الرئيسية / وجهات نظر / عبقريــــة الفشـــــــل
c81395ecb54b2658392e0511954614c6

عبقريــــة الفشـــــــل

العبقري هو نابغة زمانه، وهو من يتعجب الناس من كمال إتقانه، وروعة إبداعه، هكذا تعرفه معاجم اللغة، فهل يُعقل أن يكون كل ذلك في الفشل والتخريب؟
سؤال منطقي جداً، ولكن إذا كان الفشل كاملاً، متقناً، ومبدعاً، فبالتأكيد من يقوم به هوعبقري!؛ لأنه أتقنه بصوره يتعجب منها الناس، وفاق في إتقانه كل من سبقوه من الفاشلين، وهنا يثور سؤال أساسي: ماهي عبقرية الفشل؟ وكيف نكشف وجودها؟وكيف نتخلص منها إن وِجدت؟
في ثمانينيات القرن الماضي نشر المفكر والقائد الفلسطيني خالد الحسن (أبو السعيد) كتاباً عنوانه عبقرية الفشل، وكان حينها الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية بعد ياسر عرفات، وكان رئيس الدائرة السياسية في المنظمة، ومسئول ملف العلاقات الدولية، وأبو السعيد مفكر من طراز خاص، وسياسي محنك، ارتبط بحزب التحرير الإسلامي، ثم عمل مساعدا لمرشد الإخوان المسلمين في سوريا مصطفى السباعي ـرحمة الله ـ ثم أسس حركة فتح، يعني أنه في نظري المتواضع، هو ابن خلدون العصر،لأنه مزج بين العلم والتجربة، وبين السياسة والعمل الديني، وتحرك في دوائر جغرافية، ونظم وحركات متعددة، لذلك فإن فكره عندي له وزن أفكار حامد ربيع والمسيري عليهما رحمة الله.
يشير  أبو السعيد في مقدمة كتابه إلى أن شارل ديجول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، حكى لأبي السعيد قصة جاسوس فرنسي عمل لحساب النازي،اعترف بجريمته، وأنه تلقى أموالاً من أجهزة النازي، ولكنه لم يرسل لهم معلومةً، ولا صورةً، ولا خريطةً، ولم يتواصل معهم على الإطلاق، ولم يقابل أحدا منهم، هذا شيء غريب…،فكيف عمل لحسابهم، وتجسس لهم، والإجابة بسيطة جدا، إن هذا الرجل كان يعمل مدير التفتيش في الجيش الفرنسي، وكان يقوم بشيء واحد فقط، وهو كما ورد على لسانه.. كنت أختار لأخطر المهام، وأصعب المسئوليات أضعف الأشخاص، وأكثرهم تفاهما، وعدم كفاءة… وهنا يعلق أبو السعيد قائلا.. وتلك هي عبقرية الفشل.
هذا حدث في فرنسا فترة الحرب العالمية الثانية فقط؛ على يد مسئول واحد؛ ولحساب دولة أجنبية، وبمقابل مادي، ومصر حدث فيها نفس الشيء، وأكثر، وأشد قسوة على مدى عشرات السنين، وقام به عشرات الآلاف من المسئولين في جميع قطاعات الدولة، وبدون تجسس لحساب دول أخرى، أو به…الله أعلم، ودون مقابل، أو بمقابل… الله أعلم، ولأن لم يتم التخلص منهم، ناهيك عن محاكمة أحد منهم، وللاسف لم تنل منهم المحاكمات التي طالت النظامين السابقين؛ اللذين تجلت فيهما عبقرية الفشل، نظام مبارك الذي حقق أعظم رقم قياسي في عبقرية الفشل لطول مدته،واستقراره، ثم نظام جماعة الإخوان الذي فاق كل الأرقام والمقاييس العالمية، لأنه حقق من عبقرية الفشل في سنة واحدة أكثر مما قام بها مبارك في ثلاثين عاما، لانه جاء بأكثر أفراد الشعب المصري قلة خبرة، وانعدام تجربة، وضعف مهارة، وغباوة، وغرورا،ووضعهم في أهم مناصب الدولة، ومفاتيحها الأساسية، وعلى مختلف المستويات الإدارية؛ بحيث نشر هؤلاء العباقرة في كل مكان، ماعدا القوات المسلحة، فقد غُلت يده عنها، وأوشك أن يقتحم مؤسسة القضاء، ولكن ناديها دافع عنها وانتصر.
بعيداً عن نقد الماضي بكل ما فيه، هل تغير شيء في مصر المحروسة، أم مازال أنصاف المثقفين يتصدرون المشهد الثقافي، وعصابات البوم والغربان تقود الإعلام المصري العام والخاص، وضعاف الأحلام، ومتوسطو العقول يقودون الجامعات والكليات في طول مصر وعرضها، أولئك الذين لا سابقة خبرة لهم في الادارة الجامعية، ولا علم،ونفس الشيء في القطاع الاقتصادي، والصحي، والتعليمي، والخدمي، هؤلاء الأنصاف أصبحوا طبقة تحكم مصر، وهذه هى حال مصر، منذ عصر السادات، تتحكم فيها شلل من المتشابهين في الفكر، والكفاءة، والمهارة، ويتحولون بعد ذلك إلى طبقة مغلقة، توثق علاقاتها بالنسب والمصاهرة، تتصرف بمنطق العصابة، لا يستطيع أحد اختراقها،لأنها توفر لأعضائها الحماية، مستفيدة من أساليب المافيا، لم يتغير شيء  في مصر على مستوى جهاز الدولة الإداري منذ يناير 2011، كل التغيير تم في الغلاف السياسي الذي لا يستطيع فعل شيء بدون تعاون، وإيجابية الجهاز الإداري.
مهمة التغيير شاقة، وتقارب حدود المستحيل، ولكن لابد منها، ولا أمل، أو مستقبل بدونها، لذلك لابد من أن يتم التعامل معها بأساليب مبتكرة، وإستراتيجية متدرجة وغير عنيفة، أهم معالمها: لن يستطيع قيادة التغيير من كان جزءا من أي مؤسسة، أوقطاع، لذلك لابد من إعادة هيكلة الجهاز البيروقراطي للدولة على يد اشخاص اصحاب خبرة واسعة في مجال ادارة الأعمال، وليس العمل الحكومي، في أي مكان. وتكوين فرق إدارية لقيادة التغيير، وإدخال معايير الجودة، الكفاءة، والمنتج النهائي للجهاز الإداري، ورضاء الجمهور، وهذا الفريق يقوده شخص من خارج الجهاز، ويفضل أن يكون من قطاع الأعمال وليس البيروقراطية الحكومية، ويكون ضمن الفريق القيادات الإيجابية من نفس المؤسسة، أو الجهاز الإداري، وايضا من قيادات الجيش المتقاعدين.
كذلك الاستفادة من تجارب الدول العربية الناجحة في مجال الخدمة المدنية، وقطاعات الخدمات مثل دولة الامارات العربية المتحدة، أو ماليزيا. وإنشاء معاهد لتأهيل العاملين في كل قطاع على حدة، بحيث يتم إعاده تأهيل من في الخدمة، وإعداد من سيدخل الخدمة، وتكون مهمة المعاهد الترخيص للمنتسبين إليها بالعمل، ومن لا يجتز برنامجها بنجاح يبحث له عن عمل آخر. ويتم تشريع قانون يعطي كل موظف حكومي راتب  سنة كاملة؛ إذا اراد ترك وظيفته، والبحث عن عمل آخر خارج جهاز الدولة؛للتخلص من البطالة المقنعة المعيقة للعمل. ويتم البدء من الحكم المحلي، واجهزة الدولة الصغيرة على مستوى القرية، والحي، ثم يتم التدرج تصاعدا بعد تحقيق النجاح على المستوى الأدنى.
لكن من سيقوم بتنفيذ هذا؟… أظن لابد أن تسترد مصر العقول والكفاءات المهاجرة؛كما فعلت الصين والهند، وإلا سنبقى نصف قرن آخر مع أبناء وأحفاد العباقرة.
“الأهرام”