الرئيسية / وجهات نظر / هل آن أوان مراجعة الربيع العربي
ds-3ContinuityandChangeCon12

هل آن أوان مراجعة الربيع العربي

بقلم: ناصر الرباط*

في قصة تروى عن زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية للصين عام ١٩٧٢، سئل رئيس الوزراء الصيني البارع شو إن لاي عن رأيه في الثورة الفرنسية فأجاب: «من المبكر الحكم الآن». استخدمت هذه الأقصوصة مرات عدة للدلالة على بعد نظر شو إن لاي وعمق حسه التاريخي، ولو أن العديد من المعلقين لفتوا النظر إلى أنه ربما فهم السؤال خطأ بسبب الترجمة: فهو كان يعلق على «الثورة» الفرنسية التي كانت ما زالت طازجة، أي ثورة الطلاب في ١٩٦٨، وليس الثورة الفرنسية الكبرى عام ١٧٨٩ كما قصد سائله.
مهما يكن من أمر، فالجواب يستحق التأمل في ما يتعلق بالثورات عموماً، فنتائجها بعيدة المدى ولا يمكننا التكهن بتأثيراتها النهائية من خلال النظر إلى نتائجها الآنية. فثورة الـ١٩٦٨ لم تؤدِ إلى الكثير من التغيير سياسياً في بنية أنظمة الغرب، لكنها نجحت على المدى القصير في فرملة الاندفاعة الأميركية في حرب فيتنام، وربما أثرت في إنهائها عام ١٩٧٥. أما على المدى البعيد فكان لها أثر هائل في تغيير البنى الاجتماعية في الغرب، وفي العالم أجمع لاحقاً. فهي رسخت تعاطف اليسار الغربي مع حركات التحرر الوطني في العالم وسرّعت إنجاز استقلال العديد من الدول الآسيوية والأفريقية. وهي أنتجت الثورة الجنسية التي حطمت العديد من التابوات الاجتماعية وحررت الجنس لتجعله، في الغرب على الأقل، ممارسة حرة بين شركاء، بغض النظر عن نوع العلاقة بينهم، بل لاحقاً بغض النظر عن جنسهم. وهي دفعت بحركة تحرر المرأة دفعة جبارة كبتْ فيما بعد لكنها لم تتراجع. وطبعاً لو أمعنّا النظر في تأثيرات الثورة الفرنسية الكبرى عام ١٧٩٨ لوجدناها تفوق نوايا وأغراض مشعليها الأصليين.
هذه المقدمة ضرورية بالنسبة الى لسؤال الذي يطرحه هذا المقال عن ثورات الربيع العربي: هل آن أوان مراجعتها؟ الجواب المباشر طبعاً أنه لم يئن بعد. لكننا في موقع اليوم، بعد حوالى خمس سنوات على اندلاع الثورات في أكثر من خمسة بلدان عربية، ووأد بعضها الآخر في المهد، يُسمح لنا باستشراف بعض تأثيراتها على المديين القريب والبعيد. فهي، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها، وهذه أمور يصعب الحكم عليها الآن في خضم الأحداث التي ما زالت تلعلع في سورية واليمن وليبيا، أفصحت عن بنى مهترئة في السياسة والاجتماع العربيين، وأرست إرهاصات تراجع يمكن أن يكون حاداً بل بتّاراً في تأثيره على الأجيال العربية المقبلة.

للمزيد:الربيع العربي.. نار حارقة!

فأنظمتنا الشمولية أثبتت عدم قدرتها على التأقلم مع التغيير. فهي إما صمدت بالعنف والقهر، كما في سورية، أو انهارت جزئياً كما في مصر واليمن، أو كلياً كما في ليبيا. هذا الانهيار لم يصاحبه تخلخل البنية المسماة «الدولة العميقة» أو صعود قوى سياسية جديدة فاعلة. فالثوار الأنقياء الأصليون انسحبوا من الساحة لأنهم لم يحولوا هبّاتهم إلى كيانات سياسية متماسكة تسعى إلى تطبيق المبادئ التي ثاروا لأجلها أصلاً، أو لأنهم أزيحوا عنوة بسبب عسكرة ثوراتهم وحل محلهم منتهزو فرص منظمون، وأحياناً مسلحون، من الحركات الإسلامية في أغلب الأحوال التي كان قد أتيحت لها عقود من التنظيم السري على رغم الاضطهاد الذي لاقته على أيدي الأنظمة الشمولية. لكن حتى هذه الحركات الإسلامية عجزت عن مقاومة المد الارتدادي لأجهزة الدولة العميقة التي استعادت الزمام في مصر وبدرجة أقل في تونس واليمن، ليس بسبب فعاليتها ومرونتها، بل بسبب تغلغلها في كافة مناحي الحكم، وبسبب انعدام الرادع والرقيب.
فالظاهرتان، انسحاب الثوار وعودة الدولة العميقة، وجهان لعملة واحدة: القمع المتطاول الذي قضى في شكل ممنهج على أي أثر للسياسة في جمهوريات العرب بسبب تسلط العسكر على مدى أكثر من نصف قرن. وهذا أيضاً ما يمكن ملاحظته في تخبط الحركات السياسية المدنية المعارضة والخجولة التي نشأت داخل أو خارج الوطن وضعف تأثيرها على مجريات الأحداث في سورية وليبيا خصوصاً.
اجتماعياً، إبان تراجع الثورات عن سيطرة شنيعة لمفاهيم ما قبل-الحداثة على مقومات الانتماء والاجتماع بغض النظر عن مظاهر المعاصرة التي صاحبت الثورات من انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي وانتعاش ملحوظ في الانتاج الثقافي المتحرر. فالدولة الوطنية، التي مضى على إنشائها ما لا يقل عن ثلاثة أرباع القرن، ظهرت هشة وسطحية. والمواطنة، التي كان يفترض أن تكون ثمرتها الأهم، سرعان ما تحللت وصعدت مكانها انتماءات طائفية وقبلية وإثنية ومناطقية بعضها يعود لأكثر من ألف سنة. كذلك بدت للعيان مأساة المرأة العربية، التي ظهرت بعيدة جداً من المشاركة في الفضاء العام كمواطنة تامة المواطنة، على رغم بعض التجارب الجريئة لنساء عربيات قليلات لدرجة أننا أصبحنا نعرفهن بالاسم وحصلت واحدتهن، توكل كرمان، على جائزة نوبل لممارستها حقها السياسي العادي. وفي النهاية أثبتت الهياكل التقليدية الراسخة سطوتها باستعادة تسربلها بالدين والعادات والعرف والأخلاق لكي لا تضطر إلى التنازل عن أي من مكاسبها المادية والسلطوية.
كيف ستتأثر الأجيال العربية الشابة بهذه الانتكاسة المريعة؟ بل كيف ستتعامل مع المهمة الشاقة في إعادة بناء كل شيء عندما تضع الحروب العبثية الهدامة أوزارها في سورية واليمن وليبيا والعراق؟ هل ستنكفئ، كما الأجيال قبلها التي انسحبت تماماً من الشأن العام إثر انقلابات العسكر في الخمسينات والستينات، وتقبل بقدرها الطاغي؟ هل ستهاجر بأعداد غفيرة كما يفعل الكثيرون اليوم بحثاً عن فرص أفضل في عالم أرحب وأكثر معاصرة أو هرباً من الدمار العمراني والتفتت المجتمعي والتشتت الفكري الهائل وانحدار التعليم، بل انعدامه في بعض سورية وليبيا واليمن، وانعدام فرص العمل والاجتماع والاختلاط بين الجنسين؟ هل ستحاول العيش على فتات الهبات والمعونات التي ستأتي من عالم أهملها إبان محنتها كما حصل في العديد من الدول الأفريقية التي انهارت تماماً إثر حروبها الأهلية وأصبحت عالة على المجتمع الدولي؟ أو هل ستستعيد هذه الأجيال الشابة المبادرة وتعيد تنظيم نفسها سياسياً ومعرفياً لكي تنتزع قدرها من مغتصبيه الجدد وأوصيائه القدامى؟
كما قال، أو لم يقل، شو إن لاي: «من المبكر الحكم الآن».

* كاتب سوري/”الحياة”