الرئيسية / دولي / هل فقدت الدبلوماسية الفرنسية تأثيرها في الساحة الدولية؟
أولاند وفابيوس

هل فقدت الدبلوماسية الفرنسية تأثيرها في الساحة الدولية؟

في خضم الأزمات الكبرى التي يشهدها العالم، تطرح داخل فرنسا تساؤلات عدة بخصوص موقع البلاد على مسرح الأحداث الدولية خصوصا في ظل استمرار الهيمنة الأمريكية والعودة القوية لروسيا والريادة الواضحة لألمانيا على المستوى الأوروبي.
السنوات الماضية شهدت تحولا في السياسة الخارجية الفرنسية مع انتخاب نيكولا ساركوزي الذي قاد التدخل العسكري لحلف “الناتو” لإسقاط نظام القذافي، بالرغم من كون الرئيس السابق كان قد بدأ من التقرب من الزعيم الليبي في الأعوام الأخيرة لحكمه، وهو ما عكس قطيعة مع السياسة المتبعة على عهد جاك شيراك التي كانت أقل اندفاعية.
هذا التحول لم يقد بالضرورة إلى عودة الدور الفرنسي المؤثر في السياسة الدولية، بل جعل من باريس حسب البعض راعيا جيدا للسياسة الخارجية الأمريكية.

تكريس الفشل في سوريا
على عهد ساركوزي تبنت فرنسا خيارا مشابها بالنسبة للأزمة السورية، حيث طالبت برحيل بشار الأسد، الذي لم تكن تجمع بلاده علاقات سيئة مع المستعمر السابق، وهو النهج الذي واصله فرانسوا هولاند بعد انتخابه رئيسا جديدا عام 2012.
بعض المحللين يرون أن السياسة الفرنسية في الملف السوري فاشلة، والأكثر من ذلك أنه بدأ يتم استبعاد فرنسا من أن يكون لها دور مهم في تحديد مستقبل سوريا، خصوصا بعد استبعادها من المشاورات الأخيرة التي جمعت قوى دولية وإقليمية هي الولايات المتحدة وروسيا وإيران والسعودية وتركيا.
وتنصب الانتقادات الموجهة للدبلوماسية الفرنسية بخصوص سوريا على تبنيها لموقف تبسيطي ومتطرف من خلال الانحياز للتوجه القطري والسعودي الرافض لوجود بشار الأسد، وهو ما تم على حساب الجانب الإيراني الذي عاد بقوة على الواجهة كلاعب رئيسي تعترف له الأوساط الدولية بدور مؤثر في الملف.
بالمقابل، تجلس السعودية في نفس الطاولة مع الإيرانيين الذين ساهموا في عدم سقوط نظام الأسد، بينما خرجت فرنسا من اللعبة وظهر وكأنها وقعت في مقلب.فابيوس- كيري1

في خدمة الحليف الأمريكي
السياسة الخارجية الفرنسية المرتكزة على الخط الذي رسمه الرئيسان السابقان شارل دوغول وفرانسوا ميتران وصل مداه عام 2003.
آنذاك، لم يرق لعدد من الدبلوماسيين الفرنسيين المتأثرين بتيار “المحافظين الجدد” في الولايات المتحدة موقف الرئيس جاك شيراك والوزير الأول دومينيك دوفيلبان من الحرب الأمريكية على العراق، بحسب ما يؤكده الباحث جون ميشيل كاتربوان.

إقرأ أيضا: جوبي ينافس ساركوزي على ترشيح “الجمهوريين” لرئاسيات فرنسا
هؤلاء “المحافظون الجدد” الفرنسيون هم من يديرون اليوم الدبلوماسية في بلاد الأنوار، ويبدو أنهم تجاوزوا نظراءهم في الولايات المتحدة.
التذمر من الوضع الحالي وصل إلى حد مطالبة الصحفي الفرنسي رونو جيرار بأن تتوقف “فرنسا عن لعب دور كلب الولايات المتحدة”!!.
ويرجع جيرار هذا الموقف الفرنسي إلى عوامل عدة منها الانبهار بالقوة الأمريكية، وإلى كون البلاد يديرها أشخاص لا يرون لفرنسا حضورا سوى من خلال معسكر غربي تقوده بلاد العم سام.
ما ينتظر الغرب والعالم من فرنسا، في نظر الصحفي المخضرم، هو تحليل مستقل للأحداث الدولية التي تجري وانتقاد للولايات المتحدة وليس الانحياز التام إلى جانبها.

على الهامش في الملف الإيراني
الملف الإيراني شكل في نظر البعض أحد المطبات الكبرى للدبلوماسية الفرنسية، والتي أظهرت تشددا كبيرا تجاه طهران على غرار موقفها من حليفه الأسد، قبل أن تقود واشنطن “اتفاقا تاريخيا” مع الجمهورية الإسلامية في حين ظلت باريس على الهامش.


تصلب الموقف الفرنسي تجاه إيران تمثل في رفض وزير الخارجية لوران فابيوس حضور إيران لمؤتمر جنيف الثاني حول الأزمة السورية بالرغم من كونها لاعبا إقليميا رئيسا ولها دور مؤثر في الملف.
السياسة الفرنسية تجاه إيران وصفها رونو جيرار بكونها “عقيمة” وغير “واقعية”، وهو ما يعكس انحرافا عن النهج الذي رسمه دوغول.
بالنسبة لرونار فإن باريس فوتت على نفسها فرصة لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وبالتالي كان بإمكانها أن تكون هي من قادت التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني.
الاصطفاف مع قطر ضد إيران في الملف تبدو أيضا غير واقعية بالنسبة للباحث جون ميشيل كاتربوان، حيث يؤكد هذا الأخير أنه من “العبث تفضيل علاقة مع بلد صغير جدا من الناحية الديمغرافية والثقافية على بلد مثل إيران يبلغ تعداد سكانه 80 مليون سنة”.
الموقف المتشدد من إيران قد تكون له كلفة اقتصادية بالنسبة لفرنسا، حيث أكد رونو جيرار أنه قد يحرم باريس من الظفر بصفقات اقتصادية مستقبلا، في حين قد تكون ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة المستفيد من التقارب مع الجمهورية الإسلامية.

في ظل هذا الوضع، تبقى التساؤلات إن كانت السياسة الخارجية الفرنسية قد تشهد عودة إلى الخيار الدوغولي مستقبلا، أم أنها ستكرس التماهي مع السياسة الأمريكية، سواء استمر فرانسوا هولاند في السلطة أو تمكن نيكولا ساركوزي من العودة إلى قصر الإيليزيه.