الرئيسية / وجهات نظر / التحوّل الديمقراطي ورهانات المصالحة
الدكتور-لكريني

التحوّل الديمقراطي ورهانات المصالحة

بقلم: إدريس لكريني*

تتنوع أشكال العدالة الانتقالية بحسب الخلفيات التي تحددها والأهداف المتوخاة منها؛ وعادة ما تتم عبر إحداث لجان لتقصي الحقائق بصدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكشفها أمام الرأي العام؛ أو من خلال المقاربة القضائية ومحاكمة الجناة أمام القضاء المحلي أو الدولي؛ أو عبر تقديم تعويضات مادية (أموال وخدمات اجتماعية وتربوية ونفسية وصحية..) ومعنوية (تقديم اعتذار رسمي للضحايا وحفظ الذاكرة..) وجبر الضرر للضحايا عما لحق بهم من مآس ومعاناة؛ أو بإعمال إصلاحات مؤسساتية تسمح بترسيخ سيادة القانون وتجاوز سلبيات الماضي وإكراهاته عبر إصلاح وتطوير المؤسسات الأمنية والقضائية، وتعزيز المنظومة القانونية؛ وتدبير التنوع المجتمعي بمختلف مظاهره العرقية والإثنية والدينية والثقافية، بصورة ديمقراطية على أساس العدالة والمساواة، أو بالسعي لتحقيق مصالحة بين مختلف الفرقاء السياسيين؛ علاوة على وسيلة أخرى ترتبط بإقامة النصب والمتاحف لحفظ الذاكرة؛ إضافة إلى منع المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من تولي مناصب حكومية أو ذات طابع سلطوي داخل مؤسسات الدولة.
تشكل لجان الحقيقة والمصالحة العمود الفقري للعدالة الانتقالية، فإحداثها غالباً ما يأتي في مرحلة مفصلية من تطور الحياة السياسية للدول؛ ومع توافر قدر من التوافق بين مختلف الفرقاء السياسيين باتجاه طي صفحات الماضي.
إن الانتقال السلس نحو الديمقراطية وإقامة دولة عصرية تسمح بتحقيق السلم والتعايش بين مختلف الأطراف وتجاوز مظاهر الانتقام والإقصاء والعداء؛ لا يمكن أن يتم إلا عبر إعمال مصالحة وطنية تدعم هذا الانتقال؛ ذلك أن تراكمات الماضي السلبية غالباً ما تحول دون تحقق الاستقرار والتحول نحو الديمقراطية. وتقدم جنوب إفريقيا تجربة مهمة في هذا الصدد؛ نجحت من خلالها في تحقيق وحدة وطنية داخل مجتمع مزّقته الصراعات وسياسات التمييز العنصري لسنوات.
إن المصالحة هي سعي للبحث عن المشترك داخل مجتمعات سِمتها التنوع والاختلاف، وتجاوز الدخول في السجالات والصراعات بمنطق الغلبة بالنظر لتكلفتها الخطرة على الدولة والمجتمع. فهي (المصالحة) غالباً ما تسهم في إعادة الاعتبار المعنوي والمادي للضحايا وتدعم اندماجهم داخل المجتمع وتساعد على تدبير الصراعات والأزمات؛ وعلى ترسيخ الاستقرار والأمن بأقلّ جهد وإمكانات ووقت.

المزيد: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب

ويمكن التمييز بين المصالحة الفردية التي تنصب على تقديم الاعتذار والتعويض لبعض الضحايا بصفتهم الشخصية؛ والمساهمة في إدماجهم داخل المجتمع من جهة؛ والمصالحة الوطنية التي تحيل إلى الشمولية في التعاطي مع تراكمات الماضي من حيث الاعتراف بالانتهاكات والسعي لتجاوزها عبر جبر الضرر الفردي والجماعي والعمل على تحصين الأجيال الصاعدة ضد هذه الانتهاكات عبر دعم المنظومة القانونية وترسيخ استقلالية القضاء ودعم حقوق الإنسان.
من جهة ثانية، يبدو أن هناك قدراً من الالتباس يعتور مفهوم المصالحة وما إذا كان يعني الصفح والعفو أو المحاسبة، حيث تتباين الرؤى في هذا الإطار بين من يؤكد ضرورة تجاوز الإفلات من العقاب وكشف الحقائق تجاه المسؤولين عن جرائم الماضي في علاقة ذلك بانتهاكات حقوق الإنسان؛ فيما نجد توجهاً آخر وإن كان يستحضر أهمية المحاسبة وكشف الحقائق؛ فهو يؤكد أهمية إقرار العفو في مواجهة الخصوم كسبيل لتجاوز الاحتقان أو أي مظهر من مظاهر الانتقام؛ وبخاصة أن عدداً من المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم يشتغلون في مسؤوليات حكومية قد تسمح لهم بعرقلة أي إصلاح.
إن لجان المصالحة هي هيئات مستقلة ومعترف بها من قبل الدولة وتشتغل عادة لفترة زمنية محددة وتتشكل من هيئات غير قضائية؛ وعادة ما يرتبط إحداثها بمرحلة انتقالية تشهدها الدولة؛ وتنصب مهامها على فحص ومقاربة ملفات انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان حدثت في الماضي؛ بسبل مختلفة تتراوح بين تعويض وتأهيل الضحايا وكشف حقيقة الأحداث وأسماء الجناة وتعريضهم للمساءلة والمحاكمة، وعادة ما تنهي عملها بتقرير ختامي يتضمن عدداً من الخلاصات والتوصيات الكفيلة بإسماع أصوات الضحايا وبتجاوز ومنع ارتكاب هذه الممارسات في المستقبل؛ وبتحقيق مصالحة وطنية داعمة لكل تحول سياسي بناء.
تهدف لجان المصالحة إلى تصحيح التاريخ وتجاوز المعطيات الرسمية المغلوطة؛ وترسيخ التواصل بين مختلف الفرقاء والنخب داخل المجتمع؛ وتعزيز منظومة حقوق الإنسان عبر سنّ التشريعات والمصادقة على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة؛ إضافة إلى ترسيخ الحكامة الأمنية من خلال إصلاح منظومة السجون؛ والقانون الجنائي.
كما تنطوي على تكلفة أقل مقاربة مع خياري المحاسبة والمحاكمات الجنائية في اعتقاد مؤيديها؛ ذلك أن المساءلة تطرح إشكالات بصدد القانون الواجب التطبيق وما إذا كان الراهن منه أو الذي حدث خلاله الجرائم.
وأسهمت تجارب المصالحة التي مرت بها الكثير من البلدان في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا، في إغناء وإثراء السياق النظري للعدالة الانتقالية في العالم؛ حيث طبع التميز جل هذه التجارب التي جاءت في سياقات تاريخية وسياسية واجتماعية متميزة.
وفي المغرب، كان لتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة التي أحدثت سنة 2004 أثر كبير في دعم الإصلاحات السياسية والدستورية التي اتخذت منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم؛ رغم الصعوبات التي رافقت عملها.
وتشترك معظم الدول العربية في كونها مرت على امتداد فترات من تاريخها بأزمات سياسية واجتماعية انتهكت فيها حقوق الإنسان بأبشع الصور (اختطافات واغتيالات واستعمال أساليب مختلفة من التعذيب..)؛ بما أثّر بالسلب في استقرارها وفي مسارها السياسي والتنموي؛ وأفرزت صراعات اتخذت طابع العنف في كثير من الأحيان.
إن ما تشهده دول الحراك من تحولات وصراعات؛ يبرز حجم المشكلات الخطرة التي تراكمت على امتداد سنوات عدة؛ تجعل من أي مبادرات إصلاحية – في غياب مصالحة وطنية شاملة تستمد مقوماتها من أسس العدالة الانتقالية كما هي متعارف عليها عالمياً – أمراً نسبياً ؛ بل وتجعل هذه الأقطار معرضة لمزيد من الانتكاسات والأزمات الاجتماعية والسياسية؛ ويشرع الباب أمام سيادة الانتقام وانتهاك الحقوق والحريات.

*مدير مجموعة الأبحاث والدراسات الدولية/”الخليج”