الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا الضائعة بين أوباما وأوروبا.. والتردد العربي
أوباما

ليبيا الضائعة بين أوباما وأوروبا.. والتردد العربي

في حديثه المثير للجدل مع مجلة «ذي أتلانتيك» الأميركية٬ الذي تناول فيه قضايا كثيرة متشعبة٬ أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما بفشل الاستراتيجية الغربية في ليبيا٬ موضًحا أن بلاده لم تشارك في الحملة العسكرية الجوية ضد قوات العقيد الراحل معمر القذافي٬ إلا بعد تأٍّن وتفكير و«تخطيط دقيق»٬ وبعد أن ضمنت مشاركة الدول الأوروبية والعربية التي كانت تضغط من أجل التدخل٬ بقوات وبحصتها من التكلفة. على الرغم من ذلك فإن الوضع في هذا البلد المنكوب انتهى إلى فوضى مدمرة٬ وكارثة٬ بحسب تعبير أوباما.
إلى هنا والكلام عادي٬ لأن ما يحدث في ليبيا منذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي معروف وماثل أمام الأعين. ما لم يكن عادًيا هو الهجوم العلني المباشر الذي شنه أوباما على كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون٬ والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي٬ وتحميلهما وبقية الأوروبيين مسؤولية الفشل وما نتج عنه من فوضى ومخاطر. أوباما اعتبر أن ساركوزي كان يريد التباهي بنتائج الحملة العسكرية٬ ربما لدعم موقفه في الانتخابات التي خسرها بعد ذلك بعام واحد.
لهذا السبب٬ فإن النقد الأشد كان موجًها لكاميرون الذي لا يزال في الحكم بعد خمس سنوات من التدخل العسكري والإطاحة بنظام القذافي٬ وما أعقب ذلك من فوضى لم تدمر ليبيا فحسب٬ بل جعلتها مصدر خطر على دول المنطقة٬ وعلى أوروبا٬ وربما أبعد من ذلك. فليبيا الغارقة في الفوضى والاقتتال٬ أصبحت مصدًرا لتهريب وبيع أسلحة متطورة بينها صواريخ مضادة للطائرات٬ ونقطة انطلاق لعمليات تهريب البشر وتدفق اللاجئين إلى أوروبا. الأخطر من ذلك أنها أصبحت مرتًعا لميليشيات وجماعات متطرفة٬ من بينها «القاعدة» و«داعش».
أوباما لام كاميرون لأنه لم يركز على ليبيا بل انشغل عنها بقضايا أخرى داخلية وبالخلافات حول الاتحاد الأوروبي. اللافت أن الرئيس الأميركي اختار توجيه هذه الانتقادات قبيل زيارته لبريطانيا٬ الشهر المقبل٬ التي ستأتي في إطار جولة تشمل دولاً أوروبية أخرى. بذلك يبدو وكأنه يريد وضع المشكلة على طاولة الأوروبيين وجعلها موضوًعا أساسًيا للبحث٬ لا سيما أن أوروبا غارقة في النقاش حول ما تسميه بأزمة اللاجئين٬ وهي أزمة مرتبطة بشكل كبير مع إفرازات سياسات التدخل العسكري الغربي في الأزمات٬ ومع الفشل الدولي إزاءها٬ بدًءا من العراق وأفغانستان٬ مروًرا بليبيا٬ وانتهاًء بسوريا.
بعض القراءات اعتبرت أن أوباما كان مباشًرا وصريًحا في توجيه الانتقادات لأنه لم يعد مكترًثا بالبروتوكولات٬ فهو يستعد لمغادرة البيت الأبيض مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة. من هنا اتهمه البعض بأنه يبدو صلًفا ومغروًرا في نهاية عهده٬ وأن كل همه هو تبييض سجله والدفاع عن إدارته٬ وقول كلمته استباًقا للسيل المتوقع من الكتابات والتحليلات خلال الأشهر المقبلة عن إدارته٬ وتقويم سجلها على الصعيدين الداخلي والخارجي. في كل الأحوال٬ فإن أوباما نجح في تحويل جولته الوداعية لأوروبا من جولة بروتوكولية عادية٬ إلى جولة جاذبة للجدل والأضواء الإعلامية٬ وبالتالي لاهتمام القيادات السياسية التي سيلتقيها.

إقرأ أيضا: أزمة ليبيا..أوباما يلقي اللوم على ساركوزي وكاميرون

ما الذي يعنيه كل هذا لليبيا؟
الواضح أن هناك تجاذبات ومداولات تجري منذ بعض الوقت بين الأوروبيين وأميركا حول كيفية التعامل مع الوضع في ليبيا. وفي هذا الجدل تريد أميركا من الأوروبيين تحمل العبء الأساسي باعتبارهم المعنيين أكثر بالوضع٬ للقرب الجغرافي من ليبيا ولكونهم المتأثرين مباشرة بتداعيات الفوضى هناك. كما أن أوباما الذي جعل من ضمن مبادئ سياسته الخارجية عدم التورط بإرسال قوات برية كبيرة للتدخل في مناطق النزاعات٬ لا يريد المخاطرة بإرسال قوات إلى ليبيا. لهذا فإنه عمد إلى تصعيد الضغط على حلفائه بطرح الأمر على العلن٬ وبالمطالبة بدور أوروبي أساسي في العمليات العسكرية التي تبدو متوقعة ووشيكة بعد النمو المتزايد لتنظيم داعش هناك.
وربما ليس من قبيل المصادفة أنه بعد أيام قليلة من نشر حديث أوباما٬ تجددت التصريحات والتسريبات عن أن بريطانيا سترسل ألف عسكري للمشاركة ضمن
قوة أوروبية بالأساس٬ مدعومة أميركًيا٬ ومكونة من ستة آلاف عسكري للتدخل في ليبيا. وتزامن ذلك أيًضا مع مسارعة الدول الغربية للإعلان عن تأييدها ودعمها لحكومة الوفاق الوطني الليبية الجديدة باعتبارها الحكومة الشرعية. فالرهان المقبل سيكون على دعم هذه الحكومة لكي تنتقل إلى طرابلس٬ مع تقديم المساندة أيًضا للجيش الوطني الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر الذي يقود القتال ضد الميليشيات المتطرفة.
السؤال: أين العرب من كل ذلك؟ هل نرى دوًرا عربًيا أكبر لإنقاذ ليبيا٬ أم يستمر التردد وتترك الأمور للتدخل الغربي المتوقع الذي لا يعرف أحد إلى أين سينتهي قياًسا على التجارب السابقة من أفغانستان إلى العراق٬ أو حتى قياًسا على تجربة التدخل لإطاحة نظام القذافي؟!
الأمل أن يتحرك العرب٬ أو على الأقل المعنيون منهم٬ خصوًصا أن المخاطر ليست غائبة عن بال أحد.

كاتب صحفي/”الشرق الأوسط”