الرئيسية / إضاءات / كيف دفع أردوغان رفيق دربه إلى الاستقالة؟
مجنون الحكم أردوغان

كيف دفع أردوغان رفيق دربه إلى الاستقالة؟

بعد أن عمل إلى جانبه طيلة سنوات ساهم فيها في صياغة سياسة تركيا الخارجية، تفرقت السبل بين أحمد داود أوغلو ورجب طيب أردوغان.

رئيس الوزراء التركي وقف يوم أمس الخميس أمام المنصة ليلقي خطابا ليس كغيره، من خلاله أعلن نزوله من مركب الحكومة، الذي سيتعين عليه، من الآن فصاعدا، مواصلة الرحلة بقيادة ربان آخر لا يختلف مع القائد الأعلى في تسيير وجهة السفينة.

وبالرغم من تأكيده على “متانة العلاقة مع القائد”، إلا أن كلمات الوداع والوصايا التي تركها أوغلو لرفاقه في حزب العدالة والتنمية الحاكم، أزالت النقاب إلى حد ما عن الأسباب التي وضعت نهاية لمسيرة أستاذ العلاقات الدولية ووزير الخارجية السابق ورئيس الوزراء في تركيا.

“لقد قال الشعب لا للنظام الرئاسي”، كان تصريحات رئيس الوزراء السابق في يونيو بداية النهاية بالنسبة للرجل الذي خرج من أروقة الجامعة إلى عالم السياسة وأروقة الخارجية التركية، حيث أعلن بعظمة لسانه اختلافه مع الرئيس التركي الذي لا يتحمل أن يقف أحد أمام هدفه لتكريس السلطة التامة على الحكم في تركيا، حتى ولو تعلق الأمر بأوغلو، رفيق الدرب السياسي.

وبالرغم من أن اختلاف وجهات النظر بين الرجلين لم تكن واضحة المعالم في البداية، إلا أن الصراع الحقيقي بدأ بشكل فعلي منذ السنة الفارطة، حين عقد اجتماع ساخن بين الرجلين بشأن أعضاء الهيئة العُليا للحزب، والتي يقوم رئيس الحزب بتعيينها، إلا أن رغبة أوغلو الرئيس الجديد للعدالة والتنمية، في تزكية بعض الأسماء البعيدة عن معسكر الرئيس التركي لم تكن سوى صيحة في واد الحزب الحاكم، بعد أن وافق على قائمة أعضاء الهيئة التي “كتبها أردوغان بنفسه” في نهاية المطاف.

ولم ينحصر خلاف أردوغان ورفيق دربه في تعيين أعضاء الهيئة العليا فحسب، بل إن مواقف أوغلو المتعارضة مع طموحات الرئيس، خاصة المتعلقة بالتحول إلى نظام رئاسي بدل البرلماني ومسألة احتجاز الصحفيين المعارضين لأردغان قبل محاكمتهم، وهو ما لم يرق محيط هذا الأخير، حيث اتهم رئيس الوزراء بـ “خيانة الرئيس”.

ولعل القرار الذي خرجت به قيادة الحزب الحاكم الأسبوع الماضي، والذي قضى بسحب صلاحيات تعيين مسؤولي الحزب في المحافظات والمناطق من بين يدي أوغلو، شكل “القشة التي قسمت ظهر البعير” حيث اعتبرها البعض أول ضربة لمحاولة تجريد الرجل من سلطته.

هذا وشكل تنحي رئيس الوزراء عن منصبه يوم أمس الخميس، مادة دسمة للصحافة الوطنية التي أكدت أن القرار لم يكن مفاجئا، نظرا إلى الصراعات المتتالية بين الرجلين، حتى وإن كانت في الكواليس، بالإضافة إلى وجود لوبي قوي داخل الحزب الحاكم كان يرى أن تحركات أوغلو لا تتناغم ورؤية الرئيس، ما عجل بنهاية الرجل كرئيس للوزراء.

ويرى عدد من المراقبين أن تقليص صلاحيات رئيس الحزب وإيكال مهمة تعيين قيادات الحزب في المحافظات والمناطق إلى الهيئة العليا التي اختارها أردوغان بنفسه، وذلك بعد أن ظلت هذه المهمة لـ 14 سنة حكرا على رئيس الحزب، ستكون نقطة تحول في تاريخ حزب “المصباح” التركي الذي طالما تباهى بتماسكه منذ اعتلائه السلطة في 2002.

إلى ذلك، يضيف مراقبون أن افتراق توأمي حزب العدالة والتنمية، من شأنه أن يقود إلى انشقاقات داخلية بالرغم من تشديد أوغلو في كلمته الختامية على ضرورة “التماسك لحماية الحزب من الانشقاق”، خاصة في ظل الأزمة التي تعرفها البلاد، التهديدات المتطرفة وتدفق اللاجئين من جهة، والنزاع الكردي والحرب في سوريا من جهة أخرى، والأزمة الاقتصادية التي تعرفها البلاد بسبب فقدانها لأسواق مهمة كالسوق الروسية.

وفي نفس السياق، رجح عدد من مراقبي الشأن التركي أن تنحي أوغلو ربما جاء نتيجة لمخاوف أردوغان من أن يخطف هذا الأخير الأضواء منه  داخل البلاد والحزب الذي أسسه، نظرا إلى تراجع شعبيته بسبب أخطائه في سياسته الداخلية والخارجية.

إلى ذلك، يرى آخرون أن استقالة رئيس الوزراء من منصبه عجلت بدخول تركيا إلى النظام الرئاسي حتى وإن لم يتم التعديل الدستوري الذي يطمح إليه أردوغان من مدة، الأمر الذي سيجعل من مهمة رئيس الوزراء “غير ذات قيمة” بحيث ستصير مقتصرة على إدارة أعمال وزراء الحكومة.

“لو لزم الأمر سأترك منصبي وأضحي بنفسي من أجل الحزب… الليلة هي الإسراء والمعراج… لنتأمل جميعًا ونذكِّر أنفسنا…لقد قد قلت سابقا إنه لا غالب إلا الله، وأقول اليوم توكلت على الله”، كلمات ودع بها خبير العلاقات الدولية شعبه تاركا دموعا في عيون أنصاره ورفاقه، في انتظار ما ستؤول إليه الأيام في تركيا بقيادة الربان الجديد.