الرئيسية / وجهات نظر / باراك حسين أوباما “يؤذّن” فوق بلاد الشام؟
pizap.com14140510550483

باراك حسين أوباما “يؤذّن” فوق بلاد الشام؟

أحياناً تصاب التحالفات الدوليّة وخصوصاً العسكرية منها بالفتور والتآكل المؤقّت أو المؤجّل. السبب أن هويّة أو هدفاً ما يطفو على السطح فتؤازره وسائل الإعلام وفق خطّة محكمة وتظهره فيضع الرأي العام يديه على قلبه وعينيه على الشاشات وينتظر لكنّ قصّة الحسم تبقى تراوح في حقول المستحيلات والابحث عن قطف المصالح.
تكفي مقارنة سريعة بين التحالف الأوّل الذي أخرج صدّام حسين من الكويت والتحالف الثاني المتكفّل “بداعش”، لنجد عالمين مختلفين تماماً. ترشدنا الظروف والمعطيات والمصالح والأعضاء في التحالفين الى كميّة من المتغيرات يصعب ضبطها وترقّب نتائجها وتداعياتها، لكنّ المشترك بين التحالفين يمكن إيراده بسهولة وهو أنّ القيادة هي نفسها أي أميركية، وكذلك الهدف هو عينه أي الأرض العربيّة تبدو واحدة لكنها باتت ساحات لإختبار السلاح والإبادات والضحايا التي سرعان ما تمحوها الرمال عند هبوب الريح. يختبر العالم فينا وبنا براعته وتقدّمه في التقنيات العسكرية في حروب تشابه الأفلام المفبركة أو ألعاب الكومبيوتر إذ يمكن خوضها وحسمها بأقلّ عددٍ من الإصابات. جاءت عمليات التحالف الأوّل الجواب السريع والحاسم على صفعة صدّام للإنتباه العالمي بإحتلاله الكويت في 2 آب 1990، وصدور القرار 660 بإدانته الذي عزّز التحالف المتأهب ليفتح النيران من أبواب جحيمه منتصف ليل 17 يناير 1991. التحالف الأوّل هو علامة فارقة في تاريخ الحروب الذي جعل جيشاً بريّا عراقياً ً جرّاراً ينهار وينهزم من الجو فوق حمم الطيّارين وشاشاتهم بالأسود والأبيض. قاموا بمهمّاتهم من دون تزويدهم بالمعلومات الدقيقة التي، كما يقول الأميركيون في أحاديثهم العسكرية، “قد تطيل أعمارهم وترفع من أعداد ضحاياهم”. جاءت تلك الحرب السريعة لتطوي مفاهيم الحروب البريّة في خزائن النسيان. فالمغيرون مدجّجون بالهندسة والخرائط وآلات التصوير الدقيقة الإلكترونية التي تنقل الوقائع الى القواعد وفقاً للأوامر . نعم نفّذوا المهمّة وفق برامج حربيّة وأهداف مرسومة سلفاً على أنغام موسيقية أوبرالية خفيفة عبقت بقمرات القيادة، ووفق الموجات المتنوعة التي رسمت “حرب النجوم”: موجة الغيوم الإلكترونية لفّت سماء العراق وعزلته عن الدنيا، ثمّ موجة السيطرة العسكرية على قدرات العراق الجويّة وإبادتها، ثمّ موجة الهجوم العاصف عبر تشكيلات من 3000 طائرة أسقطت 95000 طن من القنابل تديرها قواعد عسكرية منتشرة في الشرق الأوسط وأقمار إصطناعية لم تستعمل من قبل، ثمّ موجات التدمير والصواريخ والإعلام المقنّن عبر مصافي غرف العمليات التي جعلت النصر واقعاً منذ الساعات الأولى. وكانت موجة صدّام أمراً بإنسحاب قواته من الكويت من ملجأه المضاد للنووي تحت فندق الرشيد وفوق شرفاته تتزاحم الشاشات وفي طليعتها الC.N.N. التي وحّدت العيون العالمية في مشهد واحد جعلت المشاهدين وكأنهم مشاركين فعليين في العمليات الحربية.
إنتهت مهمة التحالف الأوّل، لكن علق بركامها أمران: الأوّل إعادة الإعتبار الى العقل والنفسية الأميركية العسكرية المجروحة منذ حرب فيتنام، والثاني الإبقاء على صدّام حسين رئيساً يكتب”الله أكبر” في قلب العلم العراقي ليصبح “عراقه” الإبرة والخيط التي بهما ومنهما شهدنا ونشهد ثوباً إسلامياً يتثاءب ويتمدّد الى ما يتجاوز الخليج فيغلّ تحته الكثير من الأصوليين الذين توسّعت حدقاتهم أكثر على الأبعاد الدينية والمذهبية لعاصفة الصحراء وصولاً الى “داعش” بعلمها الأسود. وبرزت العقدة في الثوب مع مصيبة أميركا في 11 أيلول 2001 التي لطّخت ثياب المسلمين وطرّزتها بطلاق غامض بين التحالف الأوّل وبلدان المتحالفين، ودفع أميركا الى خلع أبواب العراق وإسقاطه وحلّ جيشه وإعدام صدّام حسين صبيحة عيد الأضحى، ثمّ مهر الثوب بخرائط وحروب في الشرق الأوسط. غمزت أميركا تركيا نحو حلم قيادة المسلمين، وتبسّمت في وجه طهران بعدما خرجت من العراق لكنها لم تخرج منه قطعاً ولا من المنطقة. إنّها تنتظر ماذا تفعل بالركام العربي والأنظمة المتهالكة والقلقة.
في المقابل يبدو تحالف الخمسين الثاني لضرب “داعش” يعلك نفسه بطيئاً الى درجة وقوع المنطقة العربية وأعضاء التحالف كما الرأي العام في الفتور السريع بل في الخيبة الهائلة. صحيح أن أميركا قد أعلنت صعوبة دحر” داعش” في وقتٍ قصير وتراوحت التصريحات لإنفاذ مهمّة التحالف الجديد بين ثلاث سنوات وثلاثين سنة وفقاً لنائب وزير الدفاع الأميركي، لكنّ الأصحّ هذا العصيان التركي أو “الدلع الأردوغاني” أو تباين الاهداف الاميركية مع تركيا الذي قد يعني تراجع حدة الاهتمام الأميركي بتطورات المنطقة العربية والحروب الدائرة في سورية والعراق، والتحوّل المستجدّ نحو مراكز القضايا الداخلية غير المقنعة ومنها تسجيل حالات الإصابة بوباء ايبولا، والانتخابات النصفية المقبلة. يلعب التاريخ بقرقعة أصابعه أمام تجاذبات المتحالفين بين سورية والأسد من ناحية، وبين إعلان الولايات المتحدة، وعينها ما زالت في العراق، بانشاء قوات عسكرية جوية خاصة بالمعارضة السورية، أهمها ما تسرب من معلومات موثقة حول إعتماد ولاية اريزونا ميداناً لتدريب الطيارين على مقاتلات بريطانية مع أنّ تشكيل مهمّة التحالف كانت محصورة بالطيران الذي بدا وكأنّه نسخةً مزوّرة لسلاح الطيران في التحالف الأوّل. لنتذكّر أنّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أنشئ منذ ثماني سنوات عام 2006 وكثّف عملياته في العراق مستهدفاً مقر الأمن العام في أربيل ، واستمر على الوتيرة الدموية حتى هاجم مسلحوه في يونيو 2014 محافظة نينوى والموصل وهجّرالمسيحيين والإيزديين ثمّ نحر أميركيين علناً لتعلن الولايات المتحدة ببرودة ان اكثر من 50 دولة ستشارك في تحالف ضد تنظيم “الدولة الاسلامية”. يشن الجيش الاميركي منذ 8 اغسطس 2014 ضربات جوية شمال وغرب العراق وسوريا وترأس الرئيس باراك اوباما في 24 ايلول 2014 اجتماعاً لمجلس الامن الدولي خصص للتهديد الذي يشكله المتطرفون الاسلاميون الاجانب الذين ينشطون هناك وصمد الأكراد في “عين العرب” يزكم أنوفهم تاريخ من تحالف الأعداء حيال مشروعهم التاريخي. نحن نعيش زمن التلاعب التركي واستيراد الأزمات المتضافرة وآخرها النشوب المنطقي للحرائق في داخلها.
نحن أمام صورة لتحالفين: الأوّل تحالف الأفعال والثاني تحالف الأقوال والإنتظارات والنكبات يبدو فيه باراك محمّد(عفواً حسين) أوباما يؤذّن في بلاد الشام وتخيّم على الإقليم الفوضى من دون الخلاّقة.

هل سننتظر كثيراً؟
الجواب عند أرسطو في كتابه “الكون والفساد”: يسقط الفكر في الفوضى عندما تكثر المتغيّرات وهذه معادلة في علوم الرياضيات والفيزياء. الفوضى قاتلة لكن متى تصبح الفوضى خلاّقة؟ عندما تتكسّر هذا الطاولة أمامي مثلاً، أجمع ركامها وأشقعه في الزاوية لكنّني لا أعرف متى يحين الوقت كي أحوّل الركام أو أعيد بناؤه إطاراً خشبياً للوحة فنية أو مقعدا صغيراً أو رفاً خشبياً فوق الجدار. ننتظر والعين على تركيا!