الرئيسية / وجهات نظر / الحلقة المفرغة
نزاع الصحراء

الحلقة المفرغة

يقفل ربع الساعة الأخير من ولاية بان كي مون قوسه، ولا يلوح في الأفق ما يفيد بأن نزاع الصحراء ، كواحد من الملفات العالقة في تعاطي الأمم المتحدة وخرائط التوترات الإقليمية والدولية، في سبيله لأن يتوج مساره. على عكس ذلك، ارتفعت وتيرة الخلافات، ولم تعد حكراً على تباين المواقف بين الأطراف المعنية فحسب، بل انضاف إليها بند جديد اسمه خلافاتٌ والأمين العام.
ما بين الإجراءات ذات الطابع الفني والعملي، وتلك التي تنحو في اتجاه سياسي يدور النزاع في حلقة مفرغة، بسبب أن إطار التسوية السلمية التي يرعاها مجلس الأمن تحت يافطة «الحل السياسي» لم ترافقها ما يكفي من المبادرات الملموسة التي تترجم جوهر التوجهات الجديدة. فالآليات التي تنشغل بها الأمم المتحدة لم يطرأ عليها تغيير حقيقي، كان في وسعه أن يواكب مدلول الحل المقترح. وهنا تحديداً يكمن مصدر الخلل في الصعوبات التي تحيط بالملف.
عندما تسلمت الأمم المتحدة الملف، بعد إخفاق جهود منظمة الوحدة الأفريقية التي تعاطت والنزاع منذ اندلاعه، أقرت خطة بأضلاع وأذرع، تبدأ بفرض وقف النار وإنهاء الحرب، وتعرج في الوقت ذاته إلى مقتضيات التسوية السلمية، وفي مقدمها تحديد هوية السكان المتحدرين من أصول صحراوية. سارت الأمور على نحو مشجع، إلى أن بدأ حصر قوائم الناخبين المؤهلين لأي استشارة شعبية، يحمل في ذاته أسباب الإخفاق.
لم تنبثق فكرة الحل البديل الذي أطلقت عليها أسماء ونعوت من فراغ، فقد أدركت الأمم المتحدة أن لا سبيل لمعالجة إشكالات ناجمة عن توزع السكان المعنيين في الفضاء الإقليمي بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وأخرى تخص طبيعة التسوية المقبولة، من دون إقرار صيغة وفاقية حت شعار: لا غالب ولا مغلوب. غير أن هذه المنهجية السياسية التي استقرت عند مفهوم «الحل السياسي» المقبول من الأطراف كافة، لم يواكبها تحول على مستوى الآليات التي بقيت أسيرة المنظور السابق.

إقرأ أيضا: الأحزاب المغربية تؤيد قرار التحفظ على تقرير بان كي مون

عندما يثار الجدل حول مهمة «المينورسو» في الصحراء، فالأمر يتعلق في جوهره بإحدى الآليات التي تطاول حفظ السلم والأمن. أما الجانب المتعلق بمضمون التسوية الوفاقية فقد ترك للمفاوضات التي دعت جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إلى اعتبارها الإطار الوحيد الذي يكفل التوصل إلى قناعات والتزامات مشتركة. لكن الغائب في ضوء هذا المنحى أن الأمم المتحدة إن كانت تتوافر على وسائل الضغط بالنسبة الى التزامات الدول الأعضاء، فإنه لا يوجد ما يوازي الوسائل نفسها في التعاطي مع غير الدول. ومن هنا ركزت القرارات على دعوة الأطراف إلى التعاون على مستويين، في ما بينهما أولاً ثم مع الأمم المتحدة امتداداً لذلك.
فالجدل القائم حول مهمام «المينورسو» ليس مصدره قرار المغرب خفض أعداد الموظفين المدنيين فقط، ولكنه يجاوز ذلك نحو الإحاطة بمقتضيات «الحل السياسي» التي تجاوزت ضمنياً وعملياً المهمات السابقة للبعثة في تحديد هوية السكان. واختار مجلس الأمن بعلاقة مع هذه التطورات إسناد مسؤولية إحصاء سكان مخيمات تيندوف إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أي أنه انتقل البعد الإنساني في المشكل إلى مساحات أخرى.
إلى نهاية الشهر الجاري، سيكون على مجلس الأمن استخلاص منهجية جديدة في التعاطي والملف. ولئن كانت الأزمة الناشئة بين الرباط والأمين العام للأمم المتحدة استغرفت حيزاً كبيراً من الانشغال، فمبعث ذلك أن الخروج عن النص هيمن على الجهود المبذولة. وبالتالي يصبح تصحيح المسار يحظى بالأسبقية.
في وقائع ثابتة أن طرح المغرب خطة الحكم الذاتي الموسع، كانت وراء إقرار خيار المفاوضات. وعلى افتراض أن مجلس الأمن سيعاود حض الأطراف على استئنافها، فإن السؤال المطروح: من أين البداية؟ ولا يمكن بأي حال تجاهل خلاصات أممية أفادت بأن استقلال الإقليم «ليس حلاً واقعياً» أمام النقاش حول «المينورسو» وغيرها، فهو من باب العوارض ليس إلا.

كاتب صحفي/”الحياة”