدو الريفي، يمكن أن يلتحق به من صادفه في الطريق دون ضوابط أو اشتراطات.
هل يجوز اعتبار احداث “غرداية ” تنبيها بل إنذارا من قوى  في السلطة، لكي يحسم الرئيس  بوتفليقة في أمر ترشيحه  بان يواجه خيارين لا ثالث لهما: الوقوف أمام الشعب  والإعلان بصوت مرتفع أنه مرشح  لخلافة نفسه وأنه استعاد لياقته  البدينة وعافيته، بما ينبغي أن يتوفر في رئيس الدولة من أهلية وقدرة.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في أن يصرف طاقته الذهنية في ترتيب أمر خلافته  في شخص مرشح يؤلف  حوله المفاصل والاجنحة والقوى  المشكلة لمنظومة الحكم في الجزائر، بدل ترك الصراعات  مشرعة على المجهول.
إذا نجح في هذا الدور،  بما له من دهاء وتأثير معنوي  على الأطر اف، فإنه  سيكون قد قدم لبلاده خدمة سياسية جليلة أفضل من تلك التي يمكن أن ينجزها خلال عهدته الرابعة الافتراضية ، في حالة  ما صوت لصالحه الجزائريون، تعاطفا وإشفاقا على وضعه الصحي واعترافا بدوره التاريخي  وسلطته الرمزية   التي جلبت الأمن للبلاد.
والوقت لا يرحم ولا يحتمل “المناورات” السياسية التي كانت صالحة بعد الاستقلال.