الرئيسية / وجهات نظر / سياسة‮ “‬الاحتواء المزدوج‮” ‬بين السلطة والمعارضة؟
RezaguI

سياسة‮ “‬الاحتواء المزدوج‮” ‬بين السلطة والمعارضة؟

هل تستطيع المعارضة أن تنجح في‮ “‬سياسة الاحتواء‮ “‬المزدوج‮” ‬في‮ ‬التعبير عن المطالب الشعبية بالتغيير عبر المشاركة في‮ ‬الحوار مع السلطة؟ وهل‮ ‬يستطيع رجال مطافئ السلطة وقيادات أحزابها إخماد نار الفتنة واحتواء‮ ‬غضب الشارع الجزائري؟‮.‬
لا‮ ‬يختلف اثنان على أن هناك أزمة في‮ ‬الجزائر لكن الاختلاف هو في‮ ‬تشريحها وإدراك خطرها على مستقبل البلاد وإخراجها من‮ “‬عنق الزجاجة‮” ‬وإبعادها عن‮ “‬تعددية الحزب الواحد‮” ‬وكيف سيتعامل الشارع مع سياسة‮ “‬الاحتواء المزدوج‮” ‬التي‮ ‬تتبعها السلطة والمعارضة في‮ ‬خطابهما الشعبوي؟‮.‬

سلطة الأحزاب وأحزاب السلطة
تمثل المعارضة سلطة موازية للسلطة التنفيذية تكمن قوتها في‮ ‬قوة السلطة الحاكمة مثلما تكمن قوة السلطة في‮ ‬قوة المعارضة،‮ ‬وإذا ما ضعفت السلطة والمعارضة تنهار القيم الديمقراطية ويتفشى الفساد،‮ ‬وتتكاثر الأحزاب والجمعيات ويصير الوزراء تجارا،‮ ‬والمناصب وسيلة للثراء والنهب،‮ ‬ويؤدي‮ ‬ذلك إلى ظهور الاحتجاجات والانتفاضات،‮ ‬والنهاية ستكون حتما في‮ ‬التدخل الأجنبي‮ ‬المتربص بنا لأن المعارضة والسلطة تصبحان أداتي‮ ‬هدم في‮ ‬أيدي‮ ‬القوى العظمى،‮ ‬ويصبح الاستقواء بالأجنبي‮ ‬خيارا للوصول إلى الحكم والبقاء فيه،‮ ‬فماذا‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬الجزائر؟ وهل وصلت إلى النفق المظلم؟‮ ‬
المتتبعون للشأن الجزائري‮ ‬سواء قبل استرجاع السيادة أو بعدها في‮ ‬تجربتها الحزبية‮ ‬يقولون بأنها كانت تمثل زعامات وكانت قياداتها ذات قامات سياسية معروفة ومواقف في‮ ‬المحافل الدولية،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن ما حدث بين مصالي‮ ‬الحاج والمركزيين سنة‮ ‬1953‮ ‬أو ما‮ ‬يسمى أزمة حزب الشعب‮ ‬يجده‮ ‬يتسم بـ”نزعة انقلابية‮” ‬وهو ما جاء في‮ ‬كتاب الإعلامي‮ ‬محمد بغداد الموسوم بـ”النزعة الانقلابية في‮ ‬الأحزاب الجزائرية‮” ‬الصادر العام الماضي،‮ ‬لكن لا أحد تعرّض إلى محاولة الانقلاب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أثناء نشأتها،‮ ‬وكيف استطاع العلماء الالتفاف حول الشيخ عبد الحميد بن باديس؟
‭ ‬تعرضت جمعية العلماء المسلمين للاضطهاد في‮ ‬عهد الاستعمار الفرنسي‮ ‬والمضايقة والمتابعة في‮ ‬عهدي‮ ‬الرئيسين أحمد بن بلة وهواري‮ ‬بومدين إلاّ‮ ‬أنها حافظت على وحدتها،‮ ‬فلماذا لا تقتدي‮ ‬الأحزاب الإسلامية بهذه التجربة النموذجية؟
إن الجمعيات الدينية التي‮ ‬تحوّلت إلى أحزاب بعد دستور‮ ‬1989‮ ‬لم تستطع أن تتوحد في‮ ‬تيار واحد؛ فحزبا الشيخين عبد الله جاب الله‮ (‬حركة النهضة‮) ‬ومحفوظ نحناح‮ (‬حركة حماس آنذاك‮) ‬بالرغم من أنهما تيار إخواني‮ ‬واحد إلاّ‮ ‬أن الإخوان المسلمين لم‮ ‬يعترفوا إلاّ‮ ‬بالشيخ نحناح لأنه كان في‮ ‬السلطة،‮ ‬والجبهة الإسلامية للإنقاذ التي‮ ‬ولدت من رحم جمعيتي‮ ‬جاب الله ونحناح،‮ ‬إلاّ‮ ‬أنها لم تحاول أن تشكّل معهما تكتلا إسلاميا،‮ ‬لكن ما جرى بعد‮ ‬1992‮ ‬وحّد التيار اللائكي‮ ‬فاستجابت السلطة لمطالبه‮.‬
لم تستطع حكومة أحمد‮ ‬غزالي‮ ‬أن تقسّم الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالرغم من استقطابها لبعض عناصرها مع العلم أن للسلطة تجربة مع حزب الحركة من أجل الديمقراطية في‮ ‬الجزائر لأحمد بن بلة حيث أقنعت‮ ‬40‭ ‬شخصا من المتعاطفين معه بالانسحاب من حزبه والالتحاق بالجزائر‮-‬غير أنهم وجدوا أنفسهم‮ ‬يعيشون في‮ ‬فندق بقصر المعارض ممّا جعل بعضهم‮ ‬يعود إلى المعارضة‮- ‬كما حاولت مع حزب جبهة القوى الاشتراكية بدعم أحد المنشقين عنه،‮ ‬لكن الزعيم الدا حسين وضع حدا لذلك‮.‬
إذا كانت السلطة في‮ ‬عهد الحزب الواحد مارست ضغوطاً‮ ‬على الأحزاب المعارضة لها والتي‮ ‬كانت كلها في‮ ‬الخارج باستثناء حزب الطليعة الاشتراكية،‮ ‬فإنها اتبعت في‮ ‬عهد التعددية سياسة‮ “‬التكاثر الحزبي‮ ‬والجمعوي‮” ‬لتكسير شوكة‮ “‬المعارضة الراديكالية‮” ‬فأدى ذلك إلى ظهور‮ “‬الكرسي‮ ‬الشاغر‮” ‬لجبهة القوى الاشتراكية في‮ ‬عهد حسين آيت أحمد،‮ ‬وسياسة الانقلابات للأحزاب الموجودة في‮ ‬السلطة ومنها جبهة التحرير التي‮ ‬عاشت انقلابين‮: ‬الأول على مهري‮ ‬والثاني‮ ‬على علي‮ ‬بن فليس،‮ ‬وعاش حزب التجمع الوطني‮ ‬الديمقراطي‮ ‬محاولة انقلاب قادها قاسم كبير والشريف رحماني‮ ‬على أحمد أويحيي،‮ ‬كما أن الأحزاب التي‮ ‬رفضت تزكية مرشّح السلطة تعرضت هي‮ ‬أيضا إلى ذلك مثل الحزبين اللذين شكّلهما الشيخ عبد الله جاب الله،‮ ‬أمّا حركة مجتمع السلم فإنها تعرّضت هي‮ ‬الأخرى إلى الانشقاق فتحوّلت إلى أربعة أحزاب‮.‬
إذا كانت الأحزاب الإسلامية إخوانية بقيادات بعضها‮ ‬غير إخواني‮ ‬فلأنها قدمت للرأي‮ ‬العام‮ “‬صورة سيئة‮” ‬في‮ ‬صراعها حول المشاركة في‮ ‬السلطة و”الملكية الحزبية‮”‬،‮ ‬وما‮ ‬يؤسف له أن التيار الإخوانية في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬لا‮ ‬يملك برنامجا سياسيا ولكنه ذو مشروع عقدي‮ ‬موحد،‮ ‬ولهذا‮ ‬يجد الأكاديميون صعوبة في‮ ‬المقارنة بين برامج الأحزاب الإخوانية فهي‮ ‬شبه مستنسخة قاعدتها الأساسية‮ (‬الإسلام هو الحل‮) ‬و(الحل هو الإسلام‮).‬
أمّا الأحزاب اللائكية فهي‮ ‬لا تختلف في‮ ‬الزعامة عن الأحزاب الإسلامية ولكن طابعها الجهوي‮ ‬والفئوي‮ ‬جعلها لا تستطيع أن تقدم البديل وحين تقاربت مع التيار الإسلامي‮ ‬والوطني‮ ‬بدأت تأخذ مواقع جديدة في‮ ‬الخريطة السياسية لكن‮ ‬يبقى السؤال الجوهري‮: ‬ما موقع المبادرات الحزبية في‮ ‬تشكيل رؤية سياسية موحدة للأزمة‮ ‬في‮ ‬الجزائر والحلول المقترحة؟‮.‬
أعتقد أن أهم وثيقة وقعت في‮ ‬تاريخ المبادرات الحزبية هي‮ ‬تلك التي‮ ‬وقعها الزعيمان الرئيس الراحل أحمد بن بلة وزعيم القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد في‮ ‬لندن عام‮ ‬1984‮ ‬حيث مكنت الحزبين من النضال المشترك من أجل الديمقراطية في‮ ‬الجزائر ووضعت حدا للمشاكل المالية لأحدهما،‮ ‬وذهب ضحيتها المحامي‮ ‬أحمد مسيلي،‮ ‬أمّا الوثيقة الأكثر نضجا سياسيا فهي‮ ‬تلك التي‮ ‬وقعتها‮ ‬8‮ ‬أحزاب في‮ ‬اجتماعات روما‮ ‬ما بين‮ ‬8‮ ‬و13‮ ‬جانفي‮ ‬1995‮ ‬والتي‮ ‬أسست لميلاد المصالحة الوطنية في‮ ‬عهد الرئيس الحالي‮.‬
أما أهم مبادرة حاليا فهي‮ ‬تلك التي‮ ‬جمعت لأول مرة أحزابا إسلامية ووطنية ولائكية وشخصيات سياسية في‮ ‬مسعى‮ “‬التنسيقية الوطنية للحريات والانتقال الديمقراطي‮” ‬التي‮ ‬قدمت وثيقة إلى للسلطة حاولت فيها تشريح الوضع وتقديم الحلول،‮ ‬في‮ ‬حين أن بقية المبادرات‮ (‬وثيقة التوافق الوطني‮) ‬أو‮ (‬الفضاء الوطني‮ ‬للتشاور‮) ‬أو(الجدار الوطني‮) ‬أو‮( ‬ميثاق الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية‮) ‬أو‮ (‬الندوة الوطنية من أجل التغيير وإعداد ميثاق شرف المعارضة‮) ‬وغيرها هي‮ ‬مجرد خطابات لا تمثل إلاّ‮ ‬أصحابها‮.‬
والسؤال‮: ‬أين نضع مبادرة جبهة القوى الاشتراكية‮ (‬مؤتمر الإجماع الوطني‮) ‬بعد أن تخلت عن‮ “‬خطها السياسي‮ ‬المعارض‮” ‬ودخلت بيت الطاعة؟ وماذا ستكون نتائج اللقاءات الثنائية لقياداتها مع الأحزاب التي‮ ‬تعتقد أنها قادرة على التغيير؟
يبدو لي‮ ‬أن ما تسميه جبهة القوى الاشتراكية بـ(ندوة الاجماع الوطني‮) ‬هو استنساخ لـ‮ (‬ندوة الوفاق الوطني‮) ‬التي‮ ‬جاءت باليامين زروال رئيسا بعد رفض عبد العزيز بوتفليقة أن‮ ‬يكون مرشحها،‮ ‬لكن لقاءاتها الثنائية لا تخلو من‮ “‬اللغز‮”‬،‮ ‬ولا بد من الاعتراف بأنها قد استنفدت إطاراتها خلال‮ ‬41‮ ‬سنة من النضال الحزبي‮ ‬بسياسة‮ “‬الكرسي‮ ‬الشاغر‮” ‬وهي‮ ‬الآن تريد التموقع من جديد بعد أن رأت في‮ ‬مبادرات مولود حمروش المحسوب عليها توجها نحو‮ “‬أصحاب القبعات الخضراء‮” ‬فاختارت التقرب من المرادية على حساب تاقارة‮.‬
إن ما‮ ‬يهم الجزائريين ليس‮ “‬تموقع الأحزاب في‮ ‬السلطة‮” ‬وإنما دورها في‮ ‬تبني‮ ‬انشغالات المواطنين والدفاع عن مطالبهم أما الحوار مع السلطة أو المشاركة معها في‮ ‬حل المشاكل فهو مجرد رغبات لأصحابها الذين‮ ‬يملؤون الصحف والقنوات بالأخبار والأحاديث عن مبادرات‮ ‬يفترض أن تكون من منطلق تكتلات الأحزاب الممثلة في‮ ‬البرلمان وهدفها الأساسي‮ ‬التعجيل بدستور توافقي‮ ‬وانتخابات مسبقة‮.‬

*كاتب وإعلامي جزائري/”الشروق” الجزائرية