الرئيسية / وجهات نظر / دلالات إرجاء انعقاد القمة العربية بالمغرب
الدكتور-لكريني

دلالات إرجاء انعقاد القمة العربية بالمغرب

تمرّ «المنطقة العربية» منذ بداية التسعينات بظروف صعبة؛ أثرت سلباً في النظام الإقليمي وفي التعاطي الفعال مع مختلف القضايا والمواضيع المشتركة، فعلى امتداد خريطة المنطقة تتناسل الأزمات والصراعات الداخلية والبينية؛ مما أتاح الفرصة لعدد من القوى الدولية والإقليمية لتلعب أدواراً متزايدة في المنطقة.. وفتح المجال لبلورة تدابير بينية خارج نطاق الجامعة؛ كما هو الشأن بإرسال قوات مشتركة إلى اليمن؛ أو باتجاه سوريا لمحاصرة التنظيمات الإرهابية.
أعلن المغرب عن إرجاء تنظيم الدورة العادية للقمة العربية السابعة والعشرين التي كانت مقرّرة في 29 مارس 2016 بمدينة مراكش؛ بناء على مقتضيات ميثاق الجامعة وبتنسيق مع عدد من الدول الأعضاء؛ وقد جاء في بلاغ لوزارة الخارجية المغربية في هذا الخصوص أنه «نظراً للتحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم، فإن القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع مناسباتي..»، ويضيف البلاغ: «لا يريد المغرب أن تعقد قمة بين ظهرانيه دون أن تُسْهِمَ في تقديم قيمة مضافة في سياق الدفاع عن قضية العرب والمسلمين الأولى، ألا وهي قضية فلسطين والقدس الشريف..». ينطوي قرار المغرب في هذا الشأن على قدر كبير من الموضوعية؛ إذا ما تمّ النظر إلى الأوضاع المتوترة الراهنة؛ والذي زاد من حدتها تباين المواقف والرؤى حيال العديد من المواضيع؛ مما يجعل المنطقة معرضة لتدخلات دولية يمكن أن تزج بها نحو الأسوأ من جديد.
فهناك الملف السوري الذي أفرز تداعيات إنسانية خطيرة يترجمها عدد الهاربين من البلاد تحت وطأة القتل والترهيب؛ وهناك الأزمة الليبية حيث الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في تراجع مستمر؛ فتح معها الباب على مصراعيه أمام تمدّد الجماعات المسلحة من جهة وتهافت القوى الدولية على المنطقة من جهة أخرى.. في غياب أي مبادرات ناجعة للجامعة العربية.
تشير الكثير من تجارب القمم العربية التي انعقدت في فترات وظروف سابقة؛ أنها شكلت محطة للتسابق على الزعامة والتراشق بالاتهامات والقذف أحيانا؛ بما جعل منها مناسبات لتوتير الأوضاع وتعقيدها بصورة أفظع.. وتكريس صورة نمطية لمنظّمة «مترهّلة» أمام شعوب؛ لم تعد تراهن على مثل هذه الاجتماعات أو مخرجاتها.. إن منح هذه الاجتماعات القيمة العمليّة والنجاعة الفعليّة؛ يتطلب توافر قدر من التوافق إزاء الملفات المطروحة؛ بما يسمح باستصدار قرارات حاسمة في مستوى التحديات.

إقرأ أيضا: بتعليمات من الملك..الدورة المقبلة للقمة العربية لن تنظم بالمغرب

فعادة ما يسبق انعقاد مؤتمرات القمة لدى مختلف التكتلات الوازنة في عالم اليوم؛ توافق إيجابي إزاء المواضيع والقضايا المطروحة؛ يدعمها وجود ميثاق ديمقراطي يدعم اتخاذ قرارات فعالة غالباً ما تنصاع إلى منطق الأغلبية بدل الإجماع.. وهو ما يعكسه أداء العديد من المنظمات الواعدة في هذا الصدد؛ كما هو الشأن بالنسبة للاتحاد الأوروبي ومنظمة الأنديز.. وغيرهما.
لا تخلو الآثار الكارثية لعقد اجتماعات في أجواء التوتر والتناقض في المواقف؛ ففي بداية أزمة الخليج الثانية وقفت المنظمة مكتوفة الأيدي أمام أزمة عربية – عربية؛ لتفتح باب التدخل الدولي ما زالت كلفته السّيئة على المنطقة برمّتها قائمة إلى اليوم؛ فيما لم تستطع الجامعة أيضا بلورة موقف موحدة إزاء قضية «لوكيربي» التي دفع المواطن الليبي بصددها ثمناً غالياً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والإنساني بعد حصار دام زهاء عقد من الزمن.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية؛ فقد تركت منذ بداية التسعينات من القرن الماضي لمفاوضات مختلّة وغير متكافئة؛ أفلح فيها الطرف «الإسرائيلي» بالتنصّل من مجمل الالتزامات في هذا الصدد؛ مستغلاً بذلك وضعية التشرذم التي تعيشها المنطقة؛ حيث استمر في بناء المستوطنات؛ وقام ببناء الجدار العازل؛ واعتدى غير مرة على الفلسطينيين وارتكب مجازر خطيرة في حقهم (العدوان المتكرر على غزّة) ولم يتوقّف عن اعتقالهم أو ممارسة كل أشكال التعنيف والتضييق على حرياتهم وتحركاتهم.. ومع اندلاع الحراك في المنطقة بتجلياته وتداعياته المختلفة؛ ما زال موقف الجامعة مرتبكاً وسلبياً يعكس في مجمله حالة التشظّي التي تعيش على إيقاعها المنطقة؛ فمن اليمن إلى سوريا والعراق ثم ليبيا؛ لم تنجح هذه المنظمة التي تجسد النظام الإقليمي في بلورة تدابير وقرارات حاسمة قادرة على تجاوز الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تمّر بها هذه الأقطار.. وهو ما منح الفرصة لحضور إقليمي ودولي قوي كرّس مقاربات انحرافية هدفت في غالبيتها إلى تحقيق مصالح ضيقة على حساب معاناة الشعوب مما أزّم الأوضاع وعقدها.
إن انعقاد القمة في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة دون الخروج بقرارات في حجم التحديات والإشكالات الكبرى المطروحة؛ وفي إطار ميثاق ما زال يكرّس الطبيعة المركزية نفسها لاتخاذ القرار داخل مختلف دول المنطقة؛ سيعمق الجروح أكثر ويعطي انطباعاً خاطئاً بشأن تضامن وتماسك وهميين.
سبق للديوان الملكي أن أصدر بلاغا سنة 2009 بشأن عدم حضور العاهل المغربي شخصياً في القمة العربية الاستثنائية بالدوحة وفي القمة العربية الاقتصادية بالكويت، ولم يكتف البلاغ حينئذ بالتأكيد على الأمر؛ بل حمل رسالة مهمة وقف من خلالها بصراحة على مجموعة من الاختلالات التي تطبع العمل العربي المشترك في إطار الجامعة العربية، والتي تجعل من عقد القمم العربية أمراً غير مُجْد.
لا يشكل القرار المغربي سابقة في حد ذاته؛ فقد أقدمت على ذلك دول أخرى؛ مثلما هو الشأن بالنسبة للمملكة العربية السعودية؛ غير أن أهمية التوجه المغربي تكمن في أنه يمكن أن يشكل محطة لنقاشات حقيقية تدعم تطوير أداء الجامعة ودمقرطتها؛ وذلك بالنظر إلى المرحلة الصعبة التي تمر منها المنطقة؛ وما يتطلبه الأمر من يقظة ومسؤولية؛ تقطع مع طبيعة الاجتماعات السابقة وما تفرزه من توصيات تظل في أغلب الأحوال حبراً على ورق.
تسائل المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة وضعية الجامعة التي ما هي في حقيقة الأمر إلا انعكاس لواقع التشرذم الذي يطبع المنطقة؛ فلا يمكن المراهنة على منظمة تأسست على التعاون الاختياري، ولا تملك سلطة فوق الدول، فيما جعلت من تحقق الإجماع في التصويت قاعدة رئيسية لتنفيذ القرارات المتخذة.

مدير مجموعة الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات/”الخليج”