الرئيسية / وجهات نظر / الجيش في موريتانيا
ff11ec92127ef99796acff5beee84416

الجيش في موريتانيا

سبق الجنرال الموريتاني محمد ولد عبد العزيز المارشال المصري عبد الفتاح السيسي إلى نزع القبعة العسكرية، وخوض انتخابات الرئاسة، يوم حاصرته الانتقادات الداعية إلى تسليم حكم البلاد إلى مدنيين بعد انقلاب أطاح نظام الرئيس معاوية ولد الطايع. فطن وقتذاك إلى أن المطلوب ليس استبدال البدلة العسكرية بزي مدني، وإنما إجراء انتخابات، أهم ما يميزها تمرين الرأي العام على الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
كان الاتحاد الأفريقي علق عضوية نواكشوط، كما حدث مع القاهرة، وشكك مراقبون دوليون في الاتجاه الذي ستسلكه البلاد، غير أن المفاضلة بين نظامين، أحدهما ضغط على أعناق الشعب ولم يحقق الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، والآخر كان لا يزال في طور التجربة، دفعت إلى تزكية الحكم الجديد الذي أطلق وعوداً كبيرة في الانفراج والعدالة ونشأة ديموقراطية فتية، تحت يافطة جدل الأفكار والبرامج وليس العصبية القبلية.
حدث ذلك، ولم يكن ما يعرف بالربيع العربي زحف، انطلاقاً من منطقة الشمال الأفريقي. واطمأن قادة دول أفريقية إلى قرار فريد صدر عن قمة الجزائر يفيد برفض الاعتراف بأي نظام يأتي على عربة الانقلابات. إلا أن توازنات إقليمية واعتبارات تطاول العلاقة بين فرنسا تحديداً ومستعمراتها السابقة، جعلت القبضة العسكرية في نواكشوط تتحول إلى يد ناعمة، عبر اضطرار الجنرال محمد ولد عبد العزيز لأن يترك الثكنة ويتحدث بلغة أهل السياسة، إذ يتم الإصغاء إلى الصوت المعارض وليس إسكاته بطلق النار. فقد بدأ العسكريون ينضبطون إلى أوفاق اللعبة السياسية التي لا تكتمل من دون تأمين الأضداد بين المعارضة والموالاة.
قبل الإعلان عن ترشحه لولاية ثانية، تنبه الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته إلى أن أهم برنامج انتخابي يستقطب الاهتمام داخلياً وخارجياًَ في الآونة تختزله كلمة سحرية موزعة بين الأمن والاستقرار. وعلى رغم أن بلاده لم تعرف صراعاً محتدماً، خرج عن السيطرة، مع التيارات الإسلامية، في ظل ميل أهل شنقيط إلى رفض العنف ونبذه. فقد عزف الأنشودة ذاتها التي تنحى باللوم على التطرف والمغالاة، واعتمد بذلك خطاباً مزدوجاً يحذر الداخل ويطلب دعم الخارج.
بيد أن معارضيه تلقفوا التجربة الأخيرة في الرئاسيات الجزائرية وانحازوا إلى مقاطعة الانتخابات، ما أفقدها زخماً كان سيجنب اقتراع الشهر الجاري مؤاخذات فرض الأمر الواقع، وإن عبر صناديق الاقتراع. فالمقاطعة مهما كان حجمها تروم التشكيك في مبدأ المشاركة التي هي أساس العملية الانتخابية، لكنها لا تلغي نتائجها. ودلت تجارب أوروبية في الاقتراع، كما حدث أثناء اختيار نواب البرلمان الأوروبي، أن العزوف عن صناديق الاقتراع يفيد التيارات اليمينية المحافظة أكثر من غيرها. وفي الطبعات العربية لا يهم «انتصار» المحافظين بقدر ما يهم تأمين الخرائط في الأذهان ومواقع السلطة.
لكن صورة الجيش تغيرت إلى حد ما، على خلفية مواقف اتسمت بالانضباط لإيقاع الشارع الغاضب. فالعسكريون، في تونس ومصر وجانب منهم في ليبيا، انحازوا إلى فورة الميادين، والاستثناء الوحيد جاء من الجيش النظامي السوري ذي التركيبة التي لا تخلو من نزعة طائفية. وكما ظهر عبد العزيز لدى قيادته الانقلاب على ولد الطايع بصورة الباحث عن إنقاذ بلاده، استطاع الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي أن يخطف الأضواء عسكرياً ورجل سياسة.
لم يدر في خلد عبد العزيز أن توصيفاته ستعمم على نطاق أوسع. ساعده في ذلك أن الانقلابات العسكرية في البلدان الأفريقية عادة ما تقود إلى الانفلات والاضطرابات، بينما أرخى القبضة العسكرية في بلاد شنقيط. فانقرضت أحزاب وظهرت أخرى وسادت أجواء حراك سياسي يدور داخل المربع الذي يفيض فيه الكأس. مناخ حذر ومراقب، لكنه أفضل من فرض سطوة خنق الأنفاس التي ينجم عنها تحريك السواكن الراكدة. كان حرياً أن يتعزز من خلال توسيع هامش المشاركة والإفساح في المجال أمام انتخابات نزيهة وشفافة لا تبعد أي فصيل ولا ينفر منها أي تيار.
ثمة اختلافات جوهرية بين التجارب، وإن كانت الصورة تلتقي عند عودة الجيش إلى مقاليد السلطة بعد مغادرة الثكنات. فقد حكم ولد عبد العزيز بلاده خلال ولاية كاملة، غاب فيها بضعة أشهر لتلقي العلاج، من دون حدوث أي تململ، وربما أنه من موقعه هذا أقرب إلى استيعاب دروس التحولات الجارية. غير أن صناديق الاقتراع تبقى مثل أي فرضيات لا تحيد عن النتائج المتوقعة. وما ينشده الموريتانيون ليس مجرد التطبيع مع الدورات الانتخابية، ولكن التفاعل مع ضرورات التغيير الذي يجري التعبير عنه بكل الأصوات، وضمنها اللجوء إلى مقاطعة الانتخابات.
“الحياة” اللندنية